لم يكن احد يظن ان بوش الثاني، الذي سبق ان القى بـ «التسوية السلمية» في فلسطين الى خارج ابواب البيت الابيض، سيصبح بعد اقل من تسعة اشهر «بلفور الامريكي» الذي يطلق وعدا بقيام الدولة الفلسطينية. تولت صحيفتا «الواشنطن بوست» و «نيويورك تايمز» اطلاق المفاجأة، عندما نشرتا معلومات متطابقة تقريبا، تقول ان امريكا كانت تستعد لاعلان مبادرة كبرى من اجل السلام في الشرق الاوسط، تشمل تحديدا دعما امريكيا لقيام دولة فلسطينية، وذلك قبل حوادث 11 سبتمبر ويعزو البعض ذلك الى ضغوط خليجية وسعودية على امريكا. وقبل ان يستوعب الوطن العربي هذه المفاجأة، كان الرئيس بوش يبلغ صحفيين قصدوه مستفسرين: «ان قيام دولة فلسطينية كان دائما جزءا من رؤية، شرط احترام حق اسرائيل في الوجود، وعلينا الا نحرق المراحل ويجب المرور اولا بخطة ميتشيل». ومثلما تفعل «الاصوات» الامريكية المرتفعة عادة، جاء الصدى سريعا من بريطانيا عندما وقف توني بلير في الاجتماع السنوي لحزب العمال، ودعا الى ضرورة تأمين «حق الفلسطينيين في وطن ينمو ويزدهر» ثم كرر وزير خارجيته جاك سترو دعوة مشابهة انطلاقا من «حق الفلسطينيين في العيش بسلام». ويرجو الكثيرون من العرب وخصوصا المستعجلين للتسويات ان يكون العزف الامريكي الآن على الحان الدولة الفلسطينية، بداية لسياسة تنهض من «حطام الماضي» الذي انهار مع ابراج مانهاتن ومبنى البنتاجون وليس نوعا من التضليل في ان الطرح السياسي الامريكي، تقتضيه ظروف الاعداد لحلف ضد افغانستان .. وهنا من الضروري التشديد مليا على حرص كل الدول العربية والاسلامية، على عدم الربط بين الارهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال الاسرائيلي، الذي هو قمة الارهاب، وعلى شحذ العزم الامريكي ووضعه موضع التطبيق للاسراع بالاعتراف بالسلطة الوطنية الفلسطينية التي هي مشروع دولة قائمة منذ سنين. ان الانتصار الذي تبحث عنه واشنطن، سيأتي حتما من طريق سياسة القيم الديمقراطية الاصيلة ولو بعد حين، لا من طريق حشد الاساطيل والقاذفات واشعال النيران الهائلة في اذيال الدول. فهل هناك مايدل على بروز سياسة امريكية جديدة؟ الشك قائم. فعقب احداث الثلاثاء الدامية، سأل الصحفيون كولن باول وزير خارجية امريكا: لماذا حدث ما حصل في نيويورك وواشنطن؟ فرد، في ثنايا حديثه، انه ربما كان الامر يعود الى سياسة امريكا في دعم اسرائيل، واستدرك قائلا لكننا سنظل ندعم اسرائيل، ومرة اخرى وبالأمس القريب، حاول الصحفيون لدى اجتماعهم بكولن باول الاستفسار عن كثير من الغموض او التخبط المتعمد في السياسة الامريكية لعدم وجود عدو حقيقي امام امريكا لمحاربته، وعن معنى الانتصار في الحرب الطويلة التي تنوي امريكا وحلفاؤها التصدي لها. قال باول: ان النصر مرتبط بالاجابة على السؤال: كيف وبماذا يشعر الشعب الامريكي؟ ستنتهي الحرب عندما يشعر كل امريكي بالاطمئنان، واضاف ان جزءا من النصر يتعلق بتوقف الخوف عند الامريكيين ان التسريبات الامريكية قد وضعت نهاية، لهذه الحرب التي بدأت للتو، بعد عشر سنوات. لذا ساور العالم رعب غير محدود بسبب الارهاب والتداعيات التي تفجرت من خلال الحرب المعادية للارهاب. لهذا يعلق المراقبون على التلميح، الذي صدر عن بوش الثاني حول قيام الدولة الفلسطينية، على غموضه، بأنه نوع آخر من زلل اللسان، صدر ارتياح سريع من بعض الحكام العرب والبعض كالوا المديح لان بوش الثاني قد اهتدى الى بصيص الحل. ولم تطالب اسرائيل باعتذار على هذه الخيانة الامريكية. علقت بقولها انها ستعتمد على نفسها وانكرت على امريكا استرضاء العرب على حساب اسرائيل، ثم نجد بعد يوم واحد فقط تراجعا شارونيا معتذرا للحليف الامريكي التاريخي، الذي طمأنه باستمرار الدعم، لكن على العرب ان يفهموا ان الامر سحابة صيف وليس لهم الا ما يستفيدون من نضالهم الشاق. وفي التفاصيل: نشرت الصحف الاسرائيلية يومي 1 و 2 /10 ان ادارة الرئيس جورج بوش كانت تنوي اعلان مبادرة جديدة لحل النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين واحلال السلام في الشرق الاوسط والاعتراف بالدولة الفلسطينية. لكن الهجمات التي وقعت في 11 سبتمبر الماضي حالت دون ذلك، ونقلت «معاريف» عن مصدر كبير في واشنطن ان المبادرة الامريكية الجديدة كان من المفترض ان تؤدي الى قيام دولة فلسطينية تعترف بها، للمرة الاولى، اي حكومة الولايات المتحدة. وقد ساد القلق في اسرائيل من ان يستغني الغرب وامريكا عن وظيفتها في المنطقة. وهي تريد الا تحال الى التقاعد بعد انهاء مهامها في الدفاع عن الغرب ضد الشيوعية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ولضمان استمرار النفط واسرائيل ترى ان لها وظيفة جديدة هي مكافحة الارهاب بالمفهوم الامريكي. فهي في خندق واحد مع امريكا كما يقول بيريز. وبحسب الصحف كان من المفترض ان يعلن وزير الخارجية كولن باول المبادرة في الامم المتحدة خلال انعقاد جمعيتها العمومية. وعلقت «هآرتس» على هذا الخبر: «مع اقتراب الهجوم على افغانستان تزداد حاجة الادارة الامريكية الى التدخل في النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني لجمع تأييد الدول العربية، وكانت دولة عربية معتدلة قد اشتركت، في مقابل تأييدها «الحرب ضد الارهاب»، ان تزيد الولايات المتحدة تدخلها في النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين». واضافت الصحيفة «لمحت الولايات المتحدة الى الدول العربية انها استجابة لرغبتها ستزيد تدخلها، لكن المبادرة الامريكية من اجل الحل الدائم اجلت، ويمارس زعماء الدول العربية ضغطهم على الولايات المتحدة لمعاودة مبادرتها، على ان يجندوا الرأي العام تأييدا للحرب على افغانستان». وذكرت الصحيفة ان ثمة من يعتقد في وزارة الخارجية الامريكية ان على باول ان يلقي الخطاب المذكور قبيل البدء بالحملة العسكرية على افغانستان، علما انه يتضمن المواقف الاساسية للولايات المتحدة من مسائل مهمة مثل الحدود، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، وحتى مستقبل مدينة القدس. ومن المؤكد ان الموضوع برمته جزء من مناورة العرب لاستمالتهم للحرب ضد ما يسمى بالارهاب في افغانستان، وهكذا تراجع باول بعد حوادث، 11/9/2001 وبالنتيجة تأجلت المبادرة الامريكية المزعومة التي اعلنها بلفور الامريكي، ولقد تبين ان الامر كله كان مجرد دواء مخدر لتهدئة العرب لقد احبطت امريكا المشاعر العربية بتراجعها عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد فعلت الشيء ذاته عقب مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج الثانية. الا يثير التصرف الامريكي الى نظرية المؤامرة لتسكين الانتفاضة. ما الجديد اذن، وما الداعي لتفاؤل انصار التسوية باي ثمن؟ الجديد ان صمت بوش الذي طال قد انتهى، وان الرجل يتكلم في الموضوع الفلسطيني. لقد اتبع بوش حتى الآن استراتيجية كانت في غير صالح المفاوض الفلسطيني، وهي انتظار ان ينضج الطرفان على نار الصراع حتى يتقبلا «تنازلات مؤلمة» تمكنهما من التوصل الى حل وسط. لا تشمل الافكار الامريكية الجديدة، كما يشاع مضمونها في صحافة العالم العربي واسرائيل، جديدا، اذا ماقورنت بافكار كلينتون ـ باراك. وهي لا تستند الى «قبول» اسرائيل بافكار كلينتون من اجل الاستمرار من تلك النقطة، بل تبدأ النقاش كله من جديد. منذ عام 1948، تقدمت الولايات المتحدة بعشر مبادرات سياسية على الاقل من هذا النوع ـ منذ افكار جورج مارشال مرورا بروجرز وبرنامج ريجان، وقد عارضت اسرائيل هذه الاقتراحات ودفنتها حية في مقبرة القضية. ان مايلقيه المسئولون الامريكيون من تصريحات شكل جبالا، وبات على المراقبين ان يبحثوا في كهوفها عن نيات واشنطن الحقيقية. فهم سيعلنون الادلة، يقول باول، ويتراجعون عن اعلانها، يقول بوش .. لن نضرب دولة عربية، ينقل الملك عبدالله واحمد ماهر وزير خارجية مصر عن الرئيس الامريكي. لم يصدر عن بوش وعد بعدم ضرب الدول العربية، كما يقول البيت الابيض. عام 1991 ذهبت الدول العربية الى حرب الخليج الثانية عندما رأت جورج بوش الاب مشتبكا مع اسحاق شامير. ورغم الآمال الكبيرة التي علقها العرب على مؤتمر مدريد، كانت خيبتهم كبيرة اذ لم تذهب واشنطن بعيدا في الضغط على اسرائيل لحملها على تنفيذ مبدأ الارض مقابل السلام او تقنعها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي اعتبرت مكونا اساسيا من مؤتمر مدريد. وبقيت اتفاقات اوسلو العلنية والسرية والقاهرة وواي بلانتيشن و «شرم الشيخ ـ 1» و «شرم الشيخ ـ 2» بلا تنفيذ وما نفذ منها لايلبي الحد الادنى المطلوب فلسطينيا وعربيا. وما دامت الحكومات العربية لا ترى نية امريكية جدية نحو تعامل مختلف مع القضية الفلسطينية فانها ستبقى مترددة في الانضمام بكليتها الى التحالف المناهض للارهاب، وتجربة الشهور التسعة مع بوش الثاني لاتشجع على اتخاذ موقف اكثر حماسة، لكنه يمكن ان يزيد من غربة الدول العربية عن شعوبها. وحتى اقرب الدول العربية الى امريكا لم تفلح في اقناع بوش الثاني باتخاذ موقف متوازن بين اسرائيل والفلسطينيين، تقدمت مصر والاردن بمبادرة مشتركة فرد عليها الرئيس الامريكي بتقرير ميتشل الذي لايعدو كونه اتفاقا لوقف النار ماطل شارون في تنفيذه، وكذلك كان نصيب مبادرة تينيت. ودوما كان الامريكيون يضعون اللوم على الجانب الفلسطيني فيما اصطلحت ادارة بوش على تسميته «اعمال العنف». ولم تؤد هذه السياسة الا الى تعميق المرارة والشعور بالخيبة لدى الفلسطينيين والعرب، حتى سياسة الاغتيالات التي مارستها اسرائيل وجد لها نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني مبررا. واليوم، المطلوب امريكيا من العرب ان يطاردوا «عدوا لاملامح له» ويخوضوا غمار «حرب من نوع مختلف» في افغانستان او في بقاع اخرى من العالم، بينما بوش الثاني لا يقابلهم الا باصولية في التعامل معهم من دون الاخذ بوجهة نظرهم، فيما لايزال الشعار والممارسة الصهيونية: اسرائيل من الفرات الى النيل ومن الارز الى النخيل. بقلم: نعيم قداح سفير سوري سابق بالأمم المتحدة