نظم المعهد القومي للتخطيط في القاهرة ندوة بعنوان «عولمة التجارة الدولية ومصالح شعوب الجنوب» ترأسها د. مراد غالب رئيس منظمة تضامن الشعوب الافروآسيوية وتحدث فيها د. ابراهيم العيسوي مستشار المعهد وحضرتها منظمات عربية وأجنبية. وقال د. العيسوي ان البيئة العالمية تغيرت تغيراً محسوساً فظهرت منظمة عالمية قوية تشرف على النظام التجاري الدولي ونشأت «منظمة التجارة العالمية» بمقتضى اتفاق تم التوصل إليه فيما يعرف بجولة اورجواي استغرقت سبع سنوات من عام 1986 إلى 1993 وأعلن عنها رسمياً في ابريل عام 1994، وأصبح عدد أعضائها حتى الآن 142 دولة. ويضيف الدكتور العيسوي: أن الفلسفة الاقتصادية التي تقوم عليها منظمة التجارة العالمية، ومن قبلها الجات تتلخص في عبارة واحدة وهي (أن التجارة الخارجية هي محرك النمو وقاطرة التنمية، وحرية التجارة هي أفضل سبيل لتقسيم العمل وتخصيص الموارد على الصعيد الدولي، ومن ثم فهي أفضل سبيل لنمو التجارة بين الدول). وهذه هي فلسفة الليبرالية الاقتصادية الآن، والمقصود بها الدفع في اتجاه حرية التجارة وان تكون عملية تحرير التجارة عملية تراكمية وغير قابلة للارتداد. وينتقد الدكتور العيسوي هذه الفلسفة قائلا: هذه الفلسفة تتجاهل الفجوة التي تفصل بين مستويات النمو في الدول المختلفة، ولا تقدم تفسيرا علميا لحقائق النمو كما حدث تاريخيا في الدول الصناعية أو الدول الاشتراكية، فحقائق النمو تقول: ان التنمية لا تتم في أي دولة في بيئة دولية مفتوحة، وانما كانت السياسات الحمائية جزءا لا يتجزأ من السياسات التي أخرجت الدول من دائرة التخلف وتقول هذه الحقائق أيضا: ان النمو هو الذي سبق المطالبة بحرية التجارة ثم يبدأ فتح الأسواق امام التجارة. مخاوف ويتحدث الدكتور العيسوي عن مخاوف الدول النامية في منظمة التجارة فيقول: أن هذه المنظمة تعمل على توحيد القواعد المنظمة للتجارة العالمية، وهذه محاولة لإلباس الجميع ثوبا واحدا، هذا الثوب مريح للدول الصناعية وخانق للدول النامية، لأنه يحرمها من أساليب وأدوات التدخل التميزية، ويحمل الدكتور العيسوي هذا قائلا: ان تطبيق المعاملة المتساوية على أطراف غير متساوين لا ينتج عنه الا مزيدا من عدم المساواة، وعدم التكافؤ، وهذا الأمر مصدر قلق الدول النامية ازاء منظمة التجارة العالمية. ويتحدث الدكتور العيسوي عن مصدر آخر للقلق وهو الخوف من سيطرة الأربعة الكبار وهم الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي واليابان، ومن ورائهم الشركات الكبرى على العالم، وأن هذه الدول لا تتورع عن استعمال العلاقات الثنائية مع الدول النامية من أجل تقديم تنازلات، وبذلك يتحول النظام التجاري ليس الى نظام يقوم على قواعد وانما نظام مدفوع بالضغوط ويقول: ان الدول الكبرى لا تكف عن استخدام أدوات الخداع والتوريط والايهام، ولا تكف عن الوعد والوعيد فتقدم - مثلا - معونات لنشر التكنولوجيا وتمارس ضغوطا موازية لهذه المعونات. ويدعو الدكتور العيسوى الحضور الى تأمل الصورة الفجة التي ظهر فيها الممثل التجاري الأمريكي وهو يدعو الى جولة مفاوضات جديدة تعقدها المنظمة ويراها ضرورية من أجل مواجهة الارهاب؟! ويواصل الدكتور العيسوى في حديثه عن المخاوف قائلا: ان همنا الأول كدول نامية أن نحقق التنمية لدولنا وشعوبنا، وللاسف قضية التنمية في المنظمة قضية هامشية وثانوية، وهذا تناقض خطير، أن تكون منظمة غالبية أعضائها دول نامية والهم الأكبر لها هو التنمية ولا تحظى هذه التنمية بالاعتبار الكافي ويرد هذا بالطبع الى الفلسفة التي اقيمت على أساسها المنظمة وهي التجارة محرك النمو. وفي حديث المخاوف أيضا يؤكد الدكتور العيسوي: ان مخاوف الدول النامية التي اثارتها في جولة أورجواي التي دامت سبع سنوات قد تحققت جميعا فقد ارتفعت أسعار السلع الزراعية عموما وأسعار السلع الغذائية خصوصا، وتآكلت كل المزايا التي كانت تتمتع بها الدول النامية في النفاذ الى أسواق الدول المتقدمة، وارتفعت تكلفة برامج التنمية على الدول النامية من جراء اتفاقات مثل (تربس) وغيرها، وعانت دول نامية من مايطلق عليه (نفى التصنيع)، وتقلصت قدرة الدول النامية على تصميم سياستها التنموية بما يتفق مع مصالحها. فرق تسد ويرد هنا السؤال المنطقي الذي يسأله أي انسان عاقل وهو: لماذا قبلت الدول النامية ماأسفرت عنها جولة أورجواي من اتفاقات ويجيب الدكتور العيسوي قائلا: قبلت الدول النامية ذلك لأسباب ثلاثة. أولها: انه لم يكن امام هذه الدول من سبيل لتعديل مسار هذه الاتفاقات التي انتجت اعلان منظمة التجارة رسميا، والتأثير في محتواها باستثناء بعض المسائل التفصيلية، وفي نطاق محدود للغاية، فقد كان نفوذ الدول المتقدمة طاغيا في المفاوضات، مع اصرار واضح على تهميش الدول النامية، وذلك بحسم المسائل الجوهرية خارج قاعات المفاوضات خاصة من خلال مجموعة الأربعة الكبار، كما كانت امكانات العمل المشترك بين مختلف الدول النامية ضعيفة، سواء لضعف القدرة التنظيمية والفنية أو لتعارض مصالح البعض منها ومن ثم تعذر الوصول الى موقف تفاوضي موحد بينها مما أتاح فرصة جيدة امام الدول الغنية لتطبيق سياسة (فرق تسد). وثانيها: هو أن الدول الغنية قدمت للدول النامية وعودا كثيرة بمراعاة ظروفها الخاصة، فقد وعدت بتقديم معونات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار السلع الزراعية والغذائية على الدول النامية المستوردة لهذه السلع، كما قدمت وعودا بمد يد العون فنيا وماليا للدول النامية التي قد تواجه صعوبات فنية وادارية في تطبيق بعض الاتفاقات، وخاصة اتفاقية حقوق الملكية الفكرية واتفاقية مواجهة الاغراق، كما اجازت بعض الاتفاقات للدول النامية طلب تمديد الفترات الانتقالية المحددة للتمتع ببعض الاجراءات الاستثنائية، كما أشير الى فرصة الدول النامية - شأن غيرها من الأعضاء - في حماية مصالحها من خلال اقامة تجمعات اقليمية، ولا شك أن هذه الاغراءات قد يسرت تحرير الصفقة وابتلاع الدول النامية للدواء المر، وقد ثبت فيما بعد أن أكثر الوعود التي قدمتها الدول الغنية كانت مجرد (حبر على ورق). وثالث الاسباب التي دعت الدول النامية إلى قبول الدواء المر كما يقول الدكتور العيسوي في مفاوضات اورجواي هو أن الدول الكبرى كانت تمارس ضغوطا قوية على الدول النامية التي وقع أغلبها في فخ المديونية الخارجية وقد مورست هذه الضغوط بشكل خاص من جانب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بهدف احداث تعديل جوهري في سياسات الدول النامية الاقتصادية من خلال تبني برامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي، وكما هو معروف فإن هذه البرامج تشترك مع منظمة التجارة العالمية في فلسفة التحرر الاقتصادي، وتحرير التجارة وفتح أسواق الدول النامية أمام منتجات واستثمارات الدول المتقدمة وادماج الدول النامية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولم تبد الدول النامية - بالطبع - معارضة، ناهيك عن أن تهدد بالخروج من المنظمة، بل سعت لنيل رضا الدول الكبرى. تورط الصغار ويقول الدكتور العيسوي: انه بمرور الوقت شعرت الدول النامية انها تورطت وانها عاجزة عن ملاحقة تنفيذ ماتنطوي عليه الاتفاقات من مطالب في آجال محددة، كما تزايد لدى هذه الدول الاحساس بالظلم والخديعة والاستغفال من جانب الدول الصناعية، اذا لم تفتح هذه الأخيرة أسواقها امام صادرات الدول النامية بالقدر الذي كان متوقعا عند قيام المنظمة، ولم تزل الدول الصناعية تضع العراقيل امام نفاذ منتجات الدول النامية الى أسواقها لاسيما المنتجات الزراعية والمنسوجات والملابس، مع استمرار الاجراءات الحمائية من جانب الدول المتقدمة لمنتجاتها وصادراتها مثل الدعم المحلي للزراعة في الدول الغنية، في حين تواجه صادرات الدول النامية للدول الغنية من بعض المنتجات الزراعية بتعريفة جمركية مانعة تصل الى (200%)، (300%) كما في حالة السكر والألبان. ومما زاد من مشاعر الإحباط لدى الدول النامية أيضا ان الدول الصناعية لم تف بوعودها فيما يتعلق بتقديم العون من أجل تخفيف عبء ارتفاع اسعار وارداتها من السلع الزراعية والسلع الغذائية، ومن أجل تنفيذ المتطلبات الادارية والفنية اللازمة لتطبيق الاتفاقات، ومن أجل تيسير نقل التكنولوجيا. يقول الدكتور العيسوي ان الدول النامية الآن في هذا الموقف ازاء منظمة التجارة العالمية: أولا: لم تحدث الطفرة الموعودة في التجارة العالمية مع ازدياد درجة تحريرها، فقد كان معدل النمو في الصادرات العالمية في الستينيات والسبعينيات التي توصف بأنها فترة غير ليبرالية - أعلى من أي وقت آخر. ثانيا: تراجع معدل النمو في التسعينيات الى نصف معدل النمو في الخمسينيات والستينيات في الدول النامية والمتقدمة بدرجات متفاوتة. ثالثا: كانت العواقب على التشغيل والنمو الصناعي في الكثير من الدول النامية لدرجة حدوث انعكاس في حركة التصنيع أو نفي التصنيع. الأمر الذي أسفر عن انخفاض الوظائف واقتراب صناعات نسيجية وكيماوية وسيارات وأحذية من الانهيار وتزايدت مشاعر غضب الدول النامية وعداء بعضها لمنظمة التجارة العالمية خاصة ازاء أزمة شرق اسيا في عام 1997، والأزمة التي لحقت بروسيا من جراء تسريع وتيرة تحرير الاقتصاد والتجارة، ولم يغب عن الاذهان أن الهند والصين كانتا الأقل تأثرا بالأزمة الأسيوية لأنهما الأشد مقاومة لاغراءات تحرير التجارة والاندماج، وان دول مثل ماليزيا نجحت في الفكاك من اثار الأزمة الأسيوية لانها لم تستجب لمطالب صندوق النقد الدولي بينما كانت اندونيسيا هي المثال العكسي. الوصفة وفي ختام لقاء الدكتور العيسوي بالحضور في الندوة طرح عشرة مطالب على المشاركين ليقدمونها للمؤتمر الوزاري للمنظمة الذي سيعقد في الدوحة كوصفة انقاذ للدول النامية وهي: 1 ـ الاعتراف بعدم التوازن المتضمن في الاتفاقات الجارية بين التزامات الدول النامية والدول المتقدمة. 2 ـ مع مايترتب في البند السابق من اعطاء قضية التنمية وصفا خاصا على جدول المنظمة، يطالب العيسوي: بالاصرار على مبدأ تناسب الالتزامات مع مستويات التطور الاقتصادي واحياء مبدأ المعاملة المتميزة، أو التفصيلية للدول النامية 3 ـ الاعتراف بحق الدول النامية بمراجعة الكثير مما التزمت به تجاه المنظمة على مضض وتحت ضغوط. 4 ـ توجيه عناية خاصة لعدد من القضايا التي تهم الدول النامية والتي لها صلة بنمو تجارتها مثل العلاقة بين التجارة والديون الخارجية، والعلاقة بين التجارة ونقل التكنولوجيا. 5 ـ ان تراقب المنظمة وتراجع بدقة التزامات الدول المتقدمة لصالح الدول النامية. 6 ـ رفض الدعوة بجولات متعددة الأطراف. 7 ـ ارجاء النظر في أية قضايا اضافية أو جديدة حتى لا تحمل الدول النامية بما لا طاقة لها به من أعباء التفاوض وأعباء الالتزامات الاضافية. 8 ـ مقاومة الدول المتقدمة لبدء المفاوضات حول تخفيضات جديدة للتعريفات الجمركية على السلع الصناعية. 9 ـ ان تقاوم الدول النامية الاتجاه الى توسيع صلاحيات منظمة التجارة العالمية لتشمل أمورا ليس لها علاقة بالتجارة، مثل حقوق الملكية الفكرية التي تتولاها منظمات أخرى. 10 ـ ايلاء قضية الشفافية والمشاركة الديمقراطية في أعمال المنظمة اهتماما كبيرا.