تأخر الاعلان الرسمي عن دعم الولايات المتحدة الامريكية لقيام الدولة الفلسطينية الى مابعد التفجيرات الارهابية المروعة، التي ضربت مدينتي نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر الماضي وبدا الاعلان اشبه ما يكون باطلاق وعد حلو في فضاء مكشوف، بدون ضوابط من محددات، او التزامات فعلية، تضع اطارا محددا للهدف، وتعيين مجموعة الخطوات والمسئوليات المشتركة والمدد الزمنية المطلوبة للتنفيذ. ولانه من الممكن التكهن بتعدد وتناقض اسباب تأخير الاعلان، والدلالات التي ينطوي عليها، فان جزءا مهما من الرأي العام العربي سينجرف على نحو تلقائي للنظر الى هذا الاعلان على انه لعبة دعائية، الهدف منها اقناع العرب حكومات وشعوباً بمساندة الحملة الامريكية والدولية، المنطلقة لتوها لمحاربة الارهاب، والتي لاشك ان المنطقة العربية والاسلامية ستكون ساحتها الاولى، سواء من حيث تحقيق العمليات الاساسية للحملة، او بذل الجهد والامكانيات اللازمة لانجازها. غير ان المعلومات التي حرص ولي عهد المملكة العربية السعودية الامير عبدالله بن عبد العزيز، على ايصالها للمسئولين العرب، من خلال مبعوثين رسميين، تشير الى ان الالتزام الامريكي بدعم اعلان الدولة الفلسطينية كان سموه قد ابلغ به في وقت سابق على احداث 11 سبتمبر الماضي، مما يضفي قدرا مهما من المصداقية على الاعلان، وانه لم يطلق لاسباب تكتيكية راهنة، ولكنه يستند الى تخطيط مسبق، وقناعة نهائية حسم المسئولون الامريكيون امرهم بشأنها. لقد قيل الكثير عن العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية خلال اكثر من نصف قرن، غير ان أغلب ما قيل ظل محفوفا بالمبالغات وبالتالي عاجزا عن تصوير حقيقة العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية وخصوصياتها ولذلك شاعت التصورات المتشائمة حينا، والتي ترى ان امريكا كقوة عظمى، ليست سوى اداة طيعة بين يدي اسرائيل وتابع لها، وعندما يقلب هذا التصور ـ وكثيرا ما كان يحدث هذا ـ كانت تغدو اسرائيل اداة بيد امريكا لحماية مصالحها في المنطقة، وتنفيذ سياساتها فيها. وفي احيان اخرى، كان يتم التقاط مؤشرات الخلاف بين الدولتين ويجري تضخيمها بالرغبات الدفينة المتطلعة الى مشاهدة الخلاف ينقلب الى افتراق نهائي، ومن ثم الى حرب تشنها الولايات المتحدة ضد اسرائيل وتخسف بها الارض. وبالتأكيد ان الدبلوماسية العربية قد استهلكت نفسها خلال زمن طويل في متابعة تهيؤات لا وجود لها، وان كانت موجودة فبقدر من الضآلة لا يمكن البناء عليه، فهل يمكن ان يصحح العرب اخيرا تصورهم للعلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية، حتى يكونوا قادرين على التعامل مع معطيات واقعية، ويوجهون مواقفهم وقدراتهم نحو التأثير عليها؟ لم يسبق لأية قوة عظمى في التاريخ، ان عاملت دولة صغيرة بهذا القدر من العناية والدلال، كما تفعل الولايات المتحدة مع اسرائيل، الا ان القول بوجود حالة من الاختلاط الى درجة التماهي في اهداف ومصالح الدولتين، ينطوي على خطأ واضح، يقود صاحبه ليس الى سوء التقدير فحسب، بل والى سوء التصرف ايضا .. والواقع ان الاخفاقات المزمنة للسياسة العربية ظلت مرتبطة بتكرار سوء التقدير للعلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية، وبالتالي الوقوع في سوء التصرف، الذي ادى الى اضطراد الضعف والهزائم العربية، وتنامي القوة الاسرائيلية الى درجة تفوق حجمها ومواردها. ومع الاقرار بوجود علاقات حميمية متفردة بين الدولتين، تتجسد اهم مظاهرها في التأثير الذي يمارسه اللوبي الصهيوني (ايباك) وقرابة خمسين منظمة يهودية في امريكا على قرارات الادارات الامريكية المتعاقبة في امور الشرق الاوسط، وقضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وكذا قدرة اسرائيل على مواءمة دورها ومصالحها مع الاهداف والمصالح الامريكية في المنطقة، خاصة في تكريس نفوذها الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية والنفطية فيها، فان امكانية الافتراق بين الدولتين ليست مستحيلة، وقد برزت وقائع عديدة خلال النصف قرن الماضي اكدت امكانية الخلاف بينهما، غير ان الدور العربي ظل غائبا وضعيفاً في بلورة الخلاف، وايجاد الشروط التي تحوله الى افتراق بين الدولتين. وبهذا الصدد يمكن القول، ان من الضروري ان يبتعد راسم السياسة العربية عن الاستسلام للتشاؤم عندما تبدو الاهداف والمواقف الامريكية والاسرائيلية متوائمة، او متطابقة، لكنه يمكن القول ايضاً، ان من الضروري الابتعاد عن المبالغة والتضخيم والانجرار وراء الاوهام، عندما تبرز هوامش معينة من الاختلاف والتباين بين الدولتين. واذا كانت الادارة الامريكية قد توصلت اخيراً الى خطوة مهمة لا تتناغم مع جوهر السياسات والتوجهات الاسرائيلية، إلا انه من الضروري ان ينظر العرب الى هذه الخطوة في حدودها وحجمها الحقيقيين، وعلى اساس ان الموقف الامريكي الجديد انتقل الى ارض رخوة، لا تعد بامكانية مواصلة السير في نفس الاتجاه، فاحتمالات التراجع قائمة، خاصة ان التأكيدات الامريكية على حق اسرائيل في الوجود، وحقها في الامن، تأتي بعبارات اقوى وأوضح من الاشارة الى امكانية دعم قيام الدولة الفلسطينية، وتضع الكثير من الموجبات والشروط لحفظ وجود اسرائيل وأمنها، بالقدر الذي يوحي بأن وجود الدولة الفلسطينية لا يتفق مع تلك الشروط، وان وجدت الدولة فينبغي ان تكون بمعايير ومقاسات معينة، تنفي عنها صفة الدولة الحرة ذات السيادة. ان الوعد الامريكي بدعم قيام الدولة الفلسطينية، رغم انه لم يتضمن التفاصيل الاساسية الضرورية، التي تبين مساحة الارض التي ستقام عليها، وحقوقها في السيادة المسموح بها، إلا انه مفيد في معرفة وجود فرق في فهم الحل النهائي للمشكلة لدى الادارة الامريكية لا يتطابق مع المفهوم الاسرائيلي. وهنا يمكن ان يأخذ راسم السياسة العربي نقطة انطلاق جديدة، يعمل من خلالها على الانتقال بالسياسة العربية من موقع التلقي السلبي وردود الافعال الانفعالية، الى موقع التخطيط المستقل، والتوجيه الايجابي للسياسات والمصالح، من اجل التأثير على المواقف الامريكية، ودفعها بطرق فعالة مباشرة واخرى مساعدة نحو التبلور والنضج، وتقليل درجة الاستجابة للعوامل الاسرائيلية المؤثرة في القرار الامريكي سواء تلك العوامل الكامنة في الآلية الامريكية لصنع القرار، او في المؤثرات التي تزخر بها المنطقة العربية كمنطقة بالغة الاهمية من الناحية الاستراتيجية وكساحة حساسة لتنافس المصالح الدولية. ان السياسة العربية، لكي تكون فعالة ومؤثرة في المستقبل تحتاج الى الاخذ بمجموعة من المبادرات والتوجهات الجريئة، التي تشعر صانع القرار الامريكي بأن حصوله على ما يطمح اليه من دور، ومن مصالح في المنطقة العربية، ليس من الامور الهينة، التي يحققها بمجرد ان يطمح اليها، بل سيكون عليه ان يتفهم مطالب الجانب العربي، وتقديم التنازلات الضرورية، التي يمكن تحديدها في هذه المرحلة، بجعل المواقف الامريكية متوازنة في قضايا الصراع العربي الاسرائيلي، والاخذ بدور الشريك المنصف في حلها، وان استمرار الانحياز الى جانب اسرائيل يلحق الضرر بأهداف الولايات المتحدة وبمصالحها. على ذلك يمكن ان تركز السياسة العربية على بلورة وتبني التوجهات التالية: اولا: تعزيز العلاقات العربية ـ العربية، والحرص الدائم على اخذ مواقف مشتركة ازاء القضايا الدولية والاقليمية الراهنة، وبدرجة اساسية حول قضية الحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب.. ومن خلال تكثيف المشاورات بين الدول العربية يجب التوصل الى وضع تعريف معين للارهاب، على نحو اكثر عمقاً وشمولاً، لا يستثني ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل، وتكريس الاعتراف بمشروعية المقاومة، التي يخوضها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، والنظر اليها كحق مشروع، وليس كعنف يتساوي مع ارهاب الدولة المحتلة، الذي تمارسه اسرائيل.. وهنا ينبغي ان يكن الربط محكماً بين الاعتراف باقامة الدولة الفلسطينية، وبين المواجهة الشاملة مع الارهاب بل ينبغي ان يكون اقامة الدولة الفلسطينية شرطا اساسيا لمشاركة البلدان العربية في حملة دولية شاملة ومنسقة ضد الارهاب دون ان يعني ذلك خلق انطباع بعدم اكتراث الدول العربية بخطورة الارهاب وتهاونها ازاءه ولكن طرح موضوع اقامة الدولة الفلسطينية يكون بنداً مهماً في المفهوم الشامل لمحاربة الارهاب، ونقطة جوهرية ضمن المعالجة الشاملة لالغاء اسبابه ودوافعه. ثانيا: اعطاء اهتمام اكبر بمواقف الاتحاد الاوروبي من قضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي باعتبار ان القرار الاوروبي لا يعاني من نفس القدر من التأثيرات والضغوط الاسرائيلية والعمل من اجل تنمية المصالح العربية ـ الاوروبية المشتركة وتوسيع نطاق الدور الاوروبي على قاعدة تلك المصالح، بل يمكن اعطاء افضلية معينة للشراكة الاقتصادية مع اوروبا، بما يقوي اهتماماتها بقضايا المنطقة، ويدفعها لممارسة دور اكثر فاعلية من اجل حلها. ثالثا: استعادة الدور الروسي كشريك الى جانب الولايات المتحدة في رعاية العملية السلمية في الشرق الاوسط، وتوظيف العلاقات السياسية والاقتصادية مع الصين واليابان والهند والبلدان الاسيوية الاخرى في توسيع نطاق المشاركة الدولية في معالجة قضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وجعل الانحياز الامريكي الى جانب اسرائيل لا يصطدم بالمطالب العربية فحسب، بل ويصطدم بدور ومصالح الاطراف الدولية الاخرى، ذات التأثير على تقرير مصائر الشئون العالمية. رابعا: عدم السماح باخماد الانتفاضة الفلسطينية كفعالية سياسية وشعبية ارتبطت بالرد على تعثر العملية السلمية، ومحاولة اسرائيل تحويلها الى مجرد اجراءات امنية لحماية امنها، مع الابقاء على الاحتلال للاراضي الفلسطينية.. وبهذا الصدد تتنوع اشكال المساندة للانتفاضة الفلسطينية لتشمل، تعلية وديمومة الدعم المالي والسياسي والاعلامي.. خامسا: السعي قدر الامكان الى اشراك الدول العربية التي لها حدود مع اسرائيل في رعاية المفاوضات الثنائية على المسار الفلسطيني وخلق قاعدة واسعة من الضغوط العربية والدولية لاجبار اسرائيل على الانسحاب من الاراضي الفلسطينية والقبول بقيام الدولة الفلسطينية. بقلم: علي محمد الصراري ـ كاتب يمني