نظم المنبر الأردني للتنمية الاقتصادية مؤخراً حلقة نقاش تحت عنوان «ماذا بعد برنامج التصحيح الاقتصادي» شارك فيها د. محمد سعيد النابلسي المحافظ الأسبق للبنك المركزي الأردني رئيس مجلس إدارة شركة الثقة للاستثمار، ود. هيثم الحوراني المدير التنفيذي للمنبر الأردني للتنمية الاقتصادية والمستشار الاقتصادي د.يوسف منصور والاقتصادي د. محمد الصمادي والباحث الاقتصادي محمد حتاملة. وطالب د. النابلسي في كلمته بالتفكير الجدي بما يتطلبه الوضع الاقتصادي المحلي بعد الانتهاء من تطبيق برنامج التصحيح الاقتصادي في مارس المقبل. وقال انه يجب السعي لإزالة الاسباب التي تمنع الاستغناء عن برامج التصحيح، مشددا على ضرورة وضع عملية تقييم عملية شاملة للبرامج. واشار إلى انه لم يتم تقييم عملية شاملة للبرامج منذ بدء تطبيقها منذ عشر سنوات بشكل جدي باستثناء الملاحظات العابرة التي يطلقها الخبراء والمختصون في مناسبات متفرقة، وان المعنيين الان مطالبون باجراء هذا التقييم والدراسة. وشدد د. النابلسي على أن برامج التصحيح كان لها فضل كبير في مواجهة الازمة الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بالمملكة في نهاية الثمانينيات، لكنه عاد واشار إلى ان معدلات النمو السنوية للناتج المحلي الاجمالي خلال الفترة ما بين 1992 ـ 1995 كانت مرتفعة حيث بلغت 7.5% بفعل عوامل عديدة ليس من ضمنها برامج التصحيح حيث استفاد الاقتصاد الوطني خلال الفترة سابقة الذكر من عودة المغتربين من الخليج بالدرجة الاولى وليس بالاعتماد على العوامل الذاتية الكامنة في هذا الاقتصاد. وفيما يتعلق بالمجالات التي اخفق التصحيح في تحقيقها قال د. النابلسي ان من ضمنها عدم ضبط عجز الموازنة حيث تم تخفيض هذا العجز بفضل الموارد الضريبية وليس بفضل تخفيض النفقات العامة كما قال ان البرنامج اخفق في تخفيض الدين الخارجي رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها وزارة المالية لشطب الديون. وقال ان الاهتمام بميزان المدفوعات من قبل صندوق النقد الدولي كان محدودا وان هناك ضرورة إلى اعادة التركيز على تسوية اموره، في الوقت الذي توقع فيه ان ترتفع المستوردات المحلية بناء على ذلك الى حد كبير خلال العامين الحالي والمقبل بحيث ستتجاوز نمو الصادرات المحلية بمراحل خلال هذه الفترة. ودعا إلى ضرورة تبني برامج اقتصادية وطنية عقب الانتهاء من تطبيق برنامج التصحيح الاقتصادي الذي يضعه ويراقب تطبيقه صندوق النقد الدولي. معربا عن ارتياحه فيما يتعلق ببرنامج التخاصية الذي بدأت الحكومة بتطبيقه منذ عام 1997. وقال ان البرنامج يسير بخطوات ناجحة مؤكدا انه طويل الأمد. واستعرض د. النابلسي معدلات النمو للاقتصاد الوطني في السنوات الاخيرة فقال انها لم تكن ضمن النسب المقبولة وتابع انه كان يجب ألا يقل عن 5 او 6% لتكون مرضية وذلك مقارنة مع دول شرق اسيا والدول النامية الاخرى. الا أنه انتقد التقاعس في تشكيل لجنة لدراسة وبحث سبل الاستثمار لاموال مؤسسة الضمان الاجتماعي حيث يبلغ حجمها 1.5 مليار دينار بالبنوك فقط مؤكدا ان هذا المبلغ يعتبر قوة رهيبة للاستثمار ويجب استغلاله بشكل علمي ومدروس. وقال ان تشكيل اللجنة سابقة الذكر كان يجب ان يتم منذ صدور قانون الضمان الاجتماعي الجديد وقبل حوالي ثلاثة اشهر مؤكدا ان عدم تشكيلها حتى اليوم هو بطء غير مقبول «سيما وان اموال المؤسسة اكبر محرك للاستثمار في المملكة الا انه وللاسف مصاب بشلل». واشار في كلمته إلى مخاوفه في انفلات النفقات الحكومية بشكل غير مبرر وغير منطقي بعد التحرر من برامج صندوق النقد الدولي. تخفيف الأزمة من جانبه قال المدير التنفيذي للمنبر الاردني للتنمية الاقتصادية د. هيثم الحوراني في مداخلة له ان عقد هذه الحلقة الاقتصادية النقاشية يأتي في ظروف شديدة التوتر والتعقيد على الصعيد العالمي على اثر احداث 11 ايلول الماضي وتأثيرها على الاوضاع السياسية والاقتصادية في العالم وما سببته هذه الاحداث من تعميق الركود الذي يشهده الاقتصاد العالمي ويظهره هبوط مؤشرات البورصات الامريكية والاوروبية والاسيوية، وزيادة حالات اغلاق الشركات الصناعية والاستغناء عن المزيد من العاملين في شركات صناعة السيارات وتكنولوجيا المعلومات وشركات الطيران وغيرها. وقال ان هذا الوضع دفع الدول الصناعية الى توفير السيولة للاسواق المالية وتخفيض اسعار الفائدة لتحفيز تردي الاوضاع الاقتصادية مؤكدا على ضرورة ان يتحرك الاردن سريعا من اجل اتخاذ الاجراءات الاقتصادية اللازمة للتخفيف من انعكاسات هذه الاوضاع الاقتصادية الصعبة ومن اجل استنهاض الفعاليات الاقتصادية الوطنية وتنشيطها. وأضاف الحوراني ان الشأن الاقتصادي الاردني اصبح تحديا صعبا ايضا بسبب الظروف الاقليمية شديدة الاضطراب على الساحة العربية بفعل ممارسات الاحتلال الاسرائيلي والاوضاع بالغة الصعوبة التي تعيشها الضفة الغربية بما في ذلك القدس، وقطاع غزة مما يزيد من حجم المسئوليات ويحتم تقديم كل الدعم الاقتصادي والسياسي للشعب في تلك المنطقة. وقال ان السياسات الاقتصادية توجهت في الاردن منذ اوائل التسعينيات نحو الحد من الطابع التوسعي من اجل اعادة التوازن المالي والنقدي واحتواء العجز المزمن في الموازنة العامة، والسيطرة على معدلات التضخم والمحافظة على سعر صرف الدينار وتخفيض المديونية في تحديث وتطوير القوانين المالية لتنمية الايرادات المحلية وتحسين الاداء الحكومي وتنفيذ برامج التخاصية وتخفيض رصيد المديونية الخارجية كما وعمل ايضا على تحقيق مزيد من الانفتاح الاقتصادي من خلال انضمامه لمنظمة التجارة العالمية وتوقيعه العديد من الاتفاقيات التجارية مع مجموعة الدول الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية وانضمامه لمنطقة التجارة الحرة العربية بالاضافة الى العديد من الاتفاقيات الثنائية مع الدول العربية. على انه أكد في المقابل أنه ورغم كل هذه الجهود المبذولة فانه ما زال امام الاردن مسئولية كبيرة نحو مراجعة سياساته الاقتصادية التي طبقها في اطار برنامج التصحيح الاقتصادي التي كان عنوانها الاوسع التوجهات والسياسات الانكماشية على الصعيدين المالي والنقدي من اجل تحقيق الاستقرار على هذين الصعيدين. تحديد المعايير المستشار الاقتصادي د. يوسف منصور من جهته دعا في مداخلة له إلى ضرورة تحديد المعايير التي يتم على اساسها تقييم نجاح برامج التصحيح مشيرا الى انه على سبيل المثال لم يطرأ أي تحسن على الدخول السنوية للافراد في المملكة خلال فترة تطبيق البرامج. ورفض د. منصور القاء اللوم على الظروف السياسية الخارجية في سوء الاوضاع الاقتصادية المحلية، مشددا على انه يجب وضع سياسة دقيقة لمعالجة هذه الاوضاع والتركيز على كيفية تنفيذ هذه السياسة كما شدد على ضرورة دعم الصناعات التحويلية المحلية واكد على ان العملية الاقتصادية ليست فقط ادارة عجز الموازنة. أما الاقتصادي د. محمد الصمادي فقد شدد على ضرورة ان تتبنى الحكومة ما بعد برامج التصحيح الاقتصادي والهيكلي برنامجا تنمويا يهدف الى زيادة معدلات النمو الاقتصادي. في حين دعا خبير اقتصادي اخر إلى ايجاد عملية تقييم شاملة لبرنامج التصحيح تشمل السياسات وخطط العمل بناء على المؤشرات المتوفرة. علما بان الصادرات الوطنية للخارج مازالت دون الطموح كما ان البيئة الاستثمارية المحلية مازالت تحتاج الى مقومات جاذبة. وفي تعليقه على المداخلات شدد د. النابلسي على انه يجب تحديد اولويات جديدة لدعم الاقتصاد الوطني وتحسينه حيث يجب وضع موضوع النمو الاقتصادي في الصدارة. وقال يجب ان تكون برامج التصحيح الاقتصادي نابعة من حوار ديمقراطي حر ومشاركة بين الحكومة المحلية وصندوق النقد الدولي وليس ان تكون املائية. وفي رده على سؤال حول اتفاقية التجارة الحرة التي وقعها الاردن مؤخرا مع الولايات المتحدة الامريكية قال د. النابلسي انه يجب دراستها بتعميق هي والاتفاقيات الدولية الاخرى، مشيرا إلى انها عامل مهم مبدئيا لجذب الاستثمارات الخارجية وتشغيل الايدي العاملة المحلية الا انه عبر عن عدم تفهمه انها ستمنح الولايات المتحدة اكثر ما ستمنح الدول العربية. علاج الاختلالات من جانبه أشار الباحث الاقتصادي محمد حتاملة في مداخلته إلى تقرير مواز حول برنامج التصحيح الاقتصادي ونتائج تنفيذه اوضح فيه ان برنامج التصحيح لم يكن يستهدف اصلا احداث معدلات نمو عالية بل هو جاء لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الاردني، حيث يتضمن البرنامج تدابير انكماشية كان من شأنها ان تكبح النمو الاقتصادي ومن اهمها ضبط عجز الموازنة ورفع اسعار الفائدة وكبح مستويات الائتمان المصرفي. وقال رغم الاعتراف بأن هدف برنامج التصحيح هو معالجة الاختلالات الهيكلية، الاانه من جانب آخر لم يساعد على اطلاق القوى الذاتية في الاقتصاد الاردني المؤهلة لقيادة النمو، عدا عن مساهمته في اسراع انسحاب القطاع العام في الوقت الذي لم يكن القطاع الخاص الاردني قادرا على المساهمة في قيادة النمو الاقتصادي وتحمل اعباء التنمية. وأضاف ان السياسات النقدية المطبقة في ظل برنامج التصحيح الاقتصادي ساهمت في اعادة بناء احتياطي المملكة من العملات الاجنبية وبشكل فاق الحدود المستهدفة في البرنامج وقد استقر سعر صرف الدينار الاردني، الذي حافظ على سعر صرفه تجاه العملات الرئيسية تقريبا خلال سنوات البرنامج. واستعرض المؤشرات المالية العامة خلال سنوات البرنامج قال: انها تشير الى عدم قدرتها على تحقيق الارقام والنسب المستهدفة بالبرنامج والخاصة بالعجز المالي «قبل المساعدات» كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي، ففي حين سعى البرنامج الى ان يكون هذا العجز بحدود 5% في عام 1998، فقد بلغ العجز المالي قبل المساعدات في عام 98 حوالي 9.9%. وأشار إلى أن نسبة العجز في الموازنة العاملة قبل المساعدات الى الناتج المحلي الاجمالي كانت ضمن المعدلات المستهدفة في برنامج التصحيح الاقتصادي خلال سنوات البرنامج باستثناء العامين الاخيرين 97 و 98 حيث سجلت فيهما نسبة عجز الموازنة العامة ارتفاعا ملحوظا. وفيما يتعلق بالمديونية الخارجية قال ان تطور المديونية الخارجية خلال سنوات التصحيح الاقتصادي اظهر مؤشرات ايجابية على هذا الصعيد فقد انخفضت نسبة الدين العام الخارجي «المسحوبات» الى 96.7% في عام 1998 مقابل 131.1% في عام 1992، اما معدل خدمة الدين النقدية فقد انخفضت من 24.4% الى 14.1% وكذلك معدل خدمة الدين على اساس الاستحقاق حيث انخفضت من 39.5% الى 21.9% خلال الفترة من 92 ـ 98. وفي ذات السياق نوه ان انخفاض نسبة الدين الخارجي قد جاء في السنوات الاولى من عمر البرنامج بفضل معدلات النمو الاستثنائية التي حققها الناتج المحلي الاجمالي في حين حافظت هذه النسبة على مستواها تقريبا خلال الاعوام 1995 ـ 1998 باستثناء ما تأثر منها بتغير اسعار الصرف نظرا لتواضع معدلات النمو التي حققها الاقتصاد الاردني في تلك الفترة. وأشار إلى انه وبعد انقضاء سنوات البرنامج الاول، كانت النتائج لا تزال اقل من المستهدف خصوصا في ظل تواضع معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة عجز الموازنة العامة خلال الاعوام الاخيرة من عمر هذا البرنامج وتابع انه نتيجة لذلك، على تمديد اضافي لبرنامج التصحيح الاقتصادي للفترة من 1999 ـ 2001، وتضمنت اهداف البرنامج الاخير تحقيق زيادة متواصلة في معدلات النمو الاقتصادي واحتواء التضخم ضمن معدلات منخفضة وتعزيز وضع الاحتياطات الاجنبية وذلك من خلال تبني سياسة نقدية حصيفة، والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار وتخفيض عجز الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي، لافتا إلى ان مؤشرات الاقتصاد الاردني اظهرت خلال السنوات الماضية من عمر التمديد الاضافي للبرنامج، تحسن الأداء الاقتصادي في تلك الفترة مستجيبا للاصلاحات الاقتصادية التي تعيشها المنطقة. علما بأن العامين الماضيين كما قال د. الحتاملة شهدا تراجعا ملحوظا في المديونية الخارجية بفعل استخدام جزء من عائدات التخاصية في تسديد بعض الدائنين وشراء سندات البريد المضمونة لتصل الى حوالي 81% كما في نهاية عام 2000. وحول ارتفاع اسعار النفط وانخفاض عائدات التعدين وتخفيض الرسوم الجمركية وتراجع ايرادات المؤسسات العامة بسبب خصخصتها قال أن كل ذلك يعتبر من اهم العوامل التي ساهمت في عدم تخفيض عجز الموازنة العامة الى المستويات المستهدفة موضحا ان الاجراءات المتخذة من قبل الحكومة مثل رفع اسعار المشتقات النفطية بهدف تخفيض العجز في الموازنة العامة فهي لا تعتبر بديلا عن معالجة الاختلالات الهيكلية وفي مقدمتها اصلاح نظام التقاعد مع الاعتراف بأهمية المحددات التي تواجه الحكومة في سعيها الى تخفيض العجز في الموازنة العامة كأعباء الاقتراض الخارجي وضعف مرونة اغلب النفقات الجارية في المدى القصير تجاه تخفيضها.