كيف أساء الغرب فهم العرب والإسلام؟ ، المستشرقون يفسرون ظواهر الحاضر في ضوء ما نسيه التاريخ في عام 1987، نشرت مطبوعة بحثية هي مجلة «الدراسات الفلسطينية» الصادرة بالانجليزية وقائع الندوة البحثية التي شارك فيها (بطل) هذه الأحاديث البروفيسور ادوارد سعيد حول موضوع مهم هو: «العلماء والميديا والشرق الأوسط». والمقصود، طبعا، هو البحث العلمي والعمل الاعلامي وقضايا المنطقة التي نعيش فيها. شارك في الندوة فريق محدود من المفكرين نلاحظ من بينهم اسم برنارد لويس، المستشرق الأمريكي المعروف بدراساته المهمة في الفكر والتاريخ العربي ـ الاسلامي من جهة، والمعروف أيضا بتحامله على العرب والمسلمين من جهة أخرى. في الفصل الخامس عشر من هذا الكتاب، يبدأ برنارد لويس بحديث يحاول فيه جاهدا أن يؤكد أن واقع الشرق الأوسط مختلف أشد الاختلاف عن واقع الغرب في أوروبا (الغربية) وفي أمريكا والمعنى والهدف ـ كما قد نتصور، بل كما كان الأستاذ لويس يلمح في السطور وما بين السطور هو: لا جدوى من محاولة التقريب بين العالمين أو بين الثقافتين أو الحضارتين، بمعنى لا جدوى أن التفاهم أو بناء جسور تقوم على أساس شراكة أو ثقة بين الطرفين، كل شيء مميز، مختلف عن الآخر، ومهما جهد العلماء والباحثون في ندواتهم ودراساتهم يؤكد برنارد لويس فهم لن يغيروا من الأمر الواقع شيئا. باختصار، نحن نتصور من جانبنا أن المستشرق الأمريكي يكاد يطرح من جديد ـ وبتنويعات شتى المقولة الاستعمارية التي سبق الى طرحها في قصائده ومنثوراته الشاعر الانجليزي رديارد كبلنج وهي: ـ الشرق شرق والغرب غرب ـ ولن يلتقيا. الارهاب والميديا على الجانب الآخر من هذه القضية نستمع الى صوت الدكتور ادوارد سعيد (ص292) من كتابنا وما بعدها يقول: نحن نتحدث عن العلماء والميديا والشرق الأوسط في هذه اللحظة، ومن هذا المكان (الندوة) فنحن إنما نتحدث أولا عن، الولايات المتحدة الأمريكية شريطة أن نميز بين ميديا الاتجاه العام والميديا الأكثر تخصصا (أو تعمقا واهتماما) سواء من جناح اليسار أو اليمين وعلينا أيضا أن نميز بين الأعمال الفكرية والعلمية عن الشرق الأوسط وهي معزولة عن المسار العام بل وحبيسة المطبوعات والأعمال المتخصصة، وبين وسائل الميديا، النشر، الاذاعة والبث الجماهيري. وفي هذا الاطار يطرح البروفيسور ادوارد سعيد عدة نقاط جوهرية، كمنطلق للنقاش على النحو التالي: أولا، هناك قضية الارهاب (هنا بالذات نلاحظ كقراء للكتاب كيف أن نظرة المثقف الجاد عند الأستاذ سعيد قد سبقت الأحداث أو أن قراءاته كانت من العمق لدرجة أن وصلت الى حال من استشراف المستقبل الذي كان مستكنا لا يزال في ضمير الغيب كيف لا، وكلماته وأحكامه مضى عليها الآن نحو 15 عاما) ثم يواصل ادوارد سعيد الحديث: الارهاب قضية دائمة الالحاح في التغطية الاعلامية الأمريكية (والأوروبية) التي تعرض لأحوال وقضايا الشرق الأوسط وهو بالتحديد عندها ارهاب عربي أو ارهاب اسلامي أحدهما أو كلاهما على السواء، وهو أيضا ارهاب دولي وارهاب جماعات فضلا عن أحاديث ترددت عن شبكات ارهابية كما يضيف ادوارد سعيد تشمل جماعات ودولا عربية ومسلمة وتلقى الدعم من دول أخرى منها مثلا الاتحاد السوفيتي (كان لا يزال قائما ولم يكن أحد يدري إن كان يلفظ أنفاسه الأخيرة) أو من كوبا (لم يثبت على نحو جاد أن دعمت الارهاب) أو نيكاراجوا (الثابت هو أنها تعرضت هي لارهاب عصابات الكونترا الشهيرة التي تحالفت مع نظام الرئيس ريجان في أمريكا ذاتها). والمشكلة كما يصفها ادوارد سعيد أن الارهاب ـ كما تصوره الميديا الغربية ـ كما لو كان هو أمر فطري أو خلقي (بكسر الخاء وتسكين اللام) وليس قائما على أسباب ترجع الى ما يحس به الناس من مظالم أو ما سبق حدوثه من عنف أو بسبب لا يزال محتدما من صراعات. هناك أيضا ما شهده عقد السبعينيات من تيار جاء مع الثورة الايرانية بظروفها الداخلية من واقع مظالم الشاه ونوعية الأوضاع المحلية ـ القومية، في ايران ـ ولأمر ما لقيت الثورة الايرانية وما أسفرت عنه من نتائج وما أفضت اليه من أحداث من يطلق عليها أوصافا من قبيل (عودة الاسلام). ثم إن الميديا الغربية شغوفة بإرجاع ما يحدث في الشرق الأوسط من مشكلات وما قد يقع من تجاوزات أو اضطرابات الى أحداث موغلة في سجل التاريخ حيث أن ماضي المنطقة حافل بداهة بحوادث وصراعات قبلية ودينية وعرقية وغيرها. منظور الغرب إن الميديا الغربية أقامت منظورا مخصوصا تطل من خلاله على كل ما يجري في الشرق الأوسط يصفه ادوارد سعيد بأنه منظور الغرب المتحضر الديمقراطي، وهم يضعون أمريكا في مقدمته ويضمون اليه اسرائيل وتقف تركيا على أبوابه وإن كان دخولها فيه أقل بكثير من استبعادها عنه. هناك ايضا ذلك الترويج لمقولة أن الشرق الأوسط هو الوسط ـ البيئة المحلية التي يمكن أن تشيع فيها عودة نوع جديد من اللاسامية، بمعنى كراهية اليهود والاشارة هنا ترمي الى (تبشيع) هذه العودة وكأنما تربطها بظاهرة من النازية الجديدة المبغضة الى حد كبير الى شعوب أوروبا وأمريكا. ثم يصل ادوارد سعيد الى آخر عناصر هذه الرؤية التي نراها مغرضة أو متحاملة متحيزة الى حد بالغ الاستفزاز من جانب الميديا الغربية في أمريكا وأوروبا الى الشرق الأوسط: المنطقة والناس والمشكلات والمستقبل، تتعلق هذه النقطة الأخيرة بقضية فلسطين. وفي هذا السياق يقف ادوارد سعيد عند الصور الشريرة السلبية التي جهدت الميديا الغربية في رسمها لآليات نضال الشعب الفلسطيني، منظمة التحرير، ياسر عرفات. وهنا يخلص ادوارد سعيد الى أن يقول: هنا تلقى مجاميع متراكمة من الصور والمقولات، بعضها طبقات من فوق بعض وكلها تصب في الرسالة الأساسية التي تود الميديا الغربية أن تبثها ومؤداها أن الفلسطينيين، على فرض أنهم موجودون أصلا، فهم قوم هامشيون (لا يستحقون كل هذا الاهتمام) وهم المسئولون كلية عما لحق بهم من مآس ومعاناة (هذا المعنى الذي ألمح اليه تطرقت اليه كتابات بعض الباحثين اليهود ومنهم بني موريس الاستاذ بجامعة اكسفورد في كتابه له. والسؤال هو: كيف يتوقع المرء من منظور اعلامي على هذا المستوى أن يقدم صورة موضوعية أو شبه موضوعية لما يدور في الشرق الأوسط ؟ إدوارد سعيد يصف هذه الصورة التي تقدمها الميديا الغربية لبلادنا فيقول: انها صورة معيبة يشوبها نقص خطير وهي متحيزة ومعادية الى حد بالغ لا تقوم على أساس معرفة من بعيد أو قريب ومن ثم فهي تقدم رؤية غير ملمة بأطراف الواقع بل تصدر عن موقف من شأنه تقنين المباح والمسكوت عنه. وقد نقول أن المشكلة تنبع إذن من صفوف الصحفيين والاعلاميين، لكن ها هو ادوارد سعيد بين الاضافة والاجابة يقول: المشكلة الحقيقية أن هذه الصورة المختلة (للواقع في الشرق الأوسط) لم تكن لتقوم أو تتشكل إلا بحكم ما أضافته اليها أعمال وكتابات ومؤلفات كوادر شتى من العلماء الدارسين ومن الخبراء والمؤيدين الذين جاءوا من صفوف الاستشراق وجماعات المصالح الخاصة (ولهم طبعا أكثر من لوبي) وفي مقدمتهم يضيف ادوارد سعيد اللوبي الصهيوني الذي أصبح يتمتع (في أمريكا بالذات) بنفوذ غير متناسب وقوة لا تتكافأ مع واقع اسرائيل التي لم تكن وقتها (1987) تضم أكثر من 4 ملايين نسمة في منطقة الشرق الأوسط. بعدها يتطرق ادوارد سعيد ـ في مداخلته ضمن الندوة التي نعرض لها، الى تشخيص الأبعاد العملية أو فلنسمها التنفيذية أو الميدانية للمشكلة هذه الأبعاد تتمثل ـ على مستوى أمريكا بكل تأثيرها ومكانتها. وموقعها المحوري سواء في اطار ظاهرة العولمة المعاصرة، أو في اطار الصراع العربي الفلسطيني ـ الاسرائيلي في أن منظومة الميديا والتثقيف والتوعية الأمريكية تقوم على اساس المنظمات أو المؤسسات القائدة في مجال الصحافة المكتوبة هناك مطبوعات مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فورين أفيرز، نيويوركر، نيو ريببليك، أتلانتك منثلي، وفي مجال الصحافة الالكترونية المذاعة هناك القنوات التلفزيونية التي تبث رسائلها على المستوى القومي وطبعا في مقدمتها الآن شبكة سي.إن.إن. صحيح أن هذه الرؤوس أو المحاور الاعلامية ـ الدعائية تبث رسالتها المكتوبة أو المذاعة من العواصم الكبرى في الولايات المتحدة ولكن الصحيح أيضا أن كل الصحف المحلية وكل الاذاعات المسموعة والمرئية الاقليمية في الاصقاع الأمريكية تأخذ عن تلك الرؤي بل وتعتمد عليها في استقاء الأخبار وتثقيف الجماهير بل وفي تشكيل الاتجاهات وتكوين الآراء ومن ثم توجيه اتجاهات الرأي العام. تلك هي المسألة ويبدو التحيز سافرا بل ومستترا إذ يشير ادوارد سعيد الى أن هذه الميديا الأمريكية ظلت سائرة في مساعيها تقديم هذه الصورة التي يراها البروفيسور سعيد ونراها معه شديدة الاختلال، موغلة التبسيط ومن ثم جسيمة الخطر لأحوال الشرق الأوسط، ويتساءل ادوارد سعيد ترى، هل فكرت هذه الميديا يوما أن تستعين بقائمة من الخبراء الثقات من أهل المنطقة أنفسهم من أجل فهم أعمق واحاطة أشمل لمعنى الاسلام والعروبة؟ والحق أن مثل هؤلاء الخبراء كثيرون ومتاحون، ولكن لا أحد يستعين بهم ولا أحد يشاورهم في الأمر. بل أن الحاصل هو العكس تماماً أنهم في الميديا الأمريكية يستعينون بخبراء من الشرق الأوسط، ولكنهم يستبعدون منهم العرب والمسلمين (ص297) وبدلا من ذلك يستعينون بقوم تفضح كتاباتهم مدى تحيزاتهم، مع هذا فإن هؤلاء المتحيزين يزيدونك استفزازا حين يضفون على ما يكتبون صفات الموضوعية والحيدة والنصفة والاعتدال. تلك هي المسألة كما يؤكد ادوارد سعيد وهي بدورها تثير لديه سؤالا محوريا يقول فيه: كيف يتسنى لهؤلاء الخبراء أو العلماء أن يواصلوا ممارسة هذا الفن العجيب؟ إن يدرسوا ويكتبوا وينصحوا ويشيروا وكل هذا من موقع العداوة، أو فلنقل التحفظ ازاء الموضوع الجوهري الذي لابد وأن يتناولوه حين يعرضون لقضايا الشرق الأوسط وهو: ثقافة المنطقة وعقيدة الاسلام. في هذه اللحظة لا يكذب ادوارد سعيد خبرا كما يقول المثل الدارج انه يبادر كمحارب قديم الى ذكر الأسماء بصراحة وبغير مواربة فلا مجاملة في قضايا المصير يقول: إن قائمة الأشخاص التي ترد على خاطري من (العلماء الباحثين) المسئولين عن هذا الخلل الهيكلي الفادح في سوء تقديم الميديا للواقع والقضايا في الشرق الأوسط تشمل السادة، برنارد لويس شريكه في الندوة كما أسلفنا وايلي قدورة ووالتر لاكور ومارتن بيرتز وج كيلي ثم دانييل بايبس ونظن أن معظم أصحاب هذه الأسماء معروفون للمثقف العربي الذي يتابع ما صدر وما يصدر عنهم من كتابات تدق من أجلها أجراس الاهتمام وتحاط وقت صدورها بهالات التمجيد ومعزوفات الأطناب. إننا نقرأ مداخلة ادوارد سعيد في هذه الندوة التي مضى عليها عقد من الزمان ونصف وفيما نعجب لشجاعته كمفكر ومثقف، نعجب أيضا للجذور التي عرض لها ويبدو أن القوم قد ألقوها وقتئذ في تربة الحياة والاهتمام في أمريكا وأوروبا وربما تصوروا أنهم يحصدونها في هذه الأيام. البروفيسور سعيد يتساءل مثلا: ترى لماذا يولي العلماء المستشرقون اهتمامهم ويدلون بآرائهم كمرجعيات وكخبراء في ندوة عن الارهاب عقدت في تلك الفترة وكان مقررها ومحرر وقائعها المنشورة هو سفير اسرائيل لدى الأمم المتحدة ؟ لماذا يقدم علماء الاستشراق على مثل هذه الأفعال، اللهم إلا اذا كان هدفهم كمستشرقين هو ربط الاسلام بالارهاب ؟ ولماذا تقصر مثل هذه الندوة أو غيرها على مناقشة نقص معرفة الاسلام بأوروبا وعلى نوازع معاداة السامية التي ينطوي عليها ؟ لماذا لم يشمل النقاش مثلا ابداعات الشرق الأوسط الاسلامي العربي من شعر ومسرح ومن روايات وأقاصيص ومن دراسات ومقالات وهل أصبح الاسلام مقتصرا بهذا على صورة البعبع أو المسخ الذي يخيفون به السذج والأطفال صورة ممسوخة وممسوحة ولكنها ممهورة بخاتم السادة المستشرقين ؟. أخيرا يلمس ادوارد سعيد وترا أصبح حساسا في الحياة الأمريكية المعاصرة ونقول أصبح لأنه تجلى واضحا بعد أحداث 11 سبتمبر الماضي وقد أحسن نفر من الأمريكيين صنيعا حين تطرقوا اليه في أمانة صريحة مع النفس:أنه وتر الجهل بالآخر. وفي هذا يقول البروفيسور سعيد:إن قدرا كبيرا من الجهل المركب بشأن طريقة الحياة الاسلامية لا يعود الى تحيز مناهض للاسلام لدى الأمريكيين بل يعود الى ذلك الجهل المتنامي من جانب الميديا الأمريكية حول كل شيء يكون خارج الولايات المتحدة أو يكون غريبا عنها.