بين اتهام ونفي، تتبادل الابتسامات والتكشيرات ايقاعاتها الراقصة على وجوه الامريكيين، منذ بدأت حرب الجمرة الخبيثة تدخل فهرس حرب الارهاب الامريكية. بدت اول الامر مثل حكاية مسائية تشبه «أمراً دبّر بليل» من اجل سوق الفعل العسكري الامريكي الى اهداف اخرى غير افغانستان التي لم يبق بها ما يقصف سوى الاجساد البشرية المدنية البريئة المنتشرة في العراء الجبلي المتعرج، وفي مساحات الجوع الاشد فتكا من السلاح الامريكي، فكانت هذه الحرب وبدأت الوكالات الاعلامية تسقط اتهامات على الدول «المارقة» واحدة بعد الاخرى، وترد ادارة البيت الابيض تارة بالتشكيك واخرى بالنفي. تردد اسم العراق اكثر من مرة في هذه الحرب، ولأكثر من مرة، وهو غير معتاد، ينفي البيت الابيض تورط هذا البلد الذي مازال منكوبا بالحصار الامريكي عليه، ثم تلتصق التهمة بابن لادن والافغان، وتعود مكاتب التحقيق الامريكية والاستخبارية للتأكيد انها «جمرة امريكية خبيثة» تلك التي تلقاها توم داشل اول مرة في رسالة «كونجرسية» مجهولة. كيف نقرأ هذا التذبذب في المواقف الامريكية وما وراءه، وما هي الدول المنتجة فعلا لهذه الجمرة، لماذا يتم تجاهل اسرائيل كمنتج رئيسي لها، وهل هي فعلا حرب بيولوجية، ام انها حبكة درامية من حبكات الـ «سي.أي.أيه» المعروفة لتسويق فعل عسكري يغطي على الاسلحة الغبية والحرب الاشد غباء؟ لماذا عدت الاسلحة البيولوجية اخطر من الاسلحة النووية وهل هناك دواعي للخوف فعلا منها، هل ينقص العالم فعلا ما يقي منها وما يضطر الى اشتداد القتال على اكثر من عشرين بلدا عدتهم امريكا «دول الاسلحة البيولوجية»، مستثنية نفسها واسرائيل وروسيا؟ ولماذا بدأ الأمر من الكونجرس.. ولم يبدأ من اي مكان اخر؟ بين شد وجذب يترنح القرار الامريكي في اصطياد فاعل مازال مجهولا لاتهامه بالجمرة الخبيثة التي باتت تحصد الامريكيين، حتى لو كانوا أفراداً وأعداداً ضئيلة اليوم. فمجرد وصول هذه البكتيريا للكونجرس الامريكي يعني بحد ذاته اختراقاً كبيراً للامن الامريكي يحدث مرة اخرى، لكن مغزاه لا يخفى، في الوقت الذي تشحذ الولايات المتحدة اسلحتها لقيادة اولى حروب القرن. لماذا انتخب هذا التوقيت بالذات لاطلاق رسائل الجمرة الخبيثة، ومن وراؤها؟ سؤال بات العالم يسأله وينتظر اجابة من أجهزة الاستخبارات الامريكية دون جدوى، وهي الاجهزة التي طالما ارعبت العالم بمخزونها الاستخباري الذي هدد الكثير من الدول واخترق الكثير من الاجهزة. بدا الامر كأن هذه الاجهزة لا تريد الرد رغم محاولاتها بين يوم وآخر ايجاد عدو محتمل لاطلاق بكتيريا من مختبرات امريكية بحته. الكثيرون رأوا في هذه «القصة اللغز» أصابع ال«سي.أي.أيه» في محاولة لتوريط العراق بأمر ارهابي لتبرير ضربة توجه له تتوق اليها ادارة بوش منذ مقدمها، فلا ننسى ان لبوش الابن ثأراً لدى العراق لكرامة ابيه. وهكذا نجد اجهزة الاعلام تطفو بقصص تطوير العراق لاسلحة جرثومية وتخيل القائمون على هذه الاجهزة الاعلامية ان أحدا سيصدق بأن العراق ارسل من عمق حصاره وفقره العسكري حتى الداخل الامريكي الذي يفترض به ان يكون مأمونا بكتيريا جمرة خبيثة، اول من طورها هم الامريكيون والبريطانيون. وعندما يفيق النائمون في اليوم التالي، تبرز وعود الادارة الامريكية للعرب بانها لن تضرب دولة عربية، فيصدر البيت الابيض نفياً وهكذا تذبذب الامر بين محاولة اتهام ومحاولة نفي، الا ان الامر لا يتوقف عند هذا الحد او ذاك، بل اختلط حتى باتت معرفة ان كانت الجمرة قد خرجت من الكونجرس ام ارسلت اليه . فظهور الجمرة الخبيثة ليس مفاجئا لامريكا، وربما كان ضمن مخطط محسوب بدقة مثل كل الاشياء التي فاجأت العالم، فلا يمكن ان يكون الامن الامريكي هشاً الى هذه الحدود، ولا يمكن ان تكون اقوى دولة في العالم وصاحبة اكبر ترسانة نووية وبيولوجية وكيمياوية قطعة من ورق تسقطها اي ريح الى أدنى الارض اوتحرقها هبة هواء لافحة. في الواقع مؤشرات كثيرة تؤكد ان الفاعل من الداخل الامريكي، وتكاد بعض الاصابع تتهم مباشرة اجهزة الامن الامريكية التي لها القدرة الفاعلة والحقيقية على الدخول الى الكونجرس والبيت الابيض والمحكمة العليا، ناهيك عن سيطرتها على مختبرات انتاج هذه الاسلحة البيولوجية. والامر لم يكن مفاجأة كما اشرنا فقد سبقته تقارير عسكرية وابحاث سرية تجاوزت كل الخطوط الحمراء، كما نجد ان هناك شركات منتجة للدواء قد هيأت مخزونا لا بأس به من عقار مضاد لبكتيريا معينة بالذات هي الجمرة الخبيثة. ومع ان الواقع امر لم يعد احد ينتبه اليه، الا اننا نجد ان التكريس الاعلامي استمر يؤجج الخوف لدى الامريكيين والاوروبيين، ويثير قلقا هنا وهناك توجهه اهداف وسياسة خفية.. لتلقي التهمة بعيدا عن امريكا وعن حليفتها اسرائيل، فكيف نقرأ ذلك؟ حقائق من هنا وهناك قبل عامين افاد محققون من الكونجرس الامريكي ان «قدرات الولايات المتحدة في الاستجابة السريعة والقوية لاي حادث ارهابي بيولوجي او كيمياوي ضعيفة بسبب سوء الادارة ونقص المواد المطلوبة». هذا التقرير ترافق مع تقرير عن ابحاث امريكا السرية على اسلحة بيولوجية بدأتها في السنوات العشر الماضية «وفق التقرير» متجاوزة الخطوط الحمراء المنصوص عليها في اتفاقيات دولية تحظر مثل هذه الاسلحة. وبين هذين التقريرين وقفت السياسة الادارية الامريكية تحاول الدفاع في الكونجرس عن ميزانية مرصودة لهذه الابحاث كان كثير من الشيوخ قد دعوا لتقليصها خوفا من خطر هذه الاسلحة المزدوج، وبات واضحا انه ينبغي «عمل شيء» وفق مستشاري البنتاجون. نفس هؤلاء المستشارين وغيرهم كانوا قد نصحوا عام 1990 ـ 1991 البنتاجون والكونجرس والادارة الامريكية معا باعطاء «كوكتيل غامض» من اللقاحات للجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية بعد ان صرحت واشنطن انها تخوض «حربين مهمتين في وقت واحد بلا حلفاء»، هذا الكوكتيل كان يتضمن لقاحات ضد عدد من الاوبئة من بينها الجمرة الخبيثة التي لم تكن معروفة في المنطقة العربية في ذلك الوقت. الشكوك ثارت عندها، كما يقول كريستين مولان في كتاب له عن مرض «لعنة حرب الخليج» وكما قال لصحيفة فيجارو الفرنسية، وخاصة حول «اللقاح ضد مرض الجمرة الخبيثة واللقاح ضد الذيفان ـ مرض عصيات ـ اللذين تم حقن الجنود بهما اثناء حرب 1991»، الغريب في الامر والمثير للشكوك هو ان الولايات المتحدة هي الوحيدة التي قامت بتلقيح «150000» مئة وخمسين الف عسكري ضد مرض الجمرة الخبيثة، وكانت وفق التقارير الطبية «لقاحات غير ملائمة بالكامل». هذه اللقاحات كانت قد سجلت رسميا لدى ادارة الغذاء والدواء الامريكية عام 1970، وهذه الادارة هي مؤسسة امريكية مكلفة بالرقابة وباعطاء الاذن بتسويق المنتوجات الزراعية والصيدلانية في الاسواق، الا اننا نجد سجلات هذه الادارة تشير انه تم منذ عام 1967 اعطاء عشرين الف حقنة لقاح ضد الجمرة لـ «اولئك المعرضين للاصابة» من العاملين في المختبرات والاطباء البيطريين والعاملين في الصناعات الصوفية ومختبرات البنتاجون. كريستين مولان يؤكد ان طبيبة امريكية اسمها «يولاندا هويت لاك» واجهت حكما بالسجن لمدة 30 شهرا لانها رفضت حقن الجنود في الخليج بمنتوجات غير مسجلة، وكانت هذه وسواها تسأل لماذا لقاح الجمرة الخبيثة، ولماذا يحقن الجنود مرتين؟ الفحوصات الطبية التي جرت على عسكريين تلقوا هذه الجرعات اكدت اصابتهم بأعراض مرض «اللعنة» المعروف لكن احدا لم يحدد اي اللقاحات من «الكوكتيل الغامض» كانت سببا، الا ان الجميع اكد انه لم «يكن هناك داع لاستعمال لقاح ضد الجمرة الخبيثة، الا اذا أرادت الادارة العسكرية الامريكية والحلفاء استخدامها في الحرب»، وربما هذا القول هو الذي اكد رجحان قول العراقيين بان اسلحة جرثومية القيت على العراق ويفسر نفوق الكثير من الماشية في الجنوب العراقي اضافة للبشر بأعراض مشابهة لما تسببه هذه الجمرة. ادلة كثيرة تشير الى ضلوع المختبرات الامريكية في حوادث من هذا النوع ويذكر على سبيل المثال ليونارد. أ.كول الكاتب في مجلة «ساينتفيك امريكان» في دراسة حول هذا الموضوع عنونها بـ «هاجس الاسلحة البيولوجية» ان البريد سبق وان استخدم في ارسال بكتيريا جرثومية، ويشير الى انه في مارس عام 1995 بعد ستة اسابيع من حادث طوكيو الذي اطلق فيه اشخاص من جماعة اوم «جماعة الحقيقة المطلقة» في اليابان غاز السارين، طلب فني في احد مختبرات اوهايو واسمه لاري هاريس، من شركة مخزون ميريلاند للطب الاحيائي بكتيريا «الطاعون الدبلي ـ bubonic plague»، والشركة مقرها دوكفيل في ميريلاند وقد ارسلت اليه ثلاث زجاجات من الجراثيم العصوية او عصيات كما هو متداول طبياً. ما يثير الانتباه ان هاريس، كان قد نفد صبره قبل وصول شحنته الجرثومية مما اثار انتباه مسئولي شركته فاتصلوا بالسلطات الفيدرالية التي وجدت فيما بعد انه عضو في منظمة تدعى بـ «السوبر ماسيست» وفي نوفمبر لنفس العام ادين بتهمة «الاحتيال في البريد» فقط واقفلت قضية الجراثيم المطلوبة. الكاتب يؤكد أن هاريس لم يعد بعدها بحاجة سوى «لبطاقة ائتمان وعنوان لكي يحصل على أكثر من شحنة»، وهنا يشير الى حادثة أخرى في دالاس بمدينة أوريجون حيث أصيب 750 رجلاً وامرأة بأعراض مرضية بعد تناولهم طعاماً في مطاعم المدينة، اتضح فيما بعد ان اعترفت قائدة مجموعة دينية تدعى «بهاجوان شري راجنيتس» بأنها لوثت مع اعضاء فرقتها الدينية اواني السلطة في اربعة مطاعم بالمدينة، وكانت قد زرعت البكتيريا التي تدعى السالمونيلا في مختبرات محلية للطائفة، سببها كان ان المدينة اثارت جدلاً حول طقوس هذه الطائفة الدينية. حوادث مثل هذه كثيرة وتجدر الاشارة الى سهولة حصول أي كان في امريكا على جراثيم مختبرية يمكن تكثيرها محلياً. ويقول تقرير لمكتب التقييم البيولوجي في واشنطن في تقريره عام 1992: «إن معظم الترسانة البيولوجية لأي جماعة يمكن أن تبنى بعشرة آلاف دولار ومعداتها لاتزيد على غرفة مساحتها 15 X 15 قدماً، بعد هذا يمكن للمرء زرع عدة تريليونات من البكتيريا دون اية تعقيدات. ويشير التقرير الى ان هذه البكتيريا تنمو بدرجة مخيفة فالعصية الواحدة منها تنشطر كل 20 دقيقة، لتعطي أكثر من مليار نسخة في عشر ساعات، وان زجاجة صغيرة من الكائنات الدقيقة هذه يمكنها ان تنتج رقماً مهولاً في اقل من اسبوع لبعض الامراض مثل الانتراكس الذي اذا ما استنشقت بضعة سنتيمترات تغطيها جرثومة تهلك عدداً كبيراً. ورغم ان قانوناً ضد الارهاب قد شرع في امريكا اثر حادثة هاريس كما تشير التقارير، والذي أكد فيه على اتخاذ تدابير مكثفة في الرقابة والسيطرة على الشحنات التي تحتوي على عناصر جرثومية معدية، إلا أن حوادث كثيرة بقيت تظهر في أمريكا دون سواها سببها الجراثيم التي صنعت في مختبراتها ولكن ليس للأمريكيين بل لسواهم. ولابد من الاشارة هنا الى ان شركات لصنع الأدوية كانت متورطة لأكثر من مرة في زرع جراثيم تستخدم كأسلحة بيولوجية خارج اطار المؤسسة العسكرية أوالسيطرة الحكومية بهدف الترويج لعقار مضاد، ومعظمها شاركت في تمويل الحملات الانتخابية، وكان لبعضها اياد خفية في اكثر من مكان في العالم، ولعل حادثة الدكتور دوتر باسون الذي سمي بطبيب الموت بأفريقيا احدها. وباسون كما هو معروف كان يرأس برنامجاً للحرب البيولوجية في جنوب أفريقيا مولته جهات عدة منها روسية ومنها أمريكية، شركات وأجهزة استخبارات، تورطت في مستنقع العنصرية هناك. أخطر من السلاح النووي قال ليونارد كول من جامعة روتجرز في نيوأرك في كتابه «الطاعون الحادي عشر.. سياسات الحرب البيولوجية والكيمياوية»: «إن أسوأ سيناريو هو هجوم بيولوجي يمكن أن يكون أكثر أنواع الهجوم فتكاً بالسكان، وهذا يحدث على الأقل نظرياً لأنه إذا أصيب أحد بميكروب متناهي الصغر فإنه يصبح سلاحاً بيولوجياً بشرياً ينقل العدوى الى الآخرين». عدت الحرب البيولوجية أخطر الحروب وارتبطت أينما وردت بالمخابرات والارهاب فهي على المدى المتوسط والطويل يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً بالنسبة لأهداف مدنية أو عسكرية، إذ من السهل جداً انتاج عناصر بيولوجية مثيرة للأمراض لا سيما وأن تقنيات الوصول الى مثل هذا الانتاج باتت معروفة وميسور الوصول الى امتلاكها. ومعنى على المدى الطويل مقرون بالتطور الكبير الذي تشهده تقنيات المورثات وما يمكن ان يترتب على ذلك في حال دخول مثل هذه التقنيات والنتائج التي وصلت اليها في مجال الاسلحة البيولوجية. ويرى الخبراء ان «عسكرة» الأسلحة البيولوجية أصعب بكثير مما هو بالنسبة للأسلحة الكيمياوية، وذلك ضمن المقياس الذي لا تمتلك فيه العناصر البيولوجية قدرة كبيرة على المقاومة بواقع انها حية، والمقصود مقاومة للصدمات الحرارية الكبيرة أو حتى الاشعاعات فوق البنفسجية، إلا أن هناك سهولة كبيرة في استخدام الاسلحة البيولوجية على صُعُد أخرى، لقد أسماه الخبراء بـ «سلاح الفقراء النووي» لسهولة انتاجه والحصول عليه مقارنة بالسلاحين النووي والكيمياوي. ويعتبر السلاح البيولوجي أو الجرثومي سلاحاً فريداً بين أسلحة الدمار الشامل وفق مصادر كثيرة، لاستخدامه كائنات عضوية حية ولذا يعد سلاحاً خطيراً من الناحية العسكرية إذ أن عناصره الحية لا يمكن توقع تطورها أو السيطرة عليها بمجرد اطلاقها. تستخدم الاسلحة البيولوجية البكتيريا والفيروسات والفطريات والكائنات العضوية المجهرية الدقيقة التي يمكن أن تسبب الوفاة أو أمراضاً في الجسم وقد تصيب بعض العناصر البيولوجية جسم الإنسان بمرض شديد دون أن تؤدي الى وفاته بالضرورة، وهناك أمراض كثيرة متسببة من هذه البيولوجيات تجد لها أمصالاً وعلاجاً أو لا تجد إلا أن الخبراء يواجهون مشكلة تغير الجينات الوراثية لهذه الجراثيم أو الأحياء المجهرية مما يضع أمامهم تحديات في كل مرة، فقد تتفوق قدرتها على الصمود على قدرة المضادات الحيوية لها. وطفا الانتراكس أو ما يعرف بـ «الجمرة الخبيثة» على السطح الآن باعتباره واحداً من أخطر الأسلحة البيولوجية بعد اكتشاف اكثر من 50 حالة حتى الآن، ويتوقع المزيد من بكتيريا هذا المرض التي تتخذ شكل المحارة وتسمى بالجرثومة المتحوصلة. والفزع الحالي من استخدام الأسلحة البيولوجية مبرر فيما أثبتته مئات التجارب التي أجراها الجيش الأمريكي والتي أطلق خلالها بكتيريا وجزيئات كيمياوية. وأكدت امكانية نشر تلك العناصر بطرق غير تفجيرية في مترو نيويورك وفي مناطق مأهولة بالولايات المتحدة مع ملاحظة أن البكتيريا والجزيئات التي استخدمت في التجارب لم تكن على درجة خطورة البكتيريا والجزيئات الحقيقية. وذلك يعني فيما يعنيه أن أي منظمة ارهابية أو جماعة معادية يمكن أن تطلق الكائنات العضوية هذه والمسببة لأمراض فتاكة باستخدام تقنيات بسيطة للغاية. وتعتبر الحماية الكاملة من الهجوم البيولوجي والكيمياوي مستحيلة ما عدا بعض الخطوات لحماية بدنية أو تطهير الثياب والمواد الملوثة. وعدت الأسلحة البيولوجية الأخطر اذا ما استخدمت في الحروب فهي حرب لا يملكون مفاتيحها أو وسائل كسبها، ويمكن كما أشرنا استخدامها من قبل أي جماعة حتى لو كانت صغيرة حيث أن تصنيعها لا يحتاج إلى امكانيات باهظة سواء من الناحية المادية أو التقنية، وفي حجرة صغيرة لن يستغرق انتاجها وقتاً طويلاً بل ساعات معدودة وتجد جيشاً من الجراثيم لا حصر لعدده. وقد ذكر كتاب منظمة معاهدة شمال الأطلسي ان هناك 39 نوعاً يمكن استخدامه كسلاح بيولوجي وتشمل البكتيريا، الفيروسات، الريكتسيا، والسموم، وبعض هذه الأسلحة مثل الانتراكس يكفي استنشاقه واحد من المليون منها لقتل انسان ضخم الجثة. ويدخل علم الهندسة الوراثية والبيولوجية الجزئية والمناعة في هندسة بعض الكائنات وراثياً بحيث لا يؤثر فيها التطعيم الا الذي يتم تحضيره بناء على الموروث الجيني للكائنات العادية وليست المهندسة وراثياً، وكذلك الحال بالنسبة للمضادات الحيوية بحيث لا تؤثر في هذا الميكروب الجديد. وتشير التقارير الى ان أكثر من 15 فيروساً جديداً قد ظهرت في الخمسة وعشرين عاماً الأخيرة بعضها عاد بعد اختفائه وبعضها جديد تماماً، أعطى الفرصة لاستخدامها كسلاح بيولوجي مثل فيروسات ايبولا، هانتا، حمى اللاسا، ماد بورج وغيرها. ونجد أن الولايات المتحدة وفق صحيفة «نيويورك تايمز» طوّرت خلال السنوات الماضية برنامجاً للأبحاث السرية الخاصة بالأسلحة البيولوجية رغم توقيعها عام 1972 اتفاقية الحظر على تطوير أو الحصول على أسلحة الحرب البيولوجية، وتذكر الصحيفة ان مسئولين حكوميين أكدوا أن الأبحاث السرية تشبه الى حد كبير الخطوات الرئيسية التي تتخذها دولة أو جماعة ارهابية لإنشاء ترسانة من الأسلحة البيولوجية والهدف منها، وفق ادعاء المسئولين، تفهم هذا التهديد بدرجة كبيرة ومعرفة كيفية التعامل معه وقت حدوثه. المثير في الموضوع ان هذه التجارب لـ «مجموعة تشابه مجموعة ارهابية تبني ترسانة أسلحة بيولوجية» قد بدأ في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون وتبنته ادارة الرئيس الحالي جورج بوش وكانت تعتزم التوسع فيه. ونجد ان تقرير الصحيفة الأمريكية اشار الى ان البرنامج قد صمم تجربة لتقييم مدى فاعلية لقاح يحقن به ملايين الجنود الأمريكيين حالياً ضد الانتراكس وكان متوقعاً ان يعطي مجلس الأمن القومي الأمريكي موافقته النهائية في شهر سبتمبر قبل حدوث الانفجارات في نيويورك وواشنطن، وتجدر الاشارة الى ان تجربة حقن الجنود بدأت مطلع سبتمبر الماضي بمعنى قبل (11)سبتمبر بعشرة أيام فقط، وكانت هناك آليات لانتاج أسلحة جرثومية يختبر عليها اللقاح. ولا يعلم أحد ان كانت قد أطلقت فعلاً بشكل سري وهي التي سببت هذا الهلع أم لا؟