بمجرد صدور إعلان الرئيس الأمريكي بشأن تأييد قيام دولة فلسطينية، حدث نوع من الانقسام لدى المحللين في العالم العربي، فذهب فريق إلى القول بأن الرئيس الأمريكي جاد فيما ذهب إليه، وأنه ينوي بالفعل إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها المدخل الطبيعي لحل الصراع في الشرق الأوسط، هذا بينما ذهب فريق آخر إلى التشكيك في نوايا الرئيس الأمريكي، والتأكيد على أن مراجعة السياسة الأمريكية في السنوات الثماني التي سبقت هذا الإعلان، لا توحي بوقوع هذا التغير، أو حدوث هذا التحول، فإدارة بوش الابن رفضت مجرد عقد لقاء بين الرئيس الأمريكي والرئيس عرفات، كما أنها لم تر في القمع والإرهاب الإسرائيلي في استخدام أحدث منتجات تكنولوجيا السلاح ضد أبناء الشعب الفلسطيني- ما يستحق الإدانة أو مجرد لفت الانتباه. في ضوء الانقسام، حاول كل فريق التأكيد على صحة رأيه من خلال الإشارة إلى الهدف المراد تحقيقه من قِبل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رصد بعض المؤشرات التي تؤكد صحة هذا الهدف، وهو ما سنعرضه بالتفصيل فيما يلي: أ ـ وجهة النظر الأولى «اتجاه أمريكي جاد نحو التسوية الحقيقية»: يرى هذا الفريق أن الرئيس بوش جاد فيما طرحه بخصوص تأييد قيام دولة فلسطينية مستقلة، مادام هناك احترام لحق إسرائيل في الوجود، ويؤكد أصحاب هذا الرأي مدى أهمية هذا الطرح، وكونه يشكل خطوة للأمام في مسيرة الإيحاءات الأمريكية بصدد قيام الدولة، وتتأكد أهمية هذه الخطوة في ضوء الموقف الأمريكي الثابت من إعلان الدولة الفلسطينية منذ عام 1967، فمنذ ذلك التاريخ هناك موقف أمريكي صريح وواضح يقول علنًا برفض الموافقة على قيام دولة فلسطينية، وكان أقصى ما ذهب إليه الموافقة على إنشاء حكم ذاتي فلسطيني جرى التأكيد عليه في اتفاق كامب ديفيد بين مناحم بيجن والرئيس السادات، ولم يتغير هذا الموقف الأمريكي حتى بعد اتفاق أوسلو عام 1994. إذ جرى الحديث في تلك الأثناء عن كيان فلسطيني يرتبط فيدراليًا بالأردن، أو مع إسرائيل، أو ضمن اتحاد ثلاثي، ولم يطرأ تغيير لفظي على الموقف الأمريكي إلا في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، وذلك بعد أن أعلنت إسرائيل استعدادها للموافقة على دولة فلسطينية ناقصة السيادة. إلى جانب ذلك يرى آخرون أن تصريح بوش يمثل تعبيرًا أكثر تقدمًا في موقف الإدارة الحالية، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن إدارة بوش بدأت عهدها بتصريحات أوحت للعالم أنها لن تواصل الدور المؤثر في دفع مسيرة السلام في الشرق الأوسط، كما أنها كانت تردد ما يقوله شارون من ضرورة وقف ما أسماه بالعنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلاً عن أنها لم تكن تحرك ساكنًا إزاء أي من الأعمال الوحشية التي ترتكبها ـ ولاتزال ـ القوات الإسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين. مؤشرات على الجدية ويرصد أصحاب هذا الاتجاه عدة مؤشرات على مدى جدية هذا الطرح الأمريكي وأهمها ما يلي: 1ـ ظهور اقتناع أمريكي بضرورة تسوية القضية الفلسطينية، ويؤكد محللو هذا الاتجاه ظهور اقتناع أمريكي بضرورة تسوية القضية الفلسطينية، ويرى هؤلاء أن ما أعلنه الرئيس بوش يكشف بوضوح عن استنتاج أمريكي واضح مؤداه، أنه طالما ظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية فسوف تظل الولايات المتحدة تتهم بازدواجية المعايير، ومن ثم فإن خدمة المصالح الأمريكية وتحقيق نوع من الاستقرار في المنطقة المتخمة بالمصالح الأمريكية، يقتضي من الولايات المتحدة القيام بعمل فاعل من أجل تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره لب الصراع العربي الإسرائيلي. ويرى هذا الفريق أن الطرح السابق قد تجلى بوضوح في التصريحات التي أدلى بها بوش مؤخرًا حول تأييد فكرة الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يوحي بأن المنطقة سوف تشهد نشاطًا أمريكيًا ملحوظًا من أجل استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، والسعي إلى تنفيذ توصيات لجنة ميتشل، والتمهيد لذلك بتنفيذ الاتفاق الذي أشرف عليه جورج تينيت مدير جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية. 2ـ وجود تحول في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية قبل أحداث 11سبتمبر، يشير محللون إلى أن الاهتمام بقضية الشرق الأوسط لم يأت تحت ضغط الأحداث التي تعرضت لها الولايات المتحدة، بل إن هذا الاهتمام قد تبلور في الفترة التي سبقت هذه الأحداث، وفي هذا السياق أشار بعض الباحثين الأمريكيين إلى أن ذلك الاهتمام قد جاء في ظل التصعيد الذي شهدته الانتفاضة، وبروز أخبار عن تطور العداء للموقف الأمريكي السياسة الأمريكية في المنطقة، وعجز إسرائيل عن وقف الانتفاضة على الرغم من التمادي في استخدام العنف ضد الفلسطينيين، كل ذلك دفع الإدارة إلى إعادة النظر في الموقف الأمريكي وبداية التفكير في لعب دور أكبر. وقد أشار أصحاب هذا الرأي إلى ما ذكرته بعض المصادر من أن موقف الرئيس بوش الأخير جاء نتيجة اتفاق سري تم التوصل إليه بين الإدارة الأمريكية وإحدى الدول العربية البارزة - أشارت مصادر إلى أنها السعودية - قبل أحداث 11سبتمبر حيث طلبت هذه الدولة من الإدارة الأمريكية إطلاق مبادرة سلام أمريكية جديدة وجريئة، وهو ما استجاب له الرئيس بوش، من خلال إبلاغ وزير الخارجية كولن باول بإعداد نص خطاب رسمي يتضمن تأييد الإدارة الأمريكية لإقامة دولة فلسطينية، كما يتضمن تصور الإدارة لكيفية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. والأكثر من ذلك ـ وكما يشير البعض ـ هناك نية بأن يشير كولن باول في خطابه القادم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر الجاري إلى الخطوط العامة للمبادرة الأمريكية الجديدة، والتي تسير في اتجاه الحفاظ على حق إسرائيل في الوجود، والموافقة على قيام دولة فلسطينية، وأن تبقى القدس موحدة وعاصمة لكلتا الدولتين، على أن يتم فتح سفارتين في القدس واحدة لفلسطين والأخرى لإسرائيل، إلى جانب ذلك يشير هؤلاء المحللون إلى أن هناك احتمالاً جديًا أن تقدم إدارة بوش على خطوة أخرى، وهي تعيين مبعوث خاص لها في الشرق الأوسط وربما يكون مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشئون الشرق الأوسط إدوارد جرجيان المعروف باعتداله ومواقفه المتفهمة للقضايا العربية. 3ـ حالة الغضب الإسرائيلي التي تزامنت مع الموقف الأمريكي الجديد، يشير المراقبون إلى أن من المؤشرات التي تدل على جدية الطرح الأمريكي ذلك الغضب الإسرائيلي الذي ظهر بوضوح عقب الموقف الأمريكي الجديد، فقد اتهم شارون العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة بتسليم رأس إسرائيل لما أسماه بالإرهاب «كما فعل الغرب مع تشيكوسلوفاكيا إذ سلمها لهتلر في ميونخ عام 1938»، إلى جانب ذلك فقد أعلن شارون أن إسرائيل في ضوء هذه الحقائق لا تملك إلا أن تعتمد على نفسها، ولذلك فإن حكومته ستعود إلى سياسة اغتيال القيادات الفلسطينية النشيطة، وأن قواته لن تراعي سياسة ضبط النفس التي أعلنت الالتزام بها سابقًا عقب الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي تم خلاله قتل عشرات الفلسطينيين. ورغم تراجع شارون عن تصريحاته فإنه دفع رجاله إلى القول بأن هذه التصريحات تأتي في سياق الرغبة الأمريكية الهادفة إلى تشكيل التحالف الدولي الذي سيخوض الحرب ضد الإرهاب، أي التأكيد على أن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن الدولة الفلسطينية، تأتي في سياق انتهازي محض، مما يعني توجيه اتهام بالانتهازية وانعدام الرؤية والبصيرة وعدم تقدير المخاطر المحيطة. غضب مسبق غير أن هناك من يرجع ذلك الغضب الإسرائيلي إلى ما قبل أحداث 11سبتمبر، وفي هذا السياق يشير بعض المراقبين إلى أن شارون قد علم قبل الحادي عشر من سبتمبر أن الرئيس بوش وطاقم حكومته قد بحثوا مطولاً الموقف الذي سيتخذه من الأزمة الحادة في الشرق الأوسط، وقرر أنه لا خيار سوى معادلة الأرض مقابل السلام، وأن الترجمة العملية هي إقامة الدولة الفلسطينية، مع ضمان أمن إسرائيل وتطبيع علاقاتها الشرق أوسطية، كذلك علم شارون وحكومته أن ذلك الموقف كان سيطرح أثناء لقاء كان يجري الإعداد له في نيويورك بين الرئيس بوش والرئيس عرفات على هامش اجتماعات الجمعية العامة في الأسبوع الأخير من سبتمبر. في ضوء هذه المعلومات يرى أصحاب ذلك الاتجاه أن شارون حاول إفساد المخطط الأمريكي من خلال تصعيد الأمور في الأراضي المحتلة والإعلان عن الاستمرار في سياسة اغتيال القيادات الفلسطينية ومداهمة الأراضي التابعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، فضلاً عن شن حرب كلامية على واشنطن في محاولة لابتزازها والضغط عليها للتراجع عن موقفها، وهو ما يعني في التحليل الأخير جدية الأطروحات الأمريكية الجديدة. أخيرًا وفي ضوء اقتناع هذا الفريق بجدية الطرح الأمريكي، فقد طالب هؤلاء العرب بالعمل على استثمار الفرصة القائمة من خلال بعض الأمور هي: ـ إدراك أن أي عمل في المنطقة على صعيد التسوية السياسية وشروطها يتوقف على أدوار الأطراف المختلفة المعنية مباشرة بالصراع، أي الدول العربية وإسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثم فإن أي تغير سوف يكون محصلة إرادات الأطراف الثلاثة، لا محصلة رغبة وحساب طرف أو طرفين، أي أن القضية تتوقف في شق منها على الإرادة العربية وفي قلبها الفلسطينية. ـ ضرورة التحرك العربي الفاعل من أجل وضع أجندة تعبر بوضوح عن سقف وقاع المواقف العربية وعدم التخلي عن مكونات هذه الأجندة. ـ عدم الدخول في مفاوضات سرية على غرار أوسلو، وعدم القبول باتفاقات عامة مبهمة مع ترك التنفيذ لنوايا الأطراف. ـ وقبل ذلك كله لابد من مطالبة الولايات المتحدة إعلان موقفها الحالي أمام الأمم المتحدة، والتأكيد على مبادئ حل القضية الفلسطينية وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، كما لابد من تذكير واشنطن بالمبدأ الأساسي الذي عقد بموجبه مؤتمر مدريد للسلام (1991) وهو مبدأ الأرض مقابل السلام، كذلك التذكير بالتزام أمريكا بتطبيق قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 وكل ذلك للخروج من متاهة الدوران في حلقة مفرغة عبر الوساطات والمفاوضات التي تهدف جميعها إلى الالتفاف على القرار 242 وقرارات الشرعية الدولية الأخرى. خطوة تكتيكية ب ـ وجهة النظر الثانية «الإعلان الأمريكي مجرد خطوة تكتيكية لتحقيق أهداف أمريكية حالية»: في مقابل وجهة النظر السابقة برزت وجهة نظر أخرى مغايرة يرى أصحابها أن الإعلان الرئاسي الأمريكي بشأن الدولة الفلسطينية ليس سوى خطوة تكتيكية تهدف الولايات المتحدة من ورائها إلى تحقيق عدة أهداف بعيدة كل البعد عن المصلحة الفلسطينية والعربية، بل ربما تكون ذات انعكاسات سلبية على تلك المصالح، ودعمًا لموقفهم رصد أصحاب هذا الرأي عدة مؤشرات تؤكد على عدم جدية الأطروحات الأمريكية الأخيرة. يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هناك عدة أهداف ترغب الولايات المتحدة في تحقيقها من وراء إعلانها تأييد قيام دولة فلسطينية، ولعل أهم هذه الأهداف ما يلي: 1ـ تهيئة البيئة الدولية للحرب الأمريكية ضد أفغانستان: يرى البعض أن الولايات المتحدة أرادت ألا يكون هناك أي أحداث أخرى تؤثر على حربها ضد أفغانستان، وفي هذا السياق يؤكد مراقبون أن إشارة بوش بتأييده قيام دولة فلسطينية تبدو متسقة مع الخلفية التي تدير من خلالها واشنطن ملف الإرهاب حاليًا، كما أن حض شارون المستمر على تخفيض عملياته العسكرية، والإسراع بالتفاوض مع الفلسطينيين، يتوافق مع المستجدات الحاصلة في الملف ذاته، والتي ترمى واشنطن من ورائها إلى عدم التشويش على ترتيباتها لضرب نظام طالبان وتنظيم القاعدة، وتحقيق أهدافها التالية في هذا المجال. وبناء على ما سبق وصف مراقبون الوعد الأمريكي بأنه «ضرب من ضروب الاتجار بالمخدرات» فرضته من المنظور الأمريكي والغربي عمومًا، ضرورات تشكيل تحالف ضد الإرهاب الدولي، لذلك حذر آخرون من بناء آمال كبيرة على «الكلمة التي رماها الرئيس بوش عن الدولة الفلسطينية»، لأنها جاءت في سياق تحضير «مسرح العمليات» للحرب على الإرهاب. ويتحدث بعض المراقبين عما ذكرته صحيفتا «الواشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» من أن الإعلان عن موقف واشنطن من إقامة دولة فلسطينية، جاء في وقت كانت الولايات المتحدة تحاول فيه وبصعوبة حشد تأييد أكبر عدد ممكن من الدول العربية لعملية واسعة النطاق لمكافحة الإرهاب في أعقاب الاعتداءات التي استهدفتها، وفي هذا السياق قال زالمال شوفال المستشار الدبلوماسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي «أعتقد أنه ليس من الخطأ قول أن ذلك يندرج في إطار الجهود الأمريكية لتشكيل ائتلاف يضم دولاً عربية يقال إنها معتدلة» للتصدي للإرهاب الدولي. في ضوء تلك المعلومات يرى البعض أن التحركات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تهدف واشنطن من ورائها إلى تحقيق عدة أهداف منها: ـ إشراك أكبر عدد ممكن من الدول العربية والإسلامية في حربها ضد أفغانستان لإضفاء الشرعية الإسلامية على هذه الحرب، وهي لا يمكنها المضي بهذا دون تقديم تنازلات ـ ولو كلامية ـ ترضي بها حلفاءها من الدول العربية والإسلامية. ـ استمالة الشارع العربي والإسلامي الذي ينظر إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفة استراتيجية لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين، وبالتالي فإن إقدام أمريكا على إعلان تأييدها دولة فلسطين يعني محاولة أمريكية لسحب البساط من تحت أقدام دعاة «الدفاع عن الإسلام ضد الهجمة الأمريكية الغربية» وكذلك محاولة التخفيف من الضغط الشعبي القابل للتطور والتصاعد ضد الحكومات العربية والإسلامية التي تشارك في الائتلاف الدولي. القضاء على منظمات المقاومة العربية يرى مراقبون أنه يمكن القول بأن هناك هدفًا أمريكيًا آخر وراء الإعلان عن تأييد الدولة الفلسطينية، وهو القضاء على منظمات المقاومة العربية، الفلسطينية واللبنانية، مثل تنظيمات فتح والجهاد الإسلامي وحماس، وحزب الله اللبناني وقد يكون ذلك في مقابل تفعيل إعلانها بتأييد قيام الدولة الفلسطينية. في هذا السياق يذكر محللون تفاصيل ذلك الهدف من خلال الإشارة إلى أن واشنطن ستعمل على وضع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في حال «التجميد الكامل» والسير به لاحقًا من أجل توقيع اتفاقيات تضع حدًا لاستخدام «العنف»، وتجعل من مسئولية أمريكا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، حسب اتفاقيات واي ريفر، ملاحقة كل من يستخدم «العنف» بعد ذلك، أي بعد توقيع الاتفاقيات التي قد تنتج عن تنفيذ «توصيات ميتشل»، وفي ضوء ذلك يرى هؤلاء أن الولايات المتحدة ستميز في سياستها تجاه الشرق الأوسط بين مرحلتين هما: ـ الأولى: وهي مرحلة «تجميد الصراعات» ووقف «أشكال العنف المتبادل» بين إسرائيل والفلسطينيين، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تنفيذ تقرير ميتشل الذي يبدأ بوقف العنف وينتهي بعودة المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وفي هذه المرحلة ستحرص الولايات على بقاء إسرائيل خارج التحالف الدولي، وأيضًا على إبقاء مسافة بين المواقف الأمريكية ونظيرتها الإسرائيلية. ـ الثانية: تبدأ بعد انتهاء الحرب ضد أفغانستان، حيث ستعمل واشنطن على استعادة الدور الإسرائيلي من خلال سعي الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقيات مستقبلاً بين السلطة وإسرائيل، ثم بين سوريا وإسرائيل، ولبنان وإسرائيل، وبعد هذه الاتفاقيات المطلوبة أمريكيًا في المراحل المقبلة، سيتم اعتبار أي أعمال عنف ضد إسرائيل بمنزلة إرهاب دولي تجب محاربته أمريكيا وإسرائيليًا وعربيًا. ويشير هذا الفريق إلى أن ما يدعم ما سبق هو ما أشارت إليه المصادر من أن واشنطن بعد انتهاء مهمتها في أفغانستان سوف تتفرغ لتشكيل ورسم الخريطة الجديدة في الشرق الأوسط، لأنها تعلم جيدًا أنها إذا لم تتعامل مع بعض التنظيمات الموجودة في بعض العواصم العربية، حتى ولو كانت تنظيمات مشروعة، فسوف تخلق لنفسها عدوًا جديدًا في المنطقة، كما أن الهواجس الأمنية الإسرائيلية ربما تلعب دورًا بارزًا في ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة، وربما تنجح المحاولات الإسرائيلية في وضع نهاية أمريكية لإلحاق الأذى بهذه التنظيمات. ويرى بعض أنصار هذا الاتجاه أن الإعلان الأمريكي ليس سوى «فخ أمريكي صهيوني» و «تكتيك مرحلي» الهدف منه التأسيس لحرب أهلية فلسطينية بين من يقبلون دولة ما على أرضية ربما تكون أدنى من سقف أوسلو المتدني أصلاً وبين من يرفضون ذلك.. ليكون هناك منطق يتم بموجبه إخراج المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني من الدائرة المشروعة إلى الدائرة الممنوعة والمدانة، ويضع هؤلاء سيناريو لذلك كما يلي: ـ إن الحرب الأهلية الفلسطينية ـ الهدف المراد أمريكيًا ـ ستكون بين دولة «الشرعية» الفلسطينية التي يتم الاتفاق عليها في وجه «الإرهاب» الفلسطيني، أي ملاحقة المقاومة والانتفاضة والفصائل الفلسطينية التي ترفض أوسلو، وتلك التي تدعو إلى تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، ولا شك أن الولايات المتحدة سوف تمارس ضغوطًا على السلطة الفلسطينية لقبول العرض الأمريكي، وإلا فإنه سيتم تصنيفها كيانًا إرهابيًا، بسبب حمايتها لمنظمات مثل حماس والجهاد المدرجة على قائمة الإرهاب الأمريكية. ـ سيتم تسويغ ما يقدم من أجل قبول المقترح الأمريكي على أنه فعل عقلاني مسئول، حتى لو استدعى ذلك مواجهة كل من يرفض أوسلو وينادي باستمرار الانتفاضة والمقاومة والتصدي للاحتلال الصهيوني، وسوف ينقلب هذا المنطق شيئًا فشيئًا إلى منطق وطني عقلاني موضوعي جدًا في هذه الظروف، ويسوغ مواجهة معارضيه بوصفهم متشددين وغير واقعين في المرحلة الأولى، ثم خارجين على المصلحة الفلسطينية وموالين لدول وقوى أخرى في المرحلة الثانية، ثم بوصفهم أعداء لها و «إرهابيين» وبناء على ذلك فإنهم يخرجون من دائرة الوطنية والوعي السياسي إلى دائرة العداء والإرهاب. مؤشرات أخرى ولم يكتف هذا الفريق بالإشارة إلى تلك الأهداف بل رصد أيضًا عدة مؤشرات أخرى تؤكد عدم جدية الإعلان الأمريكي، وأهم هذه المؤشرات ما يلي: 1ـ تجربة عام 1991 التي مازالت ماثلة في الأذهان: ويشير هذا الفريق إلى ما حدث أثناء حرب الخليج الثانية عندما كان الرئيس بوش الأب منهمكًا في تركيب وبناء تحالف دولي أهم ركائزه العنصر العربي، وفي تلك الأثناء أرسل الرئيس الأمريكي وزير خارجيته جيمس بيكر إلى العواصم العربية للتأكيد على أن واشنطن تقر أولاً بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأنها بناء على هذا الإقرار تعد العرب بعقد مؤتمر دولي لحسم «قضية الشرق الأوسط» فور استكمال مهمة طرد العراق من الكويت. ومع عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ثم التأكيد على صيغة «الأرض مقابل السلام» بين العرب وإسرائيل على أساس قراري 242 و 338 بما فهمه العرب على أنه يعني الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من يونيو 1967 في قطاع غزة والضفة الغربية والجولان، غير أنه قد اتضح أن «دولية» المؤتمر ليست سوى صفة احتفالية افتتاحية، حيث منع الفلسطينيون من المشاركة بوفد مستقل، ثم توالت حلقات المسلسل عبر مفاوضات المسارات لتنتهي إلى أوسلو وما بعدها وعلى طول الخط ظلت الولايات المتحدة الشريك المنحاز دائمًا لإسرائيل، إلى جانب ذلك فقد مرت الآن عشر سنوات، ولاتزال القضية الفلسطينية بدون حل، بل ضاعفت إسرائيل من مستوطنيها ومستوطناتها في الضفة الغربية وحدها بنسبة 54%، وهذا التوسع جرى في ظل المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وأيضًا في ظل اتفاق أوسلو وتوابعه. 2ـ القيود التي جاءت على الإعلان الأمريكي: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن إعلان بوش جاء به بعض القيود بما يمكن أن يفرغه من محتواه، وفي هذا الصدد يشير هؤلاء إلى أن نص الإعلان لم يؤكد صراحة تأييده قيام الدولة الفلسطينية، فإذا أخذنا ذلك الإعلان بحرفيته، فسوف نجد أن بوش اكتفى بالقول إن الدولة الفلسطينية «جزء من التصور»، وهذا يعني أن التصور الأمريكي قد يوصل إلى دولة فلسطينية. ولكنه قد يعني أيضًا أنه ربما لا يوصل إلى تلك النقطة. إلى جانب ذلك أضاف البعض أن الرئيس بوش لم يبد التزامًا قاطعًا، ولم يخض في أي تفاصيل كافية بخصوص الدولة المقترحة، بل إنه ما إن نطق بعبارة الدولة الفلسطينية حتى استدرك ليقحم خطة ميتشل كخطة أولية على طريق المسار التفاوضي صوب محطة الدولة الفلسطينية، مما يعني الدخول مرة أخرى في دوامة الوساطات والمبعوثين والابتعاد عن قرارات الشرعية الدولية التي تشكل الإطار العام الذي ينبغي التفاوض على أساسها. 3ـ تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل: لم ينس هذا الفريق الإشارة إلى تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل دانيال كيرتزر والتي جاءت لطمأنة تل أبيب واعتبرت من جانب آخر تفريغًا لمضمون إعلان الرئيس بوش، وقد جاءت تصريحات كيرتزر كما يلي: ـ لا يوجد تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. ـ إن ما قاله الرئيس بوش حول الدولة الفلسطينية، يتماشى مع ما قاله بهذا الشأن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه الذي أعرب عن «تأييده لقيام دولة فلسطينية» (على 42% من الأرض مع سيادة منقوصة). ـ إن الإدارة الأمريكية لن تطرح مبادرة للتسوية في الشرق الأوسط قبل أن تطلع عليها إسرائيل. ـ إن نشر المعلومات عن مبادرة أمريكية في صحيفتين كبيرتين «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» ليس إلا «تسريبات لمناقشة تدور لدى الإدارة، هدفها إرضاء العالم العربي وإقناعه بأن واشنطن تأخذ بكل الجدية الموضوع الفلسطيني ولا تهمله». 4ـ إن المسألة الأساسية لا تتعلق بالدولة أو شكلها ولكن بعملية الانسحاب الإسرائيلي: ويرى أنصار هذا الاتجاه أن المشكلة في الموقف الأمريكي الجديد هو أنه أقل مما يجب لأن العقدة الإسرائيلية الفلسطينية لم تكن مطلقًا متعلقة بقيام أو عدم قيام دولة فلسطينية، فحتى بنيامين نتانياهو صرح علنًا - كرئيس وزراء - بأنه لا يمانع في قيام دولة فلسطينية إذا جرى ذلك بالمواصفات الإسرائيلية، تلك المواصفات تتعلق أولاً بمضمون الدولة وثانيًا بمساحتها، ومن قبل نتانياهو كانت اتفاقية أوسلو وتوابعها قد سمحت للرئيس عرفات بأن يستخدم بالعربية صفة «الرئيس» للسلطة الفلسطينية. في ضوء تلك المعلومات يرى هذا الفريق أن المراجعة الدقيقة لتصريحات بوش تكشف أنها ليست تطورًا إيجابيًا وذلك لابتعادها عن المسألة الأساسية المطروحة من البداية، وهي مسألة: هل تنسحب إسرائيل ـ أو لا تنسحب ـ إلى حدود الرابع من يونيو 1967، فإذا انسحبت فسيصبح الفلسطينيون أحرارًا ومستقلين فعلاً وساعتها يستطيعون أن يختاروا الصيغة التي تناسبهم، والعكس صحيح إذا أعلن قيام الدولة الفلسطينية بينما الأجزاء الملموسة من الأرض لاتزال تحت الاحتلال فإن الدولة الفلسطينية في تلك الحالة ستصبح مجرد «كاريكاتير» وهو ما يناسب إسرائيل بالضبط. أخيرًا فإن هناك ملحوظة مهمة ينبغي الإشارة إليها وهي أن الموقف الأمريكي الجديد ليس «منحة أو منة» أمريكية للفلسطينيين، فقيام الدولة الفلسطينية حق يقرره الفلسطينيون كما جاء في المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ودون أن ينتقص من ذلك الأمر كون الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة، فخضوع إقليم الدولة لاحتلال دولة أخرى لا يلغي استمرار وجود هذه الدولة، وإنما يؤدي هذا الاحتلال فقط إلى وقف مباشرة السيادة، وإن الشعب الخاضع للاحتلال يكون من حقه قانونًا مقاومة الاحتلال بشتى الطرق لنيل استقلاله وإقامة دولته، وفي شأن الشعب الفلسطيني بوصفه شعبًا احتلت أرضه بالقوة المسلحة، فإنه يتمتع بجميع الحقوق المقررة في القانون الدولي وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير. إلى جانب ذلك جاءت المواثيق الدولية وقرارات الشرعية الدولية في صف الفلسطينيين وفي صالح إقامة دولتهم ويمكن الإشارة إلى ذلك فيما يلي: 1ـ اعتراف الإجماع الدولي في المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم عام 1919، وفي معاهدة لوزان عام 1923 بأن الشعب العربي الفلسطيني شأنه شأن الشعوب الأخرى التي انسلخت عن الدولة العثمانية هو شعب حر مستقل. 2ـ نص قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947 من الأمم المتحدة على أن تنشأ في فلسطين دولتان مستقلتان عربية وأخرى يهودية، بحيث حظيت الدولة اليهودية بـ 55.5% من مساحة فلسطين، في حين حظيت الدولة الفلسطينية بـ 44.5%، ولم تدخل القدس ضمن هذه المساحات، حيث خصص لها قرار التقسيم وضعية دولية تشرف عليها الأمم المتحدة. 3ـ نص القرار 2672 الصادر عن الجمعية العامة في ديسمبر عام 1970 على الاعتراف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير مصيره وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، وأيضًا نص القرار 3236 في نوفمبر 1974 على تأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون تدخل أجنبي وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنية. 4ـ تم إعلان الدولة الفلسطينية فعلاً في عام 1988، وحظيت هذه الدولة باعتراف أكثر من مئة دولة أخرى، كما أن بعض هذه الدول المعترفة أقامت علاقات قنصلية ودبلوماسية مع الدولة الفلسطينية، وفي هذا السياق فإن المعروف وفقًا لاتفاقية مونتيفيديو 1933، وبوجوتا 1948، فإن الاعتراف بالدول يجب ألا يكون مشروطًا ولا يصح التراجع عنه، إلى جانب ذلك يرى البعض أن هناك ما يفوق مجرد الإعلان عن دولة فلسطينية في التاريخ المشار إليه ومرجعيته القانونية المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة، وهو وجود هذه الدولة الجنيني في الضفة الغربية وقطاع غزة المتمثل في شبكة المؤسسات والهيئات والنقابات والتنظيمات والاتحادات، وبذلك فإن هذه الدولة الفلسطينية قائمة وفقًا للقانون الدولي وإن كانت معظم أجزائها محتلة. 5ـ بالعودة إلى تسلسل المراحل الرئيسية لتنفيذ اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 يتبين أنه كان من المفترض أن تنتهي المرحلة الانتقالية في 14مايو 1999، على أن يعقب ذلك عدة تطورات منها إعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر 1999، وهو الموعد الذي تأجل عدة مرات بسبب الضغوط الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية على الرئيس عرفات.