يعيش العالم العربي حالة من الترقب والحذر جراء التصريحات والمواقف الامريكية حول الدولة الفلسطينية، حيث تغيرت لهجة حكومة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية، بعد اصابتها بجراح سياسية امام العالم كله، بسبب هجمات اختراق الطائرات لمبان في واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر الماضي، وهو الامر الذي وضع السلطة الفلسطينية في حيرة، اشترك فيها ايضا المراقبون في الغرب، فمن اقصى اليمين لاقصى اليسار في اوروبا، اشترك الجميع في تساؤلات مع الحكومات والشعوب العربية بحثا عن حقيقة وخلفيات تغير الموقف الغربي عامة والامريكي على وجه الخصوص، فهل التحالف الدولي والغربي افرز مناورة «مؤقتة» لسياسة امريكا الخارجية؟ ام هي استراتيجية جديدة لمراجعة شاملة عجلت بها احداث 11 سبتمبر؟ حول هذا السؤال وغيره من استفسارات حاور «الملف السياسي» في هولندا جون هاورت المحلل السياسي بمؤسسة الشرق الاوسط: تالياً نص الحوار: ينبغي النظر للتصريحات الامريكية بعد احداث 11 سبتمبر الماضي بموضوعية ودقة وبمقارنتها بفترة ما قبل الحادث بشهور قليلة، نجد ان حكومة واشنطن في ظل حكم «جورج دبليو بوش» منذ اعتلائه السلطة في البيت الابيض، تخبطت في سياستها الخارجية تجاه الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية، فقد بدت سلبية لفترة ما، ثم تراجعت نسبيا معلنة التزاماتها، بشيء من البرود، تجاه قضية السلام والصراع الفلسطيني الاسرائيلي فنعتبر انه منذ رئاسة بوش وحتى الهجمات على امريكا، مرحلة شهدت نوعا من الذبذبة في سياسة واشنطن الخارجية عامة، ففي هذه الفترة لم تكن هناك ظروف خاصة تمر بها امريكا، لا حرب، لا تحالف، لا بحث عن مؤيدين لها، في هذه المرحلة كانت عودة واشنطن للحديث عن التزاماتها تمثل تراجعا، مرجعيته بالدرجة الاولى الضغوط التي مورست عليها بتلميح دول ذات ثقل في المنطقة العربية بأن المصالح الامريكية ستبقى مهددة اذا تخلت عن دورها نحو السلام واقامة الدولة الفلسطينية. ثم اعلن بوش ووزير خارجيته كولن باول عن مبادرات نجدها لا تختلف عن مثيلتها وكذلك تصريحات حكومة كلينتون السابقة. اذن فهذه المرحلة لم تأت بجديد، ولم تحقق فوائد الدولة الفلسطينية، حيث استمرت اسرائيل في ضرب الفلسطينيين وجاءت ردود فعل الشعب الفلسطيني سواء من الانتفاضة او العمليات التي قامت بها عناصر اخرى ذات توجهات مختلفة من التيارات الاسلامية، لتزيد الامور تعقيدا فالسلطة الفلسطينية تتهم اسرائيل بنسف السلام، وحكومة شارون تتهم عرفات بذات الشيء. ـ هل ساهمت احداث 11 سبتمبر في زيادة دوران عجلة تغير الموقف الامريكي؟ هذا في حالة افتراض وجود تغير حقيقي؟ ام هي مناورة سياسية فرضتها الظروف؟ ـ الاجابة هي نعم ولا في الوقت نفسه.. احداث 11 سبتمبر اضفت لونا جديدا على تغير الموقف الامريكي، اضحى اكثر وضوحا من ذي قبل، ادى لتفعيل نسبي بطيء لدور الاتحاد الاوروبي، حيث جاءت لاول مرة ثلاثة بيانات لاجتماعات اللجنة الاوروبية، وزعماء وقادة الاتحاد الاوروبي تتضمن فقرات محددة عن ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية، ووقف اعمال العنف في الاراضي المحتلة، هذا اضافة لادانة ضمنية للحكومة الاسرائيلية، ووجدنا بعد ذلك تصريحات من بريطانيا على لسان رئيس وزرائها توني بلير ورئيس وزراء بلجيكا الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي وتبع ذلك موقف صريح وفريد من نوعه لحكومة هولندا، وكذلك المانيا وفرنسا التي انضمت لبريطانيا، وهي دول كبرى ذات تأثير، فحتى لو افترضنا فرضية جدلية متشائمة، وقلنا انها مناورة سياسية فرضتها الظروف، لا ننكر انها مكسب كبير لو احسنت السلطة الفلسطينية استثماره جيدا، واوقفت الرد على العنف الاسرائيلي ـ واعرف ان هذا امر غاية في الصعوبة لمجرد قوله ـ وواكب ذلك تحركات دبلوماسية فلسطينية تدعمها الجامعة العربية والحكومات العربية بكثافة على مستوى التصريحات الاوروبية، تزيد فرصة تفعيل الدور الاوروبي وربما مزيد من وضع اسرائيل في وضع يحرجها دوليا، ويفسد توجهات التطرف السياسي والتعنت في حكومة شارون. ـ هل تعتقد انه يمكن للسلطة الفلسطينية انهاء الانتفاضة حال تنفيذ اتفاقات امنية بينها وبين اسرائيل؟ وان استطاعت تحقيق ذلك وانهارت الاتفاقيات كسابقاتها فماذا سيكون الوضع؟ ـ يمكن للسلطة الفلسطينية ذلك، لكن ليس قبل حصولها على ضمانات في ارض الواقع، تكون ملموسة للشعب الفلسطيني في ان يستعيد حياة طبيعية، تخلو من القتل والتهديد وتستطيع الايدي العاملة العودة لسوق العمل في داخل اسرائيل، لذلك فإن عرفات يرفض التضحية بورقة الانتفاضة في الوقت الحالي، وهو في وضع لا يسمح له بالمغامرة السياسية، قبل اعلان الدولة الفلسطينية رسميا، والحصول على اجماع باعتراف دولي واعتقد بأن السلطة لن تغامر هذه المرة بقبول اتفاق وعروض اسرائيلية لا تضمنها امريكا، وهي تسعى مؤخرا لتحريك عملية طلباتها السابقة في وجود قوات رقابة دولية تابعة للامم المتحدة، تتابع تنفيذ الاتفاقيات الامنية والسلام المستقبلية، خاصة على الحدود بين اسرائيل والمناطق الفلسطينية التي تخضع لحكم السلطة، وعرفات يستخدم ورقة الانتفاضة ضد الطرف الاسرائيلي للضغط عليه، ومن ناحية ثانية اثبات امام امريكا واوروبا ان الهدوء لن يعود للمنطقة قبل التوصل لحلول عادلة ومقبولة من طرف الشعب الفلسطيني وقادة الانتفاضة. ـ تحدثت عن طلب السلطة الفلسطينية لوجود مراقبين دوليين، فهل تقبل اسرائيل بذلك بعد وجود سوريا في مجلس الأمن؟ ـ اوضح بأنه قبل حصول سوريا على مقعد كعضو مؤقت بمجلس الامن ضمن الاعضاء العشرة غير الدائمين، كانت المباحثات حول المراقبين الدوليين تتعثر وتنفرج، لكنها مقبولة من حيث مبدأ التفاوض، إلا انه اصبح معقدا الآن، بعد وجود سوريا في مجلس الامن، لكن من قراءة ما حدث في مجلس الامن اثناء العملية الانتخابية لسوريا، لاحظنا ان المساعي الاسرائيلية قد فشلت تماما في اجهاضها ولم تنجح في اقناع امريكا باستخدام حق الفيتو ضد سوريا، ولو ارادت امريكا لكانت فعلت ذلك، إلا ان حكومة واشنطن ارادت من دخول سوريا لمجلس الامن، ضمان تعاون حكومة دمشق رغم اتهامها بدعم منظمة ارهابية وتدريب عناصرها وتمويلها، والخارجية الامريكية لم تخف مصلحتها في وجود سوريا بمجلس الامن، كي تنضم حكومة دمشق للتحالف الامريكي لمحاربة الارهاب، لذلك لم تهتم امريكا بالغضب الاسرائيلي، والامر الثاني هو رغبة امريكا في احداث نوع ما من التوازن السياسي، حيث بسياسة الغزل لسوريا تستفيد ايضا من حث دمشق على المرونة في التفاوض المستقبلي مع اسرائيل حول هضبة الجولان السورية، التي تحتلها اسرائيل. كما نلاحظ ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الغى زيارته لامريكا مؤخرا حيث كان سيلتقي بالرئيس بوش، خوفا من وقوعه تحت ضغوط امريكية تلزمه بتحديد ميعاد لانسحاب القوات العسكرية الاسرائيلية من الاراضي المحتلة الفلسطينية وهو ـ شارون ـ يعرف ان الخطوة القادمة كانت ستكون الحديث عن اعلان الدولة الفلسطينية، وهو يريد مزيدا من الوقت لرأب الصدع السياسي بين الليكود وحزب العمل في الائتلاف الحاكم، حول التعامل مع القضية الفلسطينية، فمثلما يواجه عرفات مصاعب امام شعبه، يواجه شارون ايضا مصاعب قد تجعل محطته الاخيرة في الحياة السياسية اليوم قبل الغد. ـ ما هي المصاعب التي تواجه شارون في انهاء الصراع وتحقيق السلام؟ اليس الشعب الاسرائيلي صاحب مصلحة في الامن والسلام؟ اليس السلام مطلباً اسرائيلياً؟ ـ نعم كل هذا صحيح لكن لعبة السياسة لها ابعاد.. لا ترضى حتى المشتغلين بها احيانا فشارون امام محطات لابد من اجتيازها قبل حدوث وقف اطلاق نار فعلي، والعودة لمائدة المفاوضات اولا، هذا قبل الحديث حتى عن الدولة الفلسطينية، وتتمثل في الآتي: ـ شارون يريد تحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه امام الناخب الاسرائيلي وهو هاجس يهدده لانه لم يحقق الامن لشعبه، فقط المزيد من العنف والتوتر. ـ حماية الائتلاف الحاكم من الانهيار وهو يعاني من مشاكل بين حزبي العمل والليكود. ـ عدم الظهور امام شعبه بأنه خضع للضغوط الامريكية، والنتيجة النهائية التي سيعرفها الشعب الاسرائيلي، هي خضوعه مجبرا، خاصة وان الاتحاد الاوروبي حصل على الاشارة الخضراء من امريكا للعب دور سياسي فعال، غير الدور الاقتصادي الذي كان ينحصر بداخله. ـ كسب عنصر الوقت املا في ان تتفاقم الحرب الامريكية على افغانستان، وتحدث تطورات يستطيع استغلالها لصالحه. كل هذه الامور تشكل عقبات، واتوقع ان لم ينجح شارون في القفز عليها فلن يكون امامه إلا افتعال مشكلة سياسية داخلية، يترك على اثرها رئاسة الوزارة ويهرب، لكي يحقق رئيس حكومة آخر السلام مع الفلسطينيين لتقوم دولتهم في عهد غير عهده. اجرى الحوار: د. سعيد السبكي