منذ ان اعلن الرئيس جورج بوش الابن عن ان «دولة فلسطين» كانت دائماً جزءاً من التصور الامريكي، احتدمت، في السر وفي العلن، التعارضات بين واشنطن وتل ابيب. وبانضمام توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الى مبايعة الموقف الامريكي، بدت المسألة اشد صعوبة على اسرائيل، او على الاقل، في وجه حكومة شارون. ولعل ارتباط التصريح الامريكي باستبعاد الادارة الامريكية لأي دور اسرائيلي في التحالف الدولي ضد «الارهاب»، في مرحلة العمل الاولى على الاقل، وفي مجيئه متناقضاً مع البيان الاول للرئاسة الامريكية بعد فوز بوش الابن، حيث اعلن عن انسحاب الدبلوماسية الامريكية من التدخل في مسارات التفاوض بين اسرائيل والعرب، امران يفسران القلق والاضطراب اللذين ابدتهما حكومة شارون، والاحزاب اليمينية المتطرفة في المؤسسة السياسية الاسرائيلية. اما على الجانب الفلسطيني، والعربي عموماً، فكان وقع الاعلان الامريكي ثم البريطاني ايجابياً، مع بقاء مساحة اكيدة للحذر من احتمالات التراجع عنه تحت ضغوط وتأثيرات شتى، او بسبب الشك لدى البعض في مناورة امريكية، تهدف الى ضبط التحالف الراهن ضد الارهاب، من خلال استرضاء العرب بعبارات فضفاضة تقرأ على اكثر من وجه، حسب تبدل الظروف. استدركت الادارة الامريكية الحذر والشك العربيين، حين ذهبت تصريحات الناطقين باسمها الى محاولة الفصل بين احداث الحادي عشر من سبتمبر وبين الاعلان الامريكي، اذ جرت الاشارة الى ان ما اعلنه الرئيس بوش كان معداً قبل وقوع الانفجارات في واشنطن ونيويورك. لكن يبقى السؤال قائماً حول تطور آفاق السياسية الامريكية من قضية التسوية، وتحديداً على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي. وعند هذه المسألة ثمة عوامل متشابكة وعلى غاية من التعقيد، لابد من تناولها خلال استشراف المستقبل. اول تلك العوامل هي طبيعة العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية جوهرياً. ففي غضون المشادات الكلامية بين شارون والرئيس بوش، حرص الطرفان على تأكيد الثابت المشترك بينهما، وهو ان اهم صديق لامريكا من بين دول العالم هو دولة اسرائيل، وبأن الدعم الذي تلقاه الدولة العبرية من واشنطن، ليس هناك شبيه له مع اي دولة اخرى. ويعبر عن تلك الحقيقة بشكل مكثف استخلاص يقول: ان مكانة اسرائيل في الولايات المتحدة، ليست موضوعاً تقليدياً من موضوعات السياسة الخارجية. فاسرائيل واليهود هما في نظر اغلبية الجمهور والمشرعين في الولايات المتحدة، موضوع خاص تمتزج فيه جوانب عاطفية وثقافية وتاريخية ودينية وسياسية. لذلك فإن الجمهور الامريكي لا يبالي بصورة عامة بموضوعات السياسة الخارجية الامريكية، لكنه ليس كذلك بالنسبة لمصير اسرائيل. ولابد ان لاحظ المتتبعون للعلاقة بين الطرفين كيف يحصل الاصطفاف في البلدين حين تحدث تباينات او خلافات حول امر ما فالمشهد المألوف والمعتاد هو تحول الخلاف الى تقاطعات بين اطراف داخل الادارة مع اطراف داخل الحكومة الاسرائيلية، ضد او مع، وكأن الخلاف يجري داخل بيت واحد. العامل الثاني، وهو شاهد على ما سبق اعلاه، يقوم على ان انسجام اسرائيل مع الاستراتيجية الامريكية لا يلغي وجود تناقضات بينهما، ولعل ابرزها ما شهدته المراحل التي جرى فيها البحث، من وجهة النظر الامريكية، عن تسوية ما للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي مرات عدة رأت واشنطن غير ما رأته تل ابيب. لكن غالباً ما حسم الخلاف حول هذه المسائل وفقاً لما ارتأته اسرائيل، وبالشكل الذي وفر لها افضل النتائج. وما كان بمقدورها ان تصمد في مواجهة الادارات المختلفة، لولا الدعم الذي تحظى به من مراكز قوى ضخمة على الساحة الامريكية ويمكن الاشارة هنا مثلاً الى الموقف المتشدد الذي اتخذه بيجن من مواقف ادارة كارتر في نهاية السبعينيات، والموقف الذي ابداه نتانياهو من ادارة كلينتون في التسعينيات. ولم يشذ موقف شامير، من ادارة بوش الاب، عن هذه القاعدة، بخضوعه شكلاً في حضور مؤتمر مدريد، وحصوله على ضمانات القروض (10 مليارات دولار امريكي) وبتمرده فعلياً على طلب وقف الاستيطان والالتزام بمبدأ الارض مقابل السلام، واذا كان شامير قد دفع الثمن بسقوطه من رئاسة الحكومة من حينه، فما لبث بوش الاب ان غادر البيت الابيض بعد ولايته الاولى، ولقد فسر ذلك يومها بربطه في دور اللوبي الصهيوني في امريكا، عقاباً له على موقفه الضاغط على اسرائيل ابان مؤتمر مدريد، ولم تغفر له انتصارات امريكا في عهده بحرب الخليج، ولا حتى الاجهاز على الاتحاد السوفييتي الذي تحقق في ظل ادارته الاولى والاخيرة. وحين تأتي على الاستقطابات الداخلية القائمة اليوم في الوسط الاسرائيلي، يبرز العامل الثالث، الذي لابد من اخذه بقوة ونحن نتفحص مسار التطور وافاقه في مسألة «دولة فلسطينية»، التي برزت كنقطة صدام بين حكومة شارون وادارة بوش. انه ومنذ حرب الخليج الثانية استشعرت الاوساط القومية اليمنية في المؤسسة الاسرائيلية، نذر تبدلات في الموقف الامريكي ازاء قضية «التسوية» في الشرق الاوسط. في وقت ارتأت فيه تلك الاوساط، وهي قوية ونافذة الان اكثر من السابق، ان مشروعها في استكمال بنائها البشري (العودة اليهودية) لم تتحقق بعد. وعبر عن هذا الاتجاه بنيامين نتانياهو، في كتابه «مكان بين الامم» الذي حذر على صفحاته من رياح التغييرات الكونية، وما يمكن ان تجلبه من اخطار على امن اسرائيل. ولخص قصده بما اطلق عليه «المستعربين في اروقة الخارجية في دول الغرب» وامكانية ان يقايضوا مصالحهم النفطية مع الدول العربية بمصالح اسرائيل في «حماية امنها» وفي احضار ملايين اليهود الى «ارض وطنهم القومي»، معلنا في الوقت ذاته عن ضرورة ان يكون عدد اليهود في اسرائيل عشرة ملايين حتى عام 2010م. ويعمل هذا التيار، وشارون على رأس الحكومة احد قادته، على تأكيد المقولات المستشرية في الغرب حول «الارهاب الاسلامي» ليضع اسرائيل في قلب التحالفات العالمية، وليجعل الصراع العربي ـ الاسرائيلي والتناقض الفلسطيني ـ الاسرائيلي، جزءاً في استحقاقات الحرب «ضد الارهاب» وفي اول استهدافاتها. وتتحول المواجهة ضمن هذا الخيار، الى حرب ضد العرب والفلسطينيين، تخوضها اسرائيل كحلقة من حلقات المعركة العالمية على الارهاب العالمي، ولتطمس بذلك طبيعة التناقض بينها وبين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية فهل تنجح اسرائيل في تحويل المسار الى هذا الاتجاه؟ للوهلة الاولى، وفي المعطيات التي ترشح من الخطاب السياسي الامريكي والغربي، توحي المواقف باستبعاد امكانية حدوث تلاؤم بين رغبات شارون وبين السياسة الامريكية. غير ان الغموض الذي يكتنف التصريحات الامريكية حول الخطوة الثانية بعد افغانستان، وابقاء مسطرة تحديد الارهاب صالحة في الاستخدام الامريكي للتطبيق على اطراف عربية عدة، من بينها القوى الفلسطينية الوطنية والاسلامية، التي تقاوم الاحتلال الاسرائيلي، هي امور تعد منطلقاً للرهان الاسرائيلي على متغيرات في الاحداث والتحالفات، يمكن لاسرائيل الشارونية ان تضع مصالحها في القلب منها. وقد يساعد في فرص هذا الاتجاه امران: احدهما يكمن في طبيعة الادارة الامريكية التي لا يخفى وجود تناقضات في مراكزها الفاعلة في صيغ القرار، ويستند الاتجاه اليميني المحافظ فيها الى مؤسسة الكونجرس، حيث الغلبة فيه للمتشددين في دعم اسرائيل على الدوام وفي كل المحطات، علاوة على شخصية الرئيس بوش التي تبدو حصيلة توازن حساس، تنفذ سياسة بدل من ان تضعها، على العكس من الوضع ابان ادارة كلينتون، والاخر تكشف عنه حالة التردد العربي والوجل من اتخاذ مواقف تكفل الحد الادنى من مصالح العرب في غمرة الاحداث المحتدمة على المستوى العالمي. الى جانب موقف شعبي عاطفي وغريزي، يتخبط في التعبير عن الجمع بين حقوقه الوطنية والقومية في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة، وبين اساليب ادانته للارهاب الاسرائيلي والامريكي، التي تخدم، عن غير قصد، تأكيد الفكرة المفبركة في الثقافة الغربية حول «الارهاب الاسلامي» و«الصدام بين الحضارات». على العموم تظل الاشكالية التي تواجه الولايات المتحدة في قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، عاملاً يخلخل تماسك التحالف الاقليمي في المعركة التي تخوضها امريكا تحت شعار «الحرب الدولية على الارهاب». ومن شبه المستحيل ان يتم الجمع بين اسرائيل والدول العربية في هذا التحالف اذا لم يتوفر حل للقضية الفلسطينية بشكل اساسي. ولابد هنا من الحذر ازاء احتمال تقديم تصور امريكي يقوض مضمون الحقوق الفلسطينية، باستخدام الضغط الدولي على الفلسطينيين، الى جانب استنفاد طاقتهم والاستفراد بهم، لاستدراج حل تقبل به قيادتهم، يمكن ان يسمى «دولة «تستوعبها اسرائيل، ليفتح الباب لأول مرة امام اصطفاف مبرر للعرب الى جانب اسرائيل» تحت راية امريكا في اطار رسم خرائط النظام الدولي الجديد. لذلك يجب ان نقرأ التصريح الامريكي حول «دولة فلسطينية» من خلفية محصنة بالدقة والحذر الى جانب قسط من الارادة في الثبات على الحقوق. بقلم : مصطفى الولي ـ كاتب فلسطيني