يبدو انه محكوم علينا كعرب ان نكرر مأساة سيزيف للمرة المليون اوالمليار لافرق .. سيزيف كما تقول مآساته او اسطورته غضبت عليه الهة الاغريق القديمة فحكمت عليه بأن يحمل صخرة ضخمة من اسفل الوادي الى اعلى قمة الجبل، وبالطبع فكلما انجز المهمة تتدحرج الصخرة الى اسفل فيحملها مرة اخرى في عذاب ابدي لا ينتهي. لكن سيزيف الاغريقي كان مذنبا من وجهة نظر آلهته القديمة، ونحن العرب لم نخطيء في حق اسرائيل او امريكا والغرب، بل اخطأنا في حق انفسنا عندما قررنا صعود الجبل الاوروبي الامريكي حاملين وهما اكبر بكثير من صخرة سيزيف معتقدين اننا سنجد فوق هذا الجبل الدولة الفلسطينية الموعودة. وتحت تخدير شديد المفعول نواصل التعلق بالوهم الغربي الامريكي منذ اوقفنا هدير المدافع عام 1973 ورحنا نجري وراء هذا السراب من مفاوضات فك الاشتباك الى كامب ديفيد الاولى الى مبادرة فاس ثم مبادرة ريجان، ووعد بوش الاب في مدريد عام 1991 الى فخ اوسلو، الى مبادرات كلينتون المتعددة نهاية بالوعد الغامض الذي اطلقه بوش الابن وسوقه وزير اعلامه الجديد توني بلير، بل ان شارون نفسه قرر ان يخلع زيه الدموي لدقائق كي يطلق هو الآخر ما اسماه مبادرة سلام تدعو لقيام دولة فلسطينية لا تحمل من سمات الدولة سوى الاسم!! وأسوأ ما فينا كعرب هو اننا لا نقرأ التاريخ على مايبدو، واذا قرأناه لانفهمه، واذا فهمناه لا نعمل بحكمه وعبره، واذا عملنا لانجيد التنفيذ، وهكذا لم نفهم جيدا ان تحقيق الاستقلال ونيل حرية الاوطان، لا يتم بالوعود والاماني، والتصريحات المخدرة كي تنهي واشنطن مهمتها في افغانستان، حرية الاوطان على مر التاريخ لم تتحقق الا بالدم. بل ان المفارقة هي ان زرع الكيان الاستيطاني العنصري في فلسطين عام 1948 لم يتم فقط كما يعتقد بعض الواهمين بوعد بلفور، او مؤامرات بريطانيا ومعها كل اوروبا وامريكا، هذا الكيان تم زرعه بالقوة المسلحة وكل صنوف الارهاب، وليس ذلك فقط بل ان تحقيق هذا الوعد المشئوم، ورغم ضعف العرب في ذلك الوقت، وتآمر الجميع عليهم، استغرق اكثر من 31 عاما لكي ينجز كدولة على الارض، واكثر من 51 عاما منذ الاعداد المسبق له في مؤتمر الصهيونية العالمية الشهير في بازل بسويسرا عام 1897. الخلاصة ان المقاومة فقط هي التي ستجبر شارون وبوش وبلير وكل اركان العصابة التي تتآمر على فلسطين للقبول بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وقد تأتي المفاوضات فيما بعد كي تترجم ذلك على الورق، لكن قبل ذلك فان دروس التاريخ ايضا تدلنا على ان اي محتل لم يخرج طواعية عبر طاولة المفاوضات، خرج فقط بعد ادراكه ان ثمن احتلاله افدح من استمراره. الفلسطينيون البسطاء في الارض المحتلة يفهمون هذه المعادلة جيدا، لذلك يصرون على استمرار الانتفاضة التي تؤلم وتوجع الاحتلال في مقتل، اما من يصر واهما على تصديق وعود بوش الغامضة او كلمات بلير المعسولة فمحكوم عليه ان يكرر مأساة سيزيف!! عماد الدين حسين