من المعلوم أن المجتمع الاسرائيلي تجتاحه حالة من الرعب بدأت تدك مستواه الاقتصادي، وبتفاعل هذه القضية مع مجموع الارباكات الحادثة في هذا المجتمع فقد تدافع عدد كبير من الاسرائيليين الى الهجرة من الكيان، وبعد أن كان البعض يشكك في الرقم 350 ألفا الذي وصلت اليه اعداد المهاجرين الا أنه اصبح من المؤكد الان أن هذا الرقم ضئيل امام الارقام الاسرائيلية ذاتها والتي تتحدث عن المليون. وللأسف فلم يجد الكلام الذي كان يتحدث به عدد من المحللين السياسيين في هذا الصدد أذنا صاغية الا عندما توالت الاعترافات من داخل الكيان وبدأت الصحف العبرية تكتب عن ذلك فبدأ السياسيون والمحللون يتجاوبون مع ذلك الخبر. هذا الحديث يسوقني في النهاية الى التأكيد على اهمية وثقل العالم الاسلامي في الأحداث المتلاحقة واهتمام العالم الغربي بتوجهات شارعه، على الرغم من أن الكثير من الناس كانت تتساءل: اين هو هذا العالم الاسلامي وأين يقع، خصوصا قبيل احداث 11 سبتمبر؟ ولم يكن هناك أي صدى بالنسبة لمعظم العرب للمقولة الأمريكية «الزاعمة» تم أن مصالح أمريكا في خطر، وان الجهة المهددة لهذه المصالح انما هي جهة اسلامية، وبغض النظر هل خرج «البعبع» بعد أو قبل خوفهم منه الا انه في النهاية خرج وبات يعمل على تهديد مصالحها اينما وجدت وفي كل مكان بشكل حقيقي وفاعل. ولاحظنا قبيل الضربات بأيام عديدة حالة الاستنفار التي ضربتها الادارة الأمريكية على قواتها المنتشرة في كل بقاع الارض، الا أن شريحة واسعة من العرب لم يأخذوا قول أمريكا هذا على محمل الجد. الى الحد الذي سخر البعض من اعلان الاستنفار الشامل في القوات الامريكية وأساطيلها. وفطن قلة من العرب الى مخاطبة الامريكيين بالقول بان على سياستهم التعامل مع أي عنف قادم بحل اسبابه وليس بتجاهله أو اخذ الحذر منه فقط. على أن هؤلاء القلة ايضا كانوا يجابهون بعدم اكتراث من الاغلبية ذلك بالقول ان سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع التهديدات المبالغ فيها لاحاطة مصالحها بجدران استنادية مانعة، وان المخاوف ليست جدية في حقيقة الامر الى الحد الذي يمكن أن تعمل هذه التهديدات على اقناع الادارة الأمريكية بضرورة التحول نحو سياسة اكثر عدالة في الشرق الاوسط. على المستوى السياسي وخصوصا الفلسطيني وبالنظر الى هذا المشهد.. يمكن طرح السؤال التالي: ما هي المعطيات في منطقتنا والعالم الآن التي تشير الى المشهد المستقبلي الذي ستظهر معالمه في منطقتنا قريبا. أولا: لا بد من قراءة الأحداث قبل 11 سبتمبر. قبل 11 سبتمبر، كانت الانتفاضة مشتعلة والمقاومة باسلة متقدة نعرف جيدا وتماما أنها آلمت الشعب الفلسطيني وضربت اقتصاده وخلفت الأرامل والأيتام والشهداء والجرحى والبيوت المهدمة والأشجار المقلعة، ولكنها بنفس الوقت ولدت هجرة يهودية معاكسة وصلت الى نسبة 25% من سكان الكيان الاسرائيلي، حسب الاعترافات والاستطلاعات الاسرائيلية، وأيضا رعب يشل الحياة في ذلك الكيان واقتصادا اسرائيليا مدمرا وسياحة مشلولة. أما على الصعيد العالمي والدولي والعربي والاسلامي ففُضِحت اسرائيل اعلاميا، وبان وجهها القبيح البذيء. أما على الصعيد العربي والاسلامي الذي تملكه الغضب والحقد العارم مما يرى من قتل الأطفال والنساء والشيوخ وهدم البيوت وتدنيس المقدسات مما دفع الى عودة القضية الفلسطينية القضية الأولى في العالم الاسلامي بشكل واضح بالرغم من أنها لم تخرج من هذا السياق في يوم من الأيام ولكن الأحداث حركت المشاعر. وتحرك العالم الاسلامي في بداية الأحداث وخرج في مظاهرات غاضبة من جاكرتا الى الرباط حتى أنه في جاكرتا مكث المتظاهرون أسبوعا أمام مقر الأمم المتحدة في اعتصام غاضب، وكانت وسائل الاعلام أحيانا تعتم تعتيما كاملا على مظاهرات كبيرة تحدث في أماكن متفرقة من العالم الاسلامي. وهذا بالتأكيد يرد على من يحاول تهميش العالم الاسلامي سواءً عن جهل أو عن تكرار الكلام الممجوج الذي يسوقه بعض الذين هم أدوات للتخريب الفكري الذي يشنه أعداء هذه الأمة. وجاءت أحداث 11 سبتمبر وحدث الذي كنا نحذر منه، فوقعت الكارثة على أمريكا ومن ثم على اقتصاد العالم وتفاعلت الأحداث وجاءت المعطيات واضحة لتربط ما حدث بقضية فلسطين، فاذا بقناعات قديمة تحيا من جديد سواءً في الغرب أو في أمريكا أو في العالم بأسره. وأدرك العالم بأسره الآن أنه ان لم تُحل هذه القضية فان العالم كله مهدد بعدم الاستقرار، ومرشح أن تشتعل به النار، هذا ما يقوله الآن السياسيون والقادة سواءً العرب أو الغربيين ولا بد أن تكون أيضاً قناعة الساسة الأمريكيين حتى وان لم يعلنوا ذلك صراحة بل أعلنوه بأثر رجعي أنهم كانوا يخططون من أجل ذلك. البعض منا يعتقد الآن أن هذه المواقف مجرد مواقف استرضائية من أجل حشد التحالف ضد الارهاب وجر العالم العربي والاسلامي الى ذلك التحالف والحقيقة أن ذلك الاعتقاد صحيح، ولكن ليس بشكل مجرد. ولكن الأصح من ذلك أن أمريكا والغرب بعد المعاناة التي أصابتهم بعد 11 سبتمبر أصبحوا بحاجة ماسة لأن يعالجوا أسباب تلك المعاناة، وحتى لا تستمر. لقد كان صعبا على أمريكا أن تظهر أنها هزمت أمام الارهاب أو أنها استسلمت للارهاب، ولكن الأصعب أن تستمر في وضع رأسها بالرمال ولهذا فانها لن تقبل بنصيحة شارون واللوبي التابع له، والذي يؤكد دائما على عدم مكافأة الارهاب لأن أمريكا أدركت أن نصائح شارون أودت بها الى الهاوية ، نعم أمريكا تريد الحفاظ على ماء وجهها حتى لا يبدو الأمر أنه استسلام أمام الارهاب، فلذلك لا بد أن تترك فترة انتقالية تكون الأمور على نفس المساوئ التي كانت عليها قبل 11 سبتمبر، ولذلك لا بد من أن تسمح في هذه الفترة الانتقالية ببعض التجاوزات لشارون ولكن الى حين. لقد ذكرت في تحليل سابق أن ضربة 11 سبتمبر أنهت كلمة الحليف الاستراتيجي لأمريكا بمعنى أن اسرائيل بعد 11 سبتمبر ستكون الحليف التابع مثل بقية الحلفاء، وليس الحليف الاستراتيجي بمعنى الحليف الذي له ما لأمريكا وعليه ما على أمريكا. لقد سمحت أمريكا لاسرائيل بفترة انتقالية حتى لا يقال أن أمريكا هزمت أمام الارهاب ولكن بعد الفترة الانتقالية ماذا سيكون؟ ستبدأ الأمور بالاجتماعات الأمنية وستكون الأمور كما كانت بالسابق مجموعة كبيرة من الطلبات الأمنية (الاعتقال والتسليم لنا والمحاصرة والضرب والانهاء) ثم ستتعدل الأمور بحيث تصبح الطلبات أن تعتقل السلطة المطلوبين وتمنع السلطة العنف مقابل فك الحصار وبعد ذلك ستفتح الطريق للقاءات التفاوضية برعاية أمريكية وغربية كبيرة وسيأتي باول الى المنطقة ليفتتح طريق المكوك الجديد وستظهر اسرائيل التشدد أكثر من السابق حتى ترسخ مفهوم عدم التنازل للارهاب أو عدم مكافأة الارهاب. وبما أن الوضع الدولي لا يسمح بوقت طويل للمناورة فان التدخلات الأمريكية والغربية ستكون كلها ضغوطا شديدة لم تمارس على اسرائيل من قبل ، بداية سيعرض شارون هذا ان بقي شارون ولم يسقط، سيعرض 45% أي أقل مما هو موجود مع الفلسطينيين الآن مما سيثير غضب الفلسطينيين ثم ستتسارع الأمور وستبدأ أمريكا بتحريك القضية القانونية ضد شارون وهي قضية الرشوة، وستعمل جاهدة على اسقاطه وستدخل لأول مرة الأمم المتحدة على خط المفاوضات، وستتردد أرقام القرارات الدولية على لسان كل السياسيين الغربيين والأمريكان، وستنتقل المفاوضات من مسمى اتفاقات أوسلو الى مسمى قرارات الأمم المتحدة. ومن هنا تبدأ اسرائيل بالتنازل تدريجيا (لأنها ستجد لأول مرة أن أمريكا والغرب يهددانها حقيقة). وبعد ذلك ستنتقل المفاوضات الى واشنطن وستمارس أمريكا ضغطا لم تعهده اسرائيل من قبل ، وبعد ذلك وفي فترة تبدأ من ثلاثة أشهر وفي أقصاها عام ستتحدد ملامح دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس. وسيعود أكثر اللاجئين الى فلسطين. أما المعطيات التي بنيت عليها الرؤية المستقبلية فاني سأذكرها بما يلي أولا: وجود القناعة الكاملة عند السياسيين الأمريكيين بأن مصالحهم في العالم الاسلامي مهددة بالكامل وذلك قبل ضربة 11 سبتمبر بدليل أن الادارة الأمريكية شكلت لجنة من أجل دراسة ما هي الأسباب التي تجعل العالم الاسلامي يحقد على أمريكا، ولقد ترأس هذه اللجنة وزير الخارجية الأمريكي باول ولم يعلن عن نتيجة هذه الدراسة. ثانيا: حالة الفقدان الأمني والمعنوي والاقتصادي والهجرة العكسية التي تهدد الكيان الاسرائيلي بالتفكك كاملا، ان لم يكن هناك حل يؤدي الى الاستقرار . ثالثا: بروز نفس الحالة التي تعيشها اسرائيل في أمريكا بعد 11 سبتمبر فأصبحت امريكا بحاجة الى الاستقرار تماما مثل اسرائيل. رابعا: القناعة الغربية والدولية الى جانب القناعة الأمريكية بضرورة الاسراع بالحل. خامسا: لأول مرة في تاريخ اليهود في أمريكا وخصوصا في نيويورك أصبح اليهود بحاجة الى الاستقرار الأمني من أجل أن يعود الاستقرار الاقتصادي الى نيويورك ، هذا الاقتصاد الذي كان يهيمن عليه اليهود بالكامل قبل 11 سبتمبر. سادسا: لأول مرة في تاريخ الكونجرس منذ 30 سنة يعطي الكونجرس الموافقة بالاجماع للادارة الأمريكية والتفويض الكامل بضرب الارهاب ومعالجة أسبابه، هذا لا يعني أنه لن يخرج أشخاص من الكونجرس ومن خارج الكونجرس، لمحاولة اعاقة أي ضغط على اسرائيل. سابعا: لأول مرة الحكام العرب والمسلمون يتكلمون مع أمريكا بالفم الملآن انه ان لم تُحل هذه القضية فانتظروا أن تعم الكارثة الكرة الأرضية بالرغم من الطلبات الرسمية لكل الدول العربية والاسلامية بعدم ربط ما حدث في نيويورك بقضية فلسطين. وفي النهاية فاني أكاد أجزم أننا على أبواب عهد جديد. بقلم: مأمون أسعد التميمي ـ عضو المجلس المركزي الفلسطيني مقرر لجنة تقصي الحقائق في المجلس الوطني