تتميز الأطروحة الأمريكية منذ يوم 11 سبتمبر، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، بعرض الشيء ونقيضه في آنٍ معاً. فالحرب على أفغانستان بدأت برمي القنابل وأكياس الطعام في الوقت نفسه. والأطروحة الأمريكية الرسمية عن الإرهاب ترفض دمجه مع الإسلام والعرب بينما الإجراءات الرسمية الأمريكية تنحصر حتى الآن بمعاقبة مسلمين وعرب. كذلك في الشئون الداخلية الأمريكية، فإن الطرح الرسمي الأمريكي يجمع بين مناشدة الأمريكيين العودة إلى حياتهم العادية وتنشيط حركة الاقتصاد، وبين التحذيرات الرسمية اليومية من عملياتٍ إرهابية متوقعة من جهةٍ مجهولة في مكانٍ مجهول وفي زمنٍ مجهول أيضاً. ولا تخرج السياسة الخارجية الأمريكية عن هذه الجدلية التناقضية في الأطروحة الأمريكية. فالمواقف الأمريكية، من سوريا وإيران والسودان والسلطة الفلسطينية، هي مواقف تتراوح بين إشادةٍ رسميةٍ من مسئولٍ أمريكي وبين تهديدٍ ونقدٍ من مسئولٍ أمريكي آخر. حتى إسرائيل لم تسلم من هذه «الازدواجية» الأمريكية في المواقف، فيومٌ شارون هو «أفضل صديق»، وفي يومٍ آخر تكون مواقف شارون «غير مقبولة» أمريكياً. هذا كلّه في الجانب الحكومي الأمريكي فقط، فكيف إذا أضفنا عليه ما هو قمّة في تناقضات المواقف والحملات الإعلامية التي تصدر عن عددٍ كبير من أعضاء الكونغرس وكبار المحللين والكتاب الأمريكيين ؟! طبعاً، بعض هذه التناقضات في المواقف يعود إلى طبيعة المجتمع الأمريكي وما فيه من فصلٍ بين السلطات وحق في حرية الرأي والتعبير، لكن «ازدواجية» المواقف على المستوى الحكومي هي «حالة غير ديمقراطية» ولا يمكن تفسيرها إلا بأحد احتمالين: إما تخبّط في الرؤية وعدم وجود سياسة عامة واحدة على المستوى الحكومي، أو الاحتمال الآخر أن تكون سياسة «ازدواجية المواقف» هي سياسة متعمدة من قبل الإدارة الحالية لترك كلّ الخيارات مفتوحة أمام كلّ الاحتمالات، ولكي يتم إرضاء كلّ الجهات والأطراف في داخل المجتمع الأمريكي وخارجه، وإلى حين تنفيذ أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة التي تحاول بشتى الطرق توظيف ما حدث في يوم 11 سبتمبر من أجل تنفيذ «أجندتها» الداخلية والخارجية. لكن بغض النظر عن «الباطنية» التي تقف وراء هذه المواقف المزدوجة للإدارة الأمريكية، والتفسيرات السليمة لأسبابها، فإن مشكلة أمريكا في المنطقة العربية تحديداً ما زالت تتأزم حصيلة «ازدواجية» المواقف الأمريكية في مسألة الإرهاب. فحينما تعتدي إسرائيل على العرب والفلسطينيين، تجد واشنطن الأعذار المناسبة لهذا السلوك الإرهابي الصهيوني، لكن حينما يقاتل العرب والفلسطينيون جيش الاحتلال الإسرائيلي فإن أمريكا تتبنى فوراً مقولة إسرائيل بأن مقاومة الاحتلال هي من الأعمال الإرهابية!! وما زالت واشنطن تكرّر مطالبة السلطة الفلسطينية باتخاذ «كافة الإجراءات» لوقف العنف من جانب من يقاومون الاحتلال، بينما ترفض واشنطن اعتبار ما تقوم به إسرائيل إرهاباً أو مسئولاً في الحد الأدنى عن استمرار أعمال العنف في المناطق الفلسطينية المحتلة. فواشنطن لم تعتبر حتى الآن بأن أراضي الضفة وغزة خاضعة للاحتلال، وهي تدعم التسميات الإسرائيلية التي جاءت في اتفاقيات أوسلو وما بعدها، بأن الجيش الإسرائيلي يقوم بإعادة انتشار داخل الضفة وغزة، مما يعطي لإسرائيل «أحقية» العودة إلى المدن التي انسحبت منها كلّما أرادت ذلك. ورغم الإيجابية الشكلية التي تميزت بها بعض تصريحات الرئيس بوش والوزير كولن باول عن «الدولة الفلسطينية» وعن ضرورة «أن تعمل إسرائيل أيضاً على وقف العنف»، فإن هذه المواقف الإيجابية الشكلية لم تصل بعد إلى عمق أزمة الثقة العربية بالسياسة الأمريكية في المنطقة. فالمعايير العربية لكيفية رؤية التغيير بالسياسة الأمريكية يتطلب من واشنطن أن تعود بسياستها إلى ما كانت عليه في الخمسينيات أيام العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي على مصر بعد تأميم قناة السويس، حيث كانت السياسة الأمريكية والمصالح الأمريكية ترفض العدوان على مصر وترفض احتلال سيناء والقناة مهما كانت الأعذار التي رفعها المعتدون، كما تفهمت واشنطن آنذاك حق الشعب المصري بالمقاومة للاحتلال، والدعم العربي الكبير لهذه المقاومة. أما بعد حرب عام 1967، فقد تزاوجت المواقف الأمريكية مع المواقف الإسرائيلية بحيث أصبح من الصعب الفصل بينهما في كثيرٍ من المحطات الزمنية على مدار أكثر من ثلاثين عاماً. وأصبح زواج المواقف الأمريكية والإسرائيلية هو مصدر «الازدواجية» في السياسة الأمريكية بالمنطقة: مفهومٌ أمريكياً ما تقوم به إسرائيل، ومرفوضٌ أمريكياً ما يقوم به العرب! وحصيلة ذلك: كلّ أنواع الدعم الأمريكي لإسرائيل مقابل عقوباتٍ وضغوطاتٍ على العرب. وما لم تدرك واشنطن أن جذور أزمتها و«صورتها المشوهة» في المنطقة العربية تعود لهذا «الزواج الأمريكي الإسرائيلي» منذ الستينيات، فإن كل سياساتها وممارساتها ستزيد الأزمة تأزّماً والنار اشتعالاً. فجذور أزمة أمريكا مع المنطقة لا ترتبط بحالةٍ دينية أو ثقافية، ولا أيضاً بطبيعة أنظمة أو حكومات، ولا هي حتما من إفرازات حركاتٍ أصولية هنا أو هناك ، وربما مشكلة أمريكا أنها تدرك ذلك جيداً، لكنها تريد أن تقنع العرب بأن مشكلتهم هي مع أنفسهم، فتريح واشنطن نفسها من عناء هموم «الانفصال المؤقت» عن الزوج الإسرائيلي وتجعل الحال العربي بعضه يمزق بعضاً!! ولكي لا تتوه مراكب الوهم العربي كلما صدرت تصريحات شكلية إيجابية عن مسئولين أمريكيين بشأن «الدولة الفلسطينية»، فإن وضع المعايير هنا يصبح كالبوصلة التي تحدّد الاتجاه الصحيح: هل ستقبل واشنطن بالحد الأدنى فيما نصت عليه الشرعية الدولية من رفض احتلال الأرض بالقوة، ومن حقّ الشعوب الخاضعة للاحتلال بمقاومة المحتل؟ 2- هل تعتبر واشنطن أصلاً الأراضي العربية التي جرى احتلالها عام 1967 هي أراضٍ عربية محتلة أم أن واشنطن تأخذ بالادّعاء الصهيوني في اعتبارها خاصةً القدس ومناطق عدة من الضفة والجولان أراضٍ إسرائيلية محررة؟ هل تقبل واشنطن أن تكون الأمم المتحدة هي المرجعية الدولية أم تريد الانفراد بتحديد مفاهيم الصراع العربي ـ الإسرائيلي وبوضع جدولة أمريكية لكيفية إنهاء هذا الصراع بغض النظر عن اعتبارات الحق والباطل، وعن التمييز الصحيح بين الظالم والمظلوم ؟! هنا تقع الملامة أيضاً على من قَبِلَ من العرب بمرجعية واشنطن وحدها لمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي، في وقتٍ لم تميز فيه واشنطن نفسها عن السياسة الإسرائيلية، خاصّةً لجهة كيفية رؤية الأراضي المحتلة ومدى حقّ الشعب الخاضع للاحتلال بأن يقاوم هذا الاحتلال. وإذا كان مفهوماً هذا الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل طوال سنوات الحرب الباردة، فما هو مبرّره منذ مطلع التسعينيات؟ وما هو مبرّر استعداء حتى من كانوا أصدقاء أمريكا في المنطقة خلال فترة الحرب الباردة بحيث أصبحت المنطقة العربية الآن موحدة في مشاعرها السلبية ضد أمريكا وإسرائيل رغم ما هي عليه من تمزّق وصراعات على أمورٍ عديدةٍ أخرى. فواشنطن تكون مرجعية مقبولة حينما تكون حيادية في سياستها ومواقفها لا داعمةً للمعتدي ضد المعتدى عليه. والتمايز الأمريكي الإسرائيلي الحاصل الآن هو تمايز في كيفية رؤية السلطة الفلسطينية وشخص ياسر عرفات تحديداً، وليس في رؤية حقوق الشعب الفلسطيني. فلم يظهر بعد أيّ تباينٍ بين أمريكا وإسرائيل حول جوهر القضايا المرتبطة بالصراع، ولا حول كيفية رؤية المقاومين للاحتلال الذين ما زالوا بنظر واشنطن وتل أبيب معاً من الجماعات «الإرهابية»، ولا أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد تناقضاً بين المواقف الأمريكية والإسرائيلية حول جوهر هذه القضايا بالرغم من أن الخلافات الشكلية ستطفو كثيراً على السطح من أجل إقناع العرب والفلسطينيين بنزاهة وعدالة الموقف الأمريكي. ترى متى ينتقل الحال العربي من «لائحة الإنتظار» إلى وضعٍ تضامني فاعل، يقنع العالم كلّه - ومن ضمنه أمريكا- بعدالة حق مقاومة الاحتلال - خاصة إذا تخلت المرجعيات الدولية عن مسئوليتها - وقبل أن تسود العالم قناعة مزيفة تتزاوج فيها حالات المقاومة والإرهاب، فيخسر العرب حقهم المشروع من جهة وتكون عليهم، من جهة أخرى، واجبات تسديد «فواتير» مكافحة الإرهاب، وعندها ستتحول المشكلة من «إزدواجية» المواقف الأمريكية إلى «إزدواجية» المصائب العربية. بقلم: صبحي غندور ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن