تكون الحقيقة اول ضحايا الحرب.. لكن روح الفكاهة قد تكون بين اول ما تتمخض عنه. وحين يقع حدث جلل لا يعدم الناس ان يخرج احدهم في مكان ما ويطلق نكتة عن هذا الحدث.. جزء من الطبيعة البشرية التي لا تعترف بحدود لروح الدعابة. لكن الوضع كان مختلفا قليلا عقب هجمات 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي في نيويورك والتي الجم عنصر المفاجأة فيها الناس نحو اسبوعين قبل ان تبدأ النكت. وحين ربط الرئيس الامريكي جورج بوش بين الهجمات واسامة بن لادن وافغانستان واثار تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تلجأ لضربة نووية خرج احدهم ليقول «توقعات حالة الطقس لافغانستان هي 3000 درجة مئوية ورياح شديدة جدا». وظهر سؤال آخر «ما هي التوقعات الجوية لخمسة ايام في افغانستان»، وكانت الاجابة «يومان فقط» في تلميح الى ان افغانستان لن تكون موجودة بعد هذين اليومين في ظل القصف الجوي العنيف. وتحول التيار الضعيف الى فيضان عبر البريد الالكتروني. ويرى المتخصصون في علم النفس انه بعيدا عن التهوين من شأن الحدث يمكن للفكاهة ان تشفي ليس جراح الافراد فقط وانما المجتمعات وربما الامم ايضا. ويقول هنري مايندس البروفيسور في جامعة انيتوج بكاليفورنيا انه «بالعثور على شيء يضحكنا فاننا نعيد الاتصال بفرص استمرار الحياة.. وهذا ما يحدث في امريكا بعد الضربة الساحقة التي تلقيناها يوم 11 سبتمبر». واضاف ان «قدرتنا على الضحك على انفسنا وزعمائنا علامة على مرونتنا وبعد نظرنا.. ودليل على اننا كأمة يمكن ان نتعافى من جرحنا لنعلن تصميمنا على ان نعيش حياتنا بالطريقة التي نراها ملائمة والا ننحني لاي طاغية او مجنون». وتركزت النكات في الولايات المتحدة في البداية على حركة طالبان واسامة بن لادن واتسمت بالعنصرية ومهاجمة اسلوبهما المتزمت دينيا في الحياة. وكان هدف النكات والرسوم الكاريكاتيرية مختلفا في الشرق الاوسط وباكستان. وفي باكستان جرى تداول صورة ادخلت عليها تعديلات ليبدو ابن لادن والرئيس الامريكي جورج بوش يشاركان في احتفال لتأبين الرئيس الباكستاني برويز مشرف في اشارة سوداء الى المخاطرة السياسية التي يقدم عليها مشرف باتخاذ صف الولايات المتحدة في الحملة ضد افغانستان. وتنشر الصحف الموالية للحكومة والصحف المعارضة في مصر رسوما كاريكاتيرية سياسية تسخر من القاء الولايات المتحدة لمواد غذائية الى جانب القنابل على افغانستان. ونشرت صحيفة «الاخبار» رسما تحت عنوان «الطائرات الامريكية تسقط وجبات جاهزة على افغانستان» يظهر افغانيا اشعث بملابس مهلهلة يجلس على قمة تل ممسكا بشطيرة هامبورجر في يد بينما يلوح بقبضة يده الاخرى صائحا في الطائرات الامريكية التي تمر فوق رأسه «فين الكاتشب يا كفرة ياولاد الحرام». واعادت الصحيفة نشر الرسم الكارتيري بناء على طلب القراء كما اصبح مادة مفضلة عبر الانترنت. وصور رسم اخر في صحيفة الوفد المعارضة طائرات امريكية تلقي قنابل ودجاجات سمينة. وكتب على احدى الدجاجات «مذبوحة طبقا للشريعة الاسلامية» والى جوارها كان افغاني معمم كتب بجانبه «مذبوح طبقا للشريعة الامريكية». وسخر رسم كاريكاتيري آخر بصحيفة الاخبار من استبداد الشك بالامريكيين تجاه ذوي الاصول العربية فصور شارعا في نيويورك به رجلا امن يريان كل المارة في هيئة اسامة بن لادن بما في ذلك ام وطفلها الذي يرقد في عربة اطفال تدفعها الأم. ولم تقف الفكاهة عند حدود اليابسة. فعلى متن حاملة الطائرات الامريكية كارل فينسن التي تشارك في الحملة ضد افغانستان يرسم احد الضباط كاريكاتيرا على خلفية جدول الاقلاع الذي يضعه يوميا لمهمات القصف. وصور احد الرسوم ضابطا شرطة يسألان انثى دلفين عن زوجها المفقود في تلميح الى واقعة في الليلة السابقة حين اضطر احد الطيارين للتخلص من صاروخ فوق مياه البحر ليوازن طائرته قبل الهبوط. وحتى مجلة «اونيون» اي «البصل» الامريكية الساخرة وجدت ان عليها التزام الحذر عقب هجمات 11 سبتمبر، وقالت رئيسة التحرير كارول كولب «استبعدنا الكثير من العناوين الرئيسية لاننا شعرنا انها قد تتضمن قدرا من الاهانة برغم ما فيها من فكاهة». والمفاجأة ان الصحيفة اجتذبت عددا اكبر من القراء بتناول هجمات 11 سبتمبر رغم الحساسية التي تحيط بالمسألة. وقالت كولب ان طبعة الانترنت من الصحيفة سجلت دخول مليوني زائر خلال الاسبوع الذي اعقب الهجمات بالمقارنة مع مليون زائر في المتوسط عادة. واضافت «اعتقد انه في الاوقات الصعبة يحتاج الناس لنوع من التسرية. انهم يحتاجون لاسلوب جديد في النظر للامور. واعتقد ان الفكاهة اسلوب للتعليق على الاحداث مع التزام الدعابة والترويح». ووقعت ايضا بعض المفارقات الفكاهية الحقيقية. ففي وقت سابق من الشهر الجاري احتجزت الشرطة الايطالية سائق شاحنة لاكثر من عشر ساعات بعد ان ثارت شكوكهم حين وجدوا كلمة «لادن» بين اوراقه التي كانت سليمة ما عدا هذه النقطة. واثناء استجواب السائق استدعت الشرطة خبراء في ابطال مفعول المتفجرات ومكافحة الارهاب بينما طوق رجال الامن موقع الشاحنة. واتضح في النهاية ان الامر برمته نشأ عن عجز السائق عن التحدث بالايطالية ليوضح لرجال الشرطة ان كلمة «لادن» بالالمانية تعني «حمولة». رويترز