لماذا الآن بالذات، اي بعد تدشين الحرب ضد افغانستان، تتردد التصريحات والمواقف الامريكية المؤيدة لقيام دولة فلسطينية؟ لماذا الآن بالذات، اي في ظل الحاجة الامريكية الملحة لقيام تحالف دولي ضد الارهاب، ارتفعت النبرة الامريكية التي تطالب اسرائيل بالانسحاب من اراضي السلطة الفلسطينية؟! ولماذا الآن بالذات، ترمي الولايات المتحدة الامريكية بثقلها السياسي والدبلوماسي للتوصل الى حل سريع ونافذ لازمة الشرق الاوسط؟! المعروف جيدا ان الولايات المتحدة الامريكية ـ وحتى ابرز حليفاتها بريطانيا ـ لا تبدل سياستها الخارجية، او تراجعها على الاقل بين عشية وضحاها ... لا سيما ان معظم اركان هذه السياسة تستند الى منطق جبروت القوة والغطرسة .. غير ان المعروف جيدا ايضا ان اهم مداميك هذه السياسة ـ في الوقت نفسه ـ تتجلى في الديماغوجية والبراجماتية .. وهما المنطقان اللذان باتا يحكمان التوجهات الامريكية الجديدة، في مضمار سياستها الخارجية عموما، وتجاه ازمة الشرق الاوسط على وجه الخصوص. لقد بات ارهاب الدولة الذي تنتجه اسرائيل يوميا، وتبثه كافة الوسائط الاعلامية للرأي العام الدولي مصدر احراج وازعاج للولايات المتحدة التي تدعو العالم ـ والعالم العربي والاسلامي بالذات ـ الى التحالف معها في حربها ضد الارهاب .. في الوقت الذي يشير العرب والمسلمون ـ وحلفاؤهم في العالم ـ الى افظع اشكال وصور الارهاب، مجسدة في الآلة العسكرية والامنية الاسرائيلية. بل وفي شخص رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون نفسه! والأدهى ان الارهاب الاسرائيلي ينفذ بأسلحة وادوات امريكية النشأة ويمول بأموال امريكية المصدر، ولم يكن له ان ينمو ويترعرع ويستفحل من دون المباركة الكاملة من مؤسسات الحكم في واشنطن، من البيت الابيض الى الكونجرس، ومن وكالة الاستخبارات المركزية الى البنتاجون، ومن الامبراطورية المالية الى نظيراتها الاعلامية! ولهذا بات لزاما على الولايات المتحدة ـ اليوم ـ ان تمارس ضغطا على الحكومة الاسرائيلية لخلق انفراجة في اعقد الازمات التي شهدها التاريخ الدولي الحديث والمعاصر. غير ان العنجهية الاسرائيلية والغطرسة الشارونية ما زالتا تقفان حجر عثرة امام اية مساع امريكية او اوروبية على هذا الصعيد .. وهذا ما لمسه تماما جميع المسئولين والمبعوثين الامريكان والاوروبيين الى المنطقة في الآونة الاخيرة، وكان آخرهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. وهو الامر الذي يقود الى الاعتقاد الراسخ باستحالة حدوث اية انفراجة حقيقية او نهائية في ازمة الشرق الاوسط في المدى المنظور او الامد القريب .. الا اذا كانت ثمة معجزة امريكية قيد الحدوث .. بالرغم من ان المعجزات الامريكية لم تعد تحظى بكثير من مصدقيها او المؤمنين بامكانية حدوثها هذه الايام. حسن عبد الوارث