منذ أن تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش عن إمكانية قيام دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل، وأن مشروع إقامة الدولة الفلسطينية على جدول أعمال الإدارة الأمريكية، وأن هذا الأمر كان سابقا لاحداث الثلاثاء الأسود في الولايات المتحدة، وردود الأفعال العربية المرحبة بهذا التصريح تتوالى، وقد رأى البعض في هذا التصريح بادرة لتطور جديد في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، يتعين الأخذ بها والبناء عليها، في حين رأى فريق آخر أكثر تفاؤلا بأن هذا التصريح يمثل تغييرا نوعيا مهما في السياسة الخارجية الأمريكية في الإتجاه الصحيح، وأن هذا التغيير قد جاء نتيجة لمراجعه قامت بها الإدارة الأمريكية في مجال السياسة الخارجية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، واتجه فريق ثالث من المحللين العرب إلى أن هذا التصريح لا يمثل أي تغيير أو تطور إيجابي في السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل، وأنه جاء لترضية الدول العربية وللتخفيف من ضغوط الرأي العام العربي على الحكومات العربية، ومن أجل التهيئة لانضمام الدول العربية إلى التحالف الدولي لمواجهة ما تسميه الولايات المتحدة وحلفاؤها بالإرهاب الدولي. والواقع أن في المشهد الأمريكي ما يؤيد كلا من هذه الإتجاهات، فبالإضافة إلى هذا التصريح هناك الحديث الذي أدلى به كولن باول أمام لجنة العلاقات الدولية بالكونجرس والذي أشار فيه إلى ضرورة التفرقة بين أعمال الإرهاب والنضال من أجل الحرية ولكن يقابل هذا الموقف الإيجابي مواقف أمريكية أخرى في الإتجاه المضاد إذ صرحت مستشارة الأمن القومي الأمريكي بأنه لا توجد في الإرهاب أعمال شريرة وأخرى خيرة، فالإرهاب أيا كان الهدف الذي يسعى إليه وفقا لمفهومها هو عمل شرير يجب التخلص منه، ثم جاء الموقف الأمريكي والأوروبي في لجنة الأمم المتحدة المكلفة بوضع تعريف للإرهاب في ذات السياق حيث رفض التفرقة بين الأعمال الإرهابية غير المسئولة والحق في مقاومة الشعوب لمن يحتل أراضيها. وفي إطار ذات التناقض تأتي دعوة جورج بوش لشارون بسحب قواته من أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية التي اجتاحتها فورا ثم تراجعه عن كلمة فورا بكلمة أخرى مطاطة وهي في الوقت المناسب وبالطبع فتحديد هذا الوقت المناسب هو مهمة شارون وأركان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ومن ثم فقد لا يأتي هذا الوقت المناسب قريبا أو في الأمد المنظور، خاصة بعد ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة على تصريحات بوش، وقد رأى فريق من المحللين العرب أن هذا الوضع يعني وجود شرخ في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وأنه من الممكن العمل على تعميق هذا الشرخ بين الحليفين الإستراتيجيين، بما يساعد على تحقيق المصالح العربية ويؤدي إلى الوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن الرد على هذا الفريق واضح وبسيط فاستنادا إلى الخبرات السابقة في هذا المجال، لايمكن القول بأن حدوث بعض الاختلاف النسبي بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيؤدي حتما إلى شرخ في العلاقات بين الطرفين، فالاختلاف هو اختلاف تكتيكي وقصير الأمد، في حين أن أوجه الإتفاق بينهما أكثر ثباتا وذات أبعاد استراتيجية وطويلة الأمد، ومن ثم فخلافات من هذا النوع لا تعدو أن تكون زوبعة في فنجان أو سحابة صيف هادئة تمر بسهولة ودون أثار تذكر وهو ما تؤكده الخبرات السابقة ومن ثم فإذا ما أردنا أن نضع التصريحات الأمريكية والمواقف الأمريكية المتباينة بشأن الدولة الفلسطينية في موقعها الصحيح الذي يمكن من خلاله التوصل إلى تقييم موضوعي للموقف الأمريكي في هذا الصدد فلا بد وأن نحدد أولا الإطار العام الذي ظهرت فيه هذه التصريحات، وموقعها من سياق السياسة الخارجية الأمريكية الحالية، وكذلك سياق الخطاب السياسي الأمريكي الذي قبلت فيه وهو ما سنحاول إبرازه على النحو التالي: أولا: تشكل الظروف الموضوعية التي ظهرت فيها هذه التصريحات، الإطار العام للموقف الأمريكي الذي أنتج هذه التصريحات، وأهم عناصر هذه الظروف أن الولايات المتحدة في موقف متأزم داخليا وخارجيا بسبب احداث 11 سبتمبر الماضي وما كشفت عنه من ثغرات في بنية المؤسسات السيادية الأمريكية كالمخابرات الأمريكية والبنتاجون، وإنها في نطاق إدارتها للأزمة تحاول الإدارة الأمريكية تعبئة كافة الجهود والموارد الأمريكية والدولية من أجل خلق تصور عام بأن الأزمة التي تواجهها إنما هي أزمة دول العالم أجمع وليست أزمتها وحدها وهو ما يحقق العديد من الأهداف سواء على المستوى الداخلي لتهدئة الرأي العام الأمريكي ومعالجة الصدمة التي تعرض لها الأمريكيون أو على المستوى الخارجي من أجل الحفاظ على صورتها في العالم بوصفها القوة العظمى الوحيدة التي تقود العالم وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف أو الأهداف الاستراتيجية فلا بأس من اتخاذ بعض المواقف المحددة والمحسوبة لجذب بعض الأطراف المترددة في الانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، من خلال إضاءة في آخر النفق تحلق الآمال دون أن تفرض الأفعال، حيث أن الجميع يدرك أن أولوية الأفعال الأمريكية الآن في اتجاه آخر. من ناحية أخرى فإن الإدارة الأمريكية قد وقعت في بعض الأخطاء، في بداية إدارتها للأزمة أدت إلى خلق اتجاهات مضادة للسياسة الأمريكية خاصة في الدول العربية والإسلامية، ومن ثم فلابد من معالجة هذه الأخطاء لاحتواء، هذه الإتجاهات وتفريغها من مضمونها أو على الأقل تهدئتها، ومن ثم فإن كانت القضية الفلسطينية هي العامل الأساسي في تهيئة البنية الرافضة والكارهة للسياسة الأمريكية، فلابد من القيام بشيء ما بصدد هذه القضية يوفر القدر الملائم من الهدوء، ويفتح المجال أمام الاجتهاد الفكري والتأصيل وهو ما يتيح مساحة كافية من الوقت للتحرك في إتجاه الأهداف التي تحظى بالألوية الأمريكية الآن. ثانيا: فيما يتعلق بموقع هذه التصريحات في نطاق السياسة الخارجية الأمريكية لابد وأن نشير إلى أنها تأتي في نطاق سياسة الغموض البناء التي درجت الولايات المتحدة على اتباعها خلال عقد التسعينيات وحتى الآن، فالولايات المتحدة ترى أن حربها ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي حرب طويلة الأمد وأن ضرب أفغانستان هو المرحلة الأولى، وأن المرحلة الثانية ستبدأ بعد ذلك دون أن تحدد إلى أين ستتجه بضرباتها القادمة، فتحديد أرض المعركة في المرحلة التالية هو اختصاص الولايات المتحدة وحدها، فقد ذكر جورج بوش أن الحرب ضد الإرهاب ستوجه إلى الإرهابيين والدول التي تأويهم دون تحديد لهذه الدول، إلا أن القائمة التي أعلنتها الولايات المتحدة بالأشخاص والمنظمات المطلوبة توحي بأن بعض الدول العربية قد تدخل نطاق الدول التي ستكون محلا للضربات القادمة، أقول توحي دون أن تحدد، وذلك لكي تخلق حالة من الإرتباك لدى هذه الدول تؤثر على مواقفها تجاه القضية الفلسطينية ودعم حركة المقاومة والإنتفاضة خاصة وأن الولايات المتحدة رفضت رسميا التفرقة بين الإرهاب وأعمال المقاومة المشروعة التي أقرتها إتفاقية جنيف الرابعة في لجنة الأمم المتحدة لتعريف الإرهاب السابق الإشارة إليه، ويأتي التقارب في تصريحات المسئولين الأمريكيين في إطار هذه السياسة سياسة الغموض البناء، ومن ثم فهذه التصريحات الخاصة بالدولة الفلسطينية لا تعبر عن موقف جديد يمكن البناء عليه، بقدر ما تعبر عن كونها أداة من أدوات تنفيذ سياسة الغموض البناء السابق توضيحها. ثالثا ـ موضع التصريحات الأمريكية بصدد الدولة الفلسطينية في سياق الخطاب السياسي الأمريكي. إذا ما نظرنا إلى موقع هذه التصريحات في سياق الخطاب السياسي الأمريكي فسنجد إنها قد جاءت أولا في سياق خطاب لمواجهة ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب، ومن ثم فإذا افترضنا صدق النوايا الأمريكية فإن إقامة الدولة الفلسطينية ليست هدفا بحد ذاته بقدر ما هي وسيلة من وسائل هذه المواجهة، كما انها تأتي في إطار خطاب لا يفرق أساسا بين الإرهاب والحق في مقاومة المحتل وتقرير المصير وفي هذا ظلم كبير للفلسطينيين وقضيتهم التي هي قضية مقاومة مشروعة للمحتل الأجنبي ولا علاقة لها بالإرهاب أيا كان نوعه أو جنسيته، كما أن هذا الخطاب السياسي الأمريكي لا يفرق بين الجاني والمجني عليه، بل يدعو المعتدي عليه بأن يحتفظ بضبط النفس ويتخلى عن العنف، في الوقت الذي يوجه خطابا رقيقا هادئا إلى المعتدي الذي يمارس أقسى صور الإرهاب ضد شعب أعزل، في ذات الوقت يلاحظ أن السياق العام للخطاب السياسي الأمريكي بصدد الدولة الفلسطينية قد جاء سياقا فضفاضا غير محدد وإنما يدور في نطاق المأمول المجهول، حتى هذا المأمول المجهول يرتبط بتوفير الأمن والسلام والرفاهية للدولة العبرية أولا ولدول وشعوب المنطقة ثانيا، فأمن إسرائيل مفهوم واسع غير محدد والسلام الذي تريده إسرائيل يختلف عما يفهمه العرب، والرفاهية المنشودة لشعوب المنطقة لا تتحقق إلا من خلال هيمنة إسرائيل على المنطقة، ومن ثم فحتى إذا أقررنا بأن الرئيس الأمريكي يعني ما يقول بإقامة الدولة الفلسطينية، فثمة شروط مسبقة لتحقيق هذا الأمر، لابد وأن تتوافر أولا كي يتحقق، وربما كان هذا هو المسكوت عنه في الخطاب السياسي الأمريكي في هذا الصدد. ويبقي أن نشير إلى أن التحرك البريطاني بصفة خاصة والتحرك الأوروبي بصفة عامة بصدد الدولة الفلسطينية لايعدو أن يكون تنويعا لحنيا على النغمة الأمريكية ومن ثم فهو لا يضيف جديدا، ولايمكن التعويل عليه كثيرا. ومن ثم فإن الرؤية الاستراتيجية لحقيقة الصراع الدائر في المنطقة الآن تؤكد على ضرورة استمرار الإنتفاضة الفلسطينية وتوفير الدعم المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، والتركيز على ضرورة التخفيف من عبء الأوضاع الصعبة في الأراضي الفلسطينية بقدر الإمكان وبكافة السبل والوسائل، وتوفير الدعم السياسي والدبلوماسي والفني للسلطة الوطنية الفلسطينية في إدارة الصراع مع إسرائيل. كما أن الرؤية الصحيحة لما يحدث في العالم اليوم تدعو إلى توخي الحذر والحيطة في كل ما تطرحه الولايات المتحدة وحلفاؤها من أفكار وأراء بصدد القضايا المختلفة، خاصة فيما يتعلق بالإرهاب، وهو ما يعني وضوح الرؤية أمام صانع القرار العربي، من حيث أنه لا علاقة بين حركة المقاومة الفلسطينية والإرهاب الدولي بكافة صوره وأشكاله، فحركة المقاومة حركة مشروعه تستند إلى أحكام القانون الدولي وأحكام الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن الإرهاب هو ما تمارسه الدولة العبرية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وأن الدول العربية التي طالما اكتوت بنيران الإرهاب الإسرائيلي، تقف مع قوى الحق والعدل والحرية المناهضة للإرهاب الحقيقي وليس الإرهاب المتوهم الذي تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها إقناع العرب والعالم به. وأخيرا على صانع القرار العربي أن يتذكر أن السياسة إنما تبني على الحقائق كي تؤتي ثمارها أما الاستناد إلى الأوهام فإنه لا يقود إلى سياسات ناجحة بقدر ما يؤدي إلى نكسات. بقلم: أ. د. محمد سعد أبو عامود ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان