حاولت الحكومة الباكستانية في الاسابيع الاولى ان توازن ما بين العوامل الداخلية والخارجية الضاغطة بعنف على ارادتها السياسية. ولكنها بعد تأمل قليل في الوضع وشوط يسير من التجربة، ايقنت بصعوبة التوفيق ما بين تلك العوامل المتضاربة وآثرت ان تستجيب للضغط الخارجي. فالجنرال الحاكم قد اصبح حليفاً لواشنطن التي غدت تحتاج خدماته. وكانت بالأمس القريب تتجاهله وتعامله بترفع واستياء. الواقعية الجديدة الان تخلت باكستان عن طالبان نهائياً وادركت مدى خسران رهانها عليها. لقد خسرت باكستان بالقاء طالبان القبض على الجنرال عبدالحق وقتله ميدانياً، اذ ان عبدالحق كان يمثل آخر آمال باكستان في انشاء تشكيلة وزارية متوازنة في افغانستان تتضمن بعض عناصر الباشتون التي لا تناصب باكستان العداء العنيف الذي تترصدها به عناصر التحالف الشمالي. واختفاء الجنرال عبد الحق سيضع باكستان امام هذا المصير المخيف ويجبرها على التعامل معه بواقعية تشبه الواقعية الصرفة التي تعاملت بها مع حركة طالبان من قبل، وهذا يعني ان باكستان ستبدأ مشواراً جديداً طويلاً للتحالف، تبدأه من الصفر او ما دون الصفر، وتقدم فيه كثيراً من التنازلات ثم لا ضمانة في النهاية للنجاح! بدلاً من دعمها السابق لطالبان، والمطالبة باشراكها في الحكم، او على الاقل اشراك بعض عناصرها غير المتطرفة، اصبحت باكستان تطالب بسحق كامل حركة طالبان، وسحقها باسرع ما في الامكان، لان استمرار القصف الامريكي على افغانستان، يزعج اول ما يزعج حكام باكستان، فعناصر كثيرة من الجيش الباكستاني ومن المخابرات الباكستانية، ومن الشارع السياسي الباكستاني، لاتزال لاسباب كثيرة تؤيد طالبان، وتعمل على دعمها بمختلف السبل، وتقوم بتهريب الاسلحة والمؤن اليها كما اشارت الى ذلك مؤخراً صحيفة (Washington Times) وغيرها من المصادر الامريكية. هذا الوضع الانقسامي تصعب معالجته بالعمليات الجراحية التي اجراها الجنرال مشرف على هياكل الجيش والمخابرات، حيث ازاح اخيراً عدداً من الجنرالات الذين اتوا به للسلطة من امثال الجنرال محمود احمد الذي اسهم في انقلاب مشرف بالاستيلاء على مبنى رئاسة الوزراء واعتقال الرئيس السابق نواز شريف، ومن امثال الجنرال محمد عزيز الذي سيطر على الادارات الحكومية بعموم اقليم البنجاب ومن امثال الجنرال مظفر حسين عثماني الذي أمن هبوط طائرة مشرف التي قيل انها كانت مستهدفة من قبل حكومة شريف. وقد تم تعيين جنرالات من مجموعة «المهاجرين» لتحل محل من اقيلوا، وهو الامر الذي اعتبر بمثابة انقلاب داخل الجيش الباكستاني، لان امثال هذه المراكز هي محجوزة دائماً للجنرالات القادمين من اقليم البنجاب، وهذا الامر ربما يثير حفيظة هؤلاء ويوغر صدورهم ضد هذا التحول الجديد. خطورة الاحتكاك بالهند وهكذا ادت تحولات الموقف الباكستاني الى هزة كبيرة لوضع الحكومة العسكرية الحالية. فالجنرال مشرف الذي بنى شعبية على اساس دعمه العنيد لثوار كشمير اصبح يتخلى عنهم بالتدريج، اذ اعتبرهم من ضمن الطابور الارهابي، وقد صعدت الحكومة الهندية اخيراً من شكاواها منهم منتهزة فرصة المزاج السياسي العالمي المتوتر حالياً بسبب احداث الارهاب التي طالت واشنطن ونيويورك. كما قامت وحدات من الجيش الهندي بقتل العشرات من ثوار كشمير وانحت باللائمة على باكستان لدعمها لهم. ومع ان رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي قد اكد انه لن يصعّد النزاع مع باكستان حول المعضلة الكشميرية الا انه قال بانه مصمم على سحق الثوار الكشميريين. كما عبّر عن يأسه من امكانية استئناف اي حوار مثمر في الوقت الحالي مع باكستان حول ذلك الشأن، وفي حديثه مع الرئيس الامريكي بوش هذا الاسبوع اكد فاجبايي انه لا يرى اي مؤشر ايجابي نحو انهاء النزاع مع باكستان حول كشمير، وقال: «ان الارهاب يتزايد علينا»، ولذلك اعتذر عن اي لقاء يمكن ان يضمه مع الرئيس الباكستاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة خلال هذا الشهر. ان من الطبيعي ان تستثمر الهند اوضاع باكستان الحرجة لتزيدها حرجاً وضيقاً. ومن اخطر الملابسات ان تتمادى الهند في ابتزاز واستفزاز باكستان في ظروف انشغال الولايات المتحدة بتطورات الوضع المعقد في حربها ضد الارهاب، ولكن ربما كانت الهند مطمئنة الى دعم امريكا لها في اي مواجهة ضد باكستان. وقد تسربت بعض الانباء عن طريق مجلة «New Xorker» النافذة في عددها الاخير، الصادر بتاريخ 5 نوفمبر 2001، بأن الحكومة الامريكية قلقة للغاية من امكان انهيار الوضع الداخلي الباكستاني، او قيام انقلاب عسكري يقوم به متطرفون دينيون يضعون بذلك ايديهم على ترسانة الاسلحة النووية الباكستانية لخدمة الارهاب. مصادرة سلاح باكستان النووي وفي هذا الاطار تذكر المجلة ان وزارة الدفاع الامريكية قد اعدت خطة سرية احتياطية لاحتلال المنشآت النووية الباكستانية وذلك في حالة تعرض تلك المنشآت لخطر الوقوع في ايدي المتطفلين. وحسب مصادر المجلة فإن خطة الاستيلاء على المنشآت النووية الباكستانية هي خطة قديمة جزء منها من وضع المخابرات الاسرائيلية، وان الادارة الامريكية بدأت تنعش تلك الخطة اخيراً، وتحملها محمل الجد، هذا بالرغم من ان هنالك شكوكاً كثيرة حول مدى دقة معلومات «IA» عن تلك المنشآت، التي يقدر انها تحتوي على نحو ثلاثين رأساً نووياً، وبالرغم من مخاوف الـ «IA» من ان يكون الجيش الباكستاني اخفى بعض تلك الرؤوس في اماكن غير معلومة، او ان يحدث منه رد فعل عنيف حال تنفيذ اي هجوم امريكي بقصد الاستيلاء على تلك المنشآت. وقد انتشرت بعض التعليلات التي تبرر تدخلاً امريكياً مباغتاً للسيطرة على الترسانة النووية الباكستانية، ومن اهم تلك التعليلات ان ذلك التدخل هو في صالح باكستان نفسها حتى لا يستخدم سلاحها النووي بواسطة المتطرفين، في اغراض ارهابية، فتدفع باكستان كلها الثمن، مثلما تدفع افغانستان حالياً ثمن جرائم الارهابيين، ومن تلك التعليلات ان بعض فصائل الجيش الباكستاني قد تستخدم ذلك السلاح ضد الهند، في ظل توتر علاقات متوقع ان يتفاقم وشيكاً بين الطرفين، وهنا لن تتوانى الهند عن الرد فتسحق باكستان بكاملها، لان السلاح النووي الهندي اعظم فاعلية، وكذلك فإن فرص الهند في امتصاص الهجوم النووي الباكستاني اكبر لان تعداد سكان الهند هو ثمانية اضعاف تعداد باكستان، وبهذا المنطق فان من مصلحة باكستان ان تستولي امريكا على اسلحتها النووية! لم يزد رد فعل حكومة اسلام اباد ازاء كل ذلك عن اصدار تصريح رسمي يقول بأن المنشآت النووية الباكستانية هي في ايد امينة وان الجيش يسيطر عليها تماماً، وينفي قيام العلماء النوويين الباكستانيين بتسريب اي معلومات خطيرة الى مجموعات طالبان، وهو الامر الذي اوحى به قيام الحكومة الباكستانية باستجواب اثنين من علمائها النوويين، هما سلطان بشير الدين محمود، وشودري عبدالمجيد، حول علاقاتهما بحكومة طالبان، وهي علاقات انسانية واغاثية، ليس الا.. ومن المتوقع ان يكون مستقبل المشروع النووي الباكستاني ضمن اجندة حوار القيادة الباكستانية مع وزير الدفاع الامريكي الذي يزور اسلام اباد هذه الايام. لقد احاط القلق بمصائر باكستان طوال تاريخها ولكن الظرف الحاضر ربما كان الاخطر من اي ظرف مضى، اذ يتم حصار باكستان الان من جهة الشمال لصالح الهند، وتتفجر الجبهة الداخلية على نحو غير منظور، وربما تندفع الجماعات السياسية الاسلامية الباكستانية، التي عرفت ببعدها عن الارهاب ولم تتهم يوماً واحداً بحمل السلاح، قد تندفع مع حرارة الموقف الى ارتكاب الاخطاء، وهكذا تتعقد اوضاع باكستان بشكل لا يدعو الى التفاؤل ولا الى الاطمئنان، واذا انفرطت امور باكستان، فتلك هي خسارة العالم الاسلامي الكبرى التي سيدفعها ثمناً لاحداث الارهاب التي حاقت بواشنطن ونيويورك. د. محمد وقيع الله