يبدو أن هناك إرتباطاً بين ما يشهده العالم اليوم من حالة عدم استقرار بسبب احداث سبتمبر الأخيرة وانهيار عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط. ويمكن رد ذلك إلى تراكم الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن خاصة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط وفي اعتقادي أن إعادة التوازن في العلاقات الدولية ومن ثم محاولة فهم صحيح لماهية ظاهرة الإرهاب وبحث سبل اجتثاث جذورها ستكون متوقفة على إيجاد حلول عملية لمشاكل الشرق الأوسط وفي مقدمتها مستقبل الكيان الفلسطيني والذي لامناص عنه بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف. ـ والسؤال الطبيعي في هذا السياق كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ بداية لابد أن نقر بأن العودة إلى مائدة التفاوض السياسي مرة أخرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين لايمكن أن تتم بنجاح في ظل وجود شخصية مثل آرييل شارون على رأس السلطة في إسرائيل!! إن هذا الرجل ـ المعقد نفسيا ـ يكن حقدا وعداء غريبين للعرب عامة والفلسطينيين خاصة ، وأرى أن المسألة هنا قبل أن تكون تناقضا سياسيا هي رؤية فكرية يعكسها توجه شارون الذي يسير على نهجه قسم كبير في المجتمع الإسرائيلي يرفض السلام مع الفلسطينيين ويندم على أي صلح كان قد تم مع العرب وعليه لن يسمح هذا التوجه بإقامة أي شكل من أشكال الدولة للشعب الفلسطيني. وعلى العكس تماما هناك إصرار على المضي في تصفية السلطة الوطنية الفلسطينية ـ التي هي حتى الآن ليست دولة أو حكما ذاتيا لاسباب واضحة نحن لسنا هنا بصدد شرحها ـ ويعتبر شارون تلك التصفية جزءا من مخطط يستهدف إبادة الشعب الفلسطيني عن طريق عمليات إرهاب الدولة المنظمة وتتمثل في تنفيذ سياسة الاغتيالات لرموز السلطة وتدمير وإحراق المدن والقرى الفلسطينية في المناطق الخاضعة للفلسطينيين وتوسيع عمليات الاستيطان اليهودي في الضفة والقطاع وممارسة كل أشكال التهويد على المقدسات الإسلامية والمسيحية خاصة في مدينة القدس الشرقية. ويضمن لذلك شارون وجود عوامل القلق والتوتر بشكل دائم في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية ومن ثم يصبح من الصعب الحديث عن إمكانية وجود سلام بين العرب والإسرائيليين لأنه لا سلام في ظل الإرهاب الإسرائيلي!! وليس من باب التشاؤم التأكيد على أن سيادة المنهج الشاروني على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط يدمر كل جهود إقليمية دولية للعودة إلى مائدة التفاوض السياسي مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن النظر إلى الاجتماعات والتفاهمات الأمنية التي تأتي من حين لأخر على أنها نقاط إيجابية قد تمهد لإحياء عملية التفاوض لأنها وحسب التجارب السابقة تتم كلما اشتد احتقان الموقف لغير صالح إسرائيل تحت ضغط الإنتفاضة الفلسطينية إما لإعطاء إسرائيل فرصة استرداد الأنفاس ثم معاوده ضرب الفلسطينيين من جديد او لمحاولة الظهور أمام العالم أن تل أبيب لم تسد بعد كل أبواب الحوار!! بعبارة أخرى ان إسرائيل تلعب كما يقولون بالبيضة والحجر لا لشيء سوى لاذلال الشعب الفلسطيني الذي حسم موقفه منذ الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2000 عندما قرر أن يكون طريقه بكل ما فيها من حق مشروع في المقاومة بكل صورها والرفض الشعبي للقهر والإرهاب الإسرائيليين. ورغم أن طريق الإنتفاضة ليس معبدا ويفرض التضحية بأرواح الشعب العربي الفلسطيني إلا أنه على الأقل حتى الآن الخيار الإيجابي المطروح خاصة مع استمرار التشرذم العربي والتغاضي الدولي عن جرائم ارييل شارون اليومية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل!! في ضوء هذه الحقائق يصبح الخروج الحقيقي من النفق المسدود الذي وصلت إليه جهود السلام في الشرق الأوسط مرتبطا عمليا بسقوط أو إسقاط شارون. فأي منهما سوف يساعد على استعادة جهود التسوية لزخمها المفقود ويقود إلى آفاق جديدة لإمكانية التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إطار دولتين بحكم علاقاتهما بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة! وأرى أنه في ظل مبدأ القبول بالآخر يمكن بدء التفاوض السياسي وحل جسور الثقة وطرح كل القضايا الخلافية للنقاش ومن ثم رصد الحلول النهائية لكل المسائل المعلقة مثل إقامة الدولة الفلسطينية ووضع القدس ومسألة اللاجئين والاستيطان اليهودي وغيرها! ولكن هذا النهج يتعارض ـ جملة وتفصيلا ـ مع عقلية شارون ولا يتسق مع ميوله وتاريخه الذي يؤكد أنه أكثر الساسة في إسرائيل تعطشا للدماء العربية!! ويقينا عندما نتحدث عن شارون فإننا نقصد في الوقت ذاته إتجاها موجودا في إسرائيل يعنتق التوجه الشاروني ويكن عداوة وكراهية للعرب والفلسطينين. إذن لا بديل عن إيداع شارون وأمثاله مزبلة التاريخ وتقديمه للمحاكمة كمجرم حرب هو وكل من اقترف جرائم إنسانية بحق الشعب الفلسطيني. وأحسب أنه بعد كل ذلك يمكن أن تعود مياه السلام إلى مجاريها لكني أرى أنه قبل كل ذلك سيظل الوضع على ما هو عليه بدون بارقة أمل! وحتى تكتمل الصورة لابد أن نوضح أن أحد معوقات إقرار السلام العادل والشامل في المنطقة يعود إلى اخطاء السياسة الأمريكية وهو ما أشرنا إليه في البداية ولذلك عندما يعلن اليوم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أنه لابد من إقامة دولة فلسطينية فإنه من الطبيعي أن يتشكك البعض في هذا التوجه ويصفه بأنه ليس سوى مناورة أمريكية تستهدف تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط حتى يتفرغ التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لحملة ضرب ما تعتقده مواقع الإرهاب في أفغانستان وهي حملة تستخدم الإرهاب بغرض اقتلاع الإرهاب الأمر الذي يجعلنا لا نرى أي فائدة من هذه الحملة سوى إشباع رغبة الانتقام الأمريكي من عدو غير محدد سلفا وهو منحى خطير في النظام الدولي. وأعتقد أنه رغم وجاهة الرأي القائل بأن أمريكا تناور لكسب الوقت خاصة أن السوابق التاريخية تبرر ذلك غير أنني أرى في إعلان بوش خطوة يجب أخذها في الاعتبار وعلى الطرف العربي أن يعي أهميتها ويستثمرها في الضغط على الولايات المتحدة لأنها ربما قد تكون بداية جدية لمراجعة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ـ تلك السياسات التي ارتبطت بمفهوم المعايير المزدوجة في التعاطي مع مشكلات الشرق الأوسط على وجه الخصوص! وتبدو في انحياز تام لإسرائيل مقابل تجاهل واضح للحقوق العربية المشروعة رغم محاولة الظهور أمام العالم خاصة في عهد الإدارة الأمريكية السابقة أن الولايات المتحدة هي التي ترعى عملية السلام في الشرق الأوسط! وعندما تولت الإدارة الحاليه حاول الرئيس بوش الابن الخروج ـ حتى ولو ظاهريا ـ من معضلة سياسة المعايير المزدوجة بتبني موقف أقرب ما يكون إلى السلبية عن طريق ترك أطراف النزاع يحلون مشاكلهم بأنفسهم مما أدى إلى إيقاع الراعي الأمريكي في مأزق خطير يمكن تلخيصه في ان التراجع عن التعهدات بشأن إقرار السلام في الشرق الأوسط لم يعف الولايات المتحدة من الخضوع للابتزاز الصهيوني وقد تجلى ذلك على نحو كبير في مؤتمر دوربان لمكافحة التمييز العنصري الذي سبق بأيام حوادث الحادث عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة! ولا أبالغ إذا قلت أن هذه الحوادث بكل ما فيها من عنف إنساني كانت ردا طبيعا على سلوك غير سوي انتهجته الولايات المتحدة خلال عقود طويلة لمعالجة النزاعات الدولية وبوجه خاص الصراع العربي الإسرائيلي لاسيما في فصله الأخير المتعلق بالجانب الفلسطيني! على أي حال إعلان بوش الذي يتعلق بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية قد يكون فيه قدر من الحقيقة مما يعني أن الإدارة الأمريكية ربما أدركت ضرورة المراجعة الشاملة لسياساتها الخاطئة وفي مقدمتها سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع كل من فلسطين وإسرائيل وهذا في اعتقادي تطور إيجابي ويعتبر من الدروس المستفادة من أحداث سبتمبر عام 2001. ولكن يبقي من المهم أن يقابل ذلك تحرك عربي فاعل يوظف التغيير في السياسة الأمريكية حتى ولو كان على سبيل المناوره لخدمة الشأن العربي أذكر أن قيام دولة فلسطينية سيخدم الاستقرار في الشرق الأوسط وهو في التحليل الأخير أمر يتسق مع فكرة حماية المصالح الأمريكية في المنطقة بعد فشل إسرائيل في أن تكون الحارس لهذه المصالح! ونقطة البداية في هذا التحرك تنطلق من التخلص من حالة التشرذم العربي وتفعيل دور الجامعة العربية في أن تعبر بصدق عن الضمير الجماعي العربي من خلال كونها تنظيما يعبر عن الشعوب أكثر من الحكومات حسبما يفترض أن تكون الجامعة المتحدثة بلسان أمة العرب! وفي الوقت نفسه لا يجب أن نتجاهل أهمية الدور العربي في تعبئة العالم الإسلامي وحشد قواه ضد عوامل القهر والافتراء على الإسلام. خلاصة القول .. إن التحرك العربي جزء من عملية الخروج من النفق المسدود المشار إليها والتي تعتمد بالدرجة الأولى على إسقاط أرييل شارون ليس شخصا فقط بل سياسة وفكرا شاذا بالإضافة إلى ضرورة تصحيح مسار السياسة الأمريكية في إتجاه العدل والإنصاف إذا شاءت أمريكا أن تستمر زعيمة للعالم الحر وعندئذ يمكن أن نتحدث من جديد عن سلام حقيقي ليس في الشرق الأوسط فقط ولكن لا أبالغ إذا قلت في العالم كله. بقلم: إبراهيم الصياد ـ كاتب مصري