من المؤكد انه لابد لقاريء الكتاب الذي نناقشه هنا من التوقف طويلاً عند اختلاف موقف الولايات المتحدة الأمريكية وموقف بريطانيا من القرار الايراني بتأميم شركة النفط الأنجلو إيرانية ومنشآتها في عبدان. ففي الوقت الذي أصرت بريطانيا على رفض التأميم رفضاً تاماً، كان الأمريكيون ينصحون حكام بريطانيا باتخاذ موقف أكثر ليونة تشبها بما عقدته شركة أرامكو الامريكية من اتفاق مع السعوديين على أساس المشاركة مناصفة في عوائد النفط. ويلخص أوليفر فرانكس، سفير بريطانيا في واشنطن آنذاك، نقاط الخلاف بين لندن وواشنطن فيقول ان الامريكيين كانوا يعتقدون ان مستقبل إيران مظلم، وان الأمر يستحق تضحية مالية لمواجهة هذه القضية المشتركة، وكانت واشنطن على استعداد لتأييد أي حل لصالح ايران لتحاشي حالة عدم الاستقرار. وكانت مشاعر القلق التي انتابت واشنطن ناشئة عن مشكلات الحرب الباردة والخوف من احتمال ان يتحول دكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الايراني نحو الاتحاد السوفييتي. غير ان لندن كانت تعتقد أنهم جميعاً ضحية استغلال مصدق. واصر اوليفر فرانكس على أن بريطانيا لن تتنازل عن موقفها، وان بلاده واجهت «ابتزاز» مصدق بهدوء اعصاب، بينما اتخذت واشنطن موقفاً «محذراً». إفلاس بريطانيا يضمن المؤلف كتابه فقرات مما ذكره السفير البريطاني في واشنطن، واصفاً إياها بأنها عبارات فظة، تكشف حقائق افلاس بريطانيا الاقتصادي ، يقول السفير البريطاني: «ان اساس التفكير البريطاني في مسألة النفط هو ان البريطانيين يجب ان يضعوا ايديهم على جميع أو معظم النفط الايراني، وتلك مسألة تتصل تماماً بالأصول المادية، ونتيجة ذلك هي انه ينبغي على المملكة المتحدة ان تضع يدها على جميع أو معظم النفط الذي تنتجه صناعة النفط الايرانية. وكانت بريطانيا مستعدة لبيع جزء من هذا النفط لايران ولكن ذلك لن يتم بالدولار الامريكي لانه سوف يتسبب في متاعب لا قبل للاقتصاد البريطاني بها. وكانت شركة النفط الانجلو إيرانية تريد سعراً للنفط يحقق لها ربحا كبيراً في حدود المعقول. واكد فرانكس على ان سيطرة بريطانيا على النفط تجعلها تذهب الى ابعد الحدود لضمانها. وهكذا كانت واشنطن تنظر الى ايران من منظور الحرب الباردة، بينما نظرت لندن اليها باعتبارها قضية امبراطورية وتتعلق بالجنية الاسترليني. وذكر ايدن اتشيسون في رده على الموقف البريطاني ان هذا الموقف يبدو وكأنه يتعامل مع دولة بعيدة جداً عن الاتحاد السوفييتي، وكان يرى ان ايران موقع سييء جداً، على حد وصفه، ذلك لانه كان يخشى من نشاط حزب تودة الموالي للشيوعيين. وعلى الرغم من ان ايدن نفسه لم يعلق كثيراً على هذا اللرأي إلا أن لندن كانت على علم بتفكير الساسة الامريكيين، ولذلك كانت السياسة البريطانية بخصوص ايران تحاول ان تبدو وكأنها تعمل على احتواء السوفييت أكثر من كونها محاولة لانقاذ الاقتصاد البريطاني. وحانت الفرصة في يوليو 1952 لتأكيد ذلك اذ تناولت تحليلات المسئولين البريطانيين في طهران جهوداً يبذلها حزب تودة لتشديد قبضته، وقد أفادت هذه التحليلات ان عملاء للحزب خططوا بالفعل لإزالة جميع صور الشاه من واجهات المحال من دون ان تتعرض لهم سلطات الامن، وقد اعتبروا ضغوط الحزب على حكومة مصدق «بروفة اخيرة للعرض الحقيقي» وهو انقلاب تتم فيه الإطاحة بالشاه ومصدق والدستور ويستولى الشيوعيون على الحكم. وقد قال احد اعضاء السفارة البريطانية محذراً: «اعتقد ان هناك خطرا داهما يتمثل في إمكان قيام حزب توده بانقلاب ناجح، فالمسرح مهيأ لذلك من الآن فصاعداً». وكان الرد الواضح الذي اقترحه المسئولون البريطانيون هو تدبير انقلاب موالٍ لبريطانيا على يد العسكريين الايرانيين، ولكنهم حذروا بشدة من ان استخدام العسكريين في الانقلاب قد يكون مخاطرة خطيرة، اذ كان الشيوعيون قد تسللوا الى الجيش، وخاصة في صفوف الضباط ذوي الرتب الدنيا. وقد جمعت عناصر المخابرات الامريكية مؤشرات مماثلة، واكدوا على امكانية التحول الى الشيوعية. وفي 12 يونيو 1952 حذر رئيس اركان الجيش الايراني ضباطه من احتمال حدوث انقلاب يقوم به حزب توده، ولكنه اشار الى ان القيام بهجوم مضاد ضد الحزب امر «خطير جداً» . ويقول اولدريتش ان الشاه الضعيف والمتردد أصبح مقتنعاً بضرورة عزل مصدق، ولكنه لم يكن متأكدا من كيفية القيام بذلك وتوقيته، وذهب الى حد أنه اتصل بالسفير الامريكي لوي هندرسون ليتأكد من موقف الولايات المتحدة من استبدال مصدق. واظهر السفير الامريكي رد فعل افضل يتلخص في ان المخابرات الامريكية تضغط من اجل امداد الشاه بطائرات نفاثة متقدمة لتقوية مركزه داخليا على الرغم من انه لم يكن هناك مبرر لهذه الطائرات من وجهة النظر العسكرية. ولكن المراقبين كانوا يشعرون بالتشاؤم، وتوصل ضباط الجيش الامريكي في طهران الى نتيجة مؤداها انه حتى لو أمكن تشجيع كبار الضباط الايرانيين على الانقلاب على مصدق، فلن يستطيعوا تنفيذ الخطط التفصيلية الضرورية للإطاحة به من دون تسرب هذه الخطط. وفضلا عن ذلك لم تكن لندن تأمل كثيراً في إقناع البيت الابيض بمساندتها في انقلاب يقع في تلك السنة. وكان مصدق قد قام بعدة زيارات لواشنطن، ولقى تعاطفاً من ترومان. العملية بوت على الرغم من تكليف مونتي وودهاوس ضابط المخابرات البريطانية باعداد خطط لاسقاط مصدق، كان العديد من زملائه الضباط متشائمين بمن فيهم روبين زهنر خبير بريطانيا السري في إيران، وهو أقدم من خدمها. ومع ان حكومة مصدق الائتلافية عانت من الانشقاق، فإن الشاه لم يكن يتمتع إلا بتأييد شعبي محدود للغاية، بل كان هو نفسه يخشى من تآمر البريطانيين عليه. وفي اوائل عام 1953 اجتمع وودهاوس مع إيردن في وزارة الخارجية في لندن، وطلب ان يحضر الاجتماع زهنر الذي كان قد غادر ايران قبل وودهاوس بأسابيع. واصيب وودهاوس بالإحباط عندما قدم زهنر عرضا انهزاميا لإمكانيات احداث انشقاق لصالح الغرب في ايران. وعلى الرغم من رغبة مسئولي وزارة الخارجية البريطانية في وقف هذه العملية ظل إيدن مصراً على رأيه، تاركاً نافذة أمل واحدة، اذ قال لهم ان العملية لا أمل في نجاحها من دون دعم وكالة المخابرات المركزية الامريكية.. واعتبر وودهاوس كلماته تلك بمثابة تصريح بالاستمرار في بحث الفكرة مع الامريكيين. وبدهاء شديد أراد وودهاوس ان يبعد عن ذهن الامريكيين انه يحاول استغلالهم لخدمة هدف بريطانيا، بل اخذ يركز على وجود خطر شيوعي بتهديد ايران بدلاً من حاجة بريطانيا الى استعادة سيطرتها على صناعة النفط. ويقر ضابط المخابرات البريطانية انه حاول اقناع الامريكيين بانه حتى لو تمت تسوية النزاع حول النفط بالمفاوضات مع مصدق، فإنه يظل عاجزاً عن قاومة انقلاب يقوم به حزب تودة، إذ حظي بدعم سوفييتي، ولذلك فلابد من عزل مصدق. ويذكر وودهاوس ان الخطة التي حملها معه الى واشنطن كانت تحمل اسما واضح الدلالة وهو «العملية بوت» اي «العملية الحذاء» واوضح الضابط البريطاني للامريكيين انه إذا نجح الانقلاب فيجب اتباعه على الفور ببرنامج اصلاحات قوي، وكذلك اوضح ان الانقلابات مكلفة، بالطبع، اذ يجب دفع اموال لعناصر كثيرة. واشارت تقديراته الى الحاجة الى نصف مليون جنيه على الأقل بالاضافة الى مبلغ العشرة آلاف جنيه استرليني الذي كان يتم دفعه شهرياً بانتظام للأخوين رشيديان العميلين الرئيسيين لجهاز المخابرات السرية البريطانية في إيران. وفي 4 ابريل 1953 وافق ألن دالاس مدير المخابرات الامريكية على تخصيص مبلغ مليون دولار لاستخدامه «بأية طريقة تؤدي الى اسقاط مصدق». ولم يضع ألن دالاس وقتا طويلاً، إذ ما لبث في أقل من شهر ان ارسل في 13 مايو ضابطا من المخابرات الامريكية خبيراً بالشرق الاوسط، واسمه دونالد ويلبر الى نورمان داربشاير في القيادة الاقليمية للمخابرات السرية البريطانية في نيقوسيا بجزيرة قبرص، وكان هذا الضابط قد قضى السنوات القليلة السابقة في إيران. وبدأ الاثنان في وضع خطط مفصلة، وانضم اليهما من حين لآخر رئيس محطة قبرص جون كولينز. وكانت عملية وضع الخطط محرجة لسببين: الاول هو ان كلا من جهاز المخابرات البريطانية والـ «سي آي إيه» كان حريصا على ألا يكشف للآخر عن أفضل ما لديه من عناصر في ايران.. والسبب الثاني هو ان الخطة يجب ان تكون في شكل اتفاقية تحدد ما يمكن عمله، ومن الذي سيقوم بالعمل، وكم من المبالغ سوف تدفع كرشاو من قبل كل طرف. ومع ذلك فقد تم تبادل معلومات مفيدة بين الطرفين. وكشفت المخابرات البريطانية عن انها تقوم باتصالات مع اهم عملائها في إيران: الأخوين رشيديان، عبر اجهزة اللاسلكي ثلاث مرات كل أسبوع. وعندئذ حذرت الـ «سي آي إيه» البريطانيين من ان بعثة المساعدات العسكرية الامريكية في إيران امدت الايرانيين بمعدات لتحديد الاتجاهات تستطيع تجديد مواقع الاتصالات اللاسلكية. وقد أدى وصول ادارة الرئيس ايزنهاور الى الحكم عام 1953 الى اعطاء دفعة أكبر للعمل. وفي 25 يونيو من العام نفسه اعطى جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكي موافقته على اتخاذ الترتيبات اللازمة للإطاحة بمصدق واصفا اياه «بالرجل المجنون» في اجتماع ضم الن دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية وكرميت روزفلت وهو أحد كبار خبراء الوكالة في شئون الشرق الاوسط وكان يعمل قبل مدة قصيرة في القاهرة. وابدت المخابرات السرية البريطانية والـ «سي آي ايه» اهتماما كبيراً بالشاه الشاب الذي يعتبر الملك من الناحية الدستورية ويتمتع بسلطات واسعة، وكل ما عليه هو ان يقوم ببساطة بعزل مصدق وتعيين شخصية اخرى مطيعة، وكان رجال المخابرات يأملون في ان يعهد برئاسة الحكومة الى الجنرال فضل الله زاهد الذي تولى قيادة الشرطة مرتين من قبل. وفي الوقت نفسه كانت المخابرات البريطانية والامريكية تحاول تجنيد عناصر محلية تستطيع حشد تأييد شعبي ملائم في الشوارع لعملية التغيير. وكان الشاه هو الشخصية المحورية في خطة المخابرات الامريكية والبريطانية غير انه كان جبانا من الطراز الاول، كما يصفه المؤلف. وقد ورد في تقارير الـ «سي آي ايه» ان الشاه يحتاج الى اعداد خاص لكي يلعب دوره ذلك لان مخلوقاً عاجزاً عن اتخاذ القرارات مسكونا بالوساوس والمخاوف يجب دفعه لكي يؤدي دوره». وقد تم ارسال فيض لا نهاية له من المبعوثين الى الشاه في محاولات عقيمة لبث الشجاعة في نفسه، وفي النهاية لجأ المتآمرون الى الاستعانة بالأميرة اشرف، أخت الشاه التوأم التي تتمتع بالدهاء، والشجاعة لتحكم قبضتها عليه وتحاول ازالة ما أسموه «الخوف المرضي» لديه من «يد بريطانيا الخفية» وقد نجحت الاميرة اشرف نجاحاً جزئيا فقط، واطلقت عليه المخابرات الامريكية اسم التدليل الساخر: «عضو الكشافة». التلاعب الوحشي بالشارع كان رئيس محطة المخابرات الامريكية في طهران، والذي عمل فيها اكثر من خمس سنوات، مقتنعاً بفشل الخطة ولكن ألن دالاس مدير المخابرات قضى على مصدر المقاومة هذا بإسناد العملية الى كرميت روزفلت. وفي 11 يوليو 1953 اعطى ايزنهاور الضوء الأخضر الاخير وقام روزفلت برحلة برية هائلة من دمشق الى طهران حاملا معه ما يساوي 100 الف دولار من العملية الايرانية في هيئة عملات ورقية صغيرة لاستخدامها في توظيف جمهور ينطلق الى الشوارع تأييداً لرئيس الوزراء الجديد. ويكشف ما كتبه ويلبر عن الاسرار الداخلية للانقلاب ان مرؤوسي روزفلت في وكالة المخابرات المركزية قاموا بشن حملة من التفجيرات نفذها إيرانيون تظاهروا بأنهم اعضاء في الحزب الشيوعي الايراني، كذلك قاموا بزرع رسوم الكاريكاتير والمقالات في الصحف. ولم يكن كرميت روزفلت يتوقع النجاح. ويذكر المؤلف المفارقة الساخرة بين الاشخاص الذين استأجرهم روزفلت لقيادة المظاهرات في الشوارع والذين يصفهم بأنهم بشعون، وبين اسماء التدليل التي اطلقها عليهم مثل «الولد الضاحك» و«الموسيقار المجنون»!! ويروي المؤلف ان الشاه كان متوترا وانتابته الشكوك فيما اذا كان روزفلت والرجال الآخرون العاملون ضمن الخطة قد حصلوا على دعم كامل من حكوماتهم، ولذلك فقد كان لابد من اتخاذ ترتيبات اكثر. وحتى يقدم روزفلت دليلاً ملموسا على دعم المستويات العليا له، اخبر الشاه بعبارات معينة سوف يستخدمها تشرشل وأيزنهاور خلال الساعات الاربع والعشرين المقبلة في كلمات تبث من إذاعة بي بي سي البريطانية الموجهة باللغة الفارسية، الامر الذي حدث بالفعل. وصادف الانقلاب بداية سيئة، ففي منتصف شهر اغسطس اعلن حزب توده تأييده لمصدق وتأجلت خطة الانقلاب في الشوارع لان الشاه تردد في توقيع قرار عزل رئيس الوزراء، وهرب الشاه إلى بغداد ثم إلى روما، واختبأ رئيس وزرائه الجديد المرشح الذي كان مكروها، ولكن على عكس كل توقعات روزفلت قام الايرانيون العاملون لحساب المخابرات الامريكية باطلاق مظاهرات في يوم 19 اغسطس في طهران مؤيدة للشاه وحولوها إلى البرلمان ونحو مكاتب الشخصيات الرئيسية المؤيدة لمصدق. وطوال الايام القليلة التالية تحول ذلك المد بدعم من وكالة المخابرات المركزية الامريكية وجهاز المخابرات السرية البريطانية واصبحت له اليد العليا في قتال الشوارع الضاري. وقتل ثلاثمائة شخص، وبلغ القتال ذروته في معركة بالدبابات بالقرب من بيت مصدق. وعندما انتهى القتال تحرك الشاه منتصرا من روما إلى بغداد ومنها إلى طهران، وعلى الفور رفعت وكالة المخابرات المركزية الامريكية خمسة ملايين دولار لمساعدته على تعزيز سلطته. وطار كرميت روزفلت من طهران في 25 اغسطس 1953 ليلقى استقبالا حارا في لندن. رؤوس على صحون مع ذلك لم تكن عملية ايران بلا ثمن اذ اصبح ابرام اتفاقيات النفط الايراني يتم بالكامل عن طريق التفاوض. وقد وصل إلى طهران هربرت هوفر جونيور نائب جون فوستر دالاس لكي يقدم المساعدة، وحققت الشركات الامريكية الكبرى وجودا بارزا لها في ايران مثل شركات جيرسي وسوكوني وتكساس وسوكال. اما شركة النفط الانجلو ايرانية فقد تغير اسمها واصبح (شركة البترول البريطانية ) «بريتيش بتروليوم» واصبحت تمتلك 40% فقط من نصيبها السابق ومنحت مبلغ 34 مليون جنيه استرليني على مراحل كتعويض. ويرى المؤلف ان عودة الشاه لم تكن ذات قيمة بالنسبة للمواطن الايراني العادي. وفي نوفمبر 1958 قام شيرمان كنت مساعد مدير السي.آي.إيه بفحص التقديرات الوطنية وراجع بنفسه النمو الايراني منذ الانقلاب وذكر ان الامور لا تزال تعاني من حالة عدم استقرار مخيفة. واهتم آلن دالاس اهتماما بالغاً بتحذير كنت وارسل تقريره إلى البيت الابيض. وفجأة ومن دون توقع تحول الشاه إلى ضابط صارم عادي وسادت حالة من عدم الرضا واسع النطاق من الطريقة التي جمع بها كل السلطات في يده شخصيا والقهر الذي مارسه ضد كل اجنحة المعارضة. وبلغ الاستياء ذروته من استمرار الاحوال الاقتصادية شبه الاقطاعية والظروف الاجتماعية والافتقار إلى نتائج ملموسة من انفاق عائدات النفط. ووجدت وكالة المخابرات الامريكية صعوبة في مراقبة قوى المعارضة التي تعرضت لقهر شديد، ولكن الوكالة كانت تعلم انها تتنامى وعلى الرغم من محاولات السي.آي.إيه للضغط على الشاه ليتجه صوب الليبرالية فقد ظل ذلك امرا تحوم حوله الشكوك. واذعن اخيرا في عام 1958 واخذ يعقد مؤتمرات صحفية وانتهز الفرصة ليعلن عن برنامجه الخاص به للاصلاح. وافادت وكالة المخابرات المركزية الامريكية ان الشاه قرر ان يجعل من مسئولي الحكومة الفاسدين امثولة، وانه امر بأن يأتوا اليه « برؤوس ثلاثة من المذنبين على صحن كل شهر» . ويذكر مؤلف الكتاب ان شيرمان كتب مساعد مدير وكالة المخابرات الامريكية لم يستطع ان يفهم كيف يستطيع منهج الشاه الاصلاحي الصارم التغلب على المقاومة الضارية التي تبديها الشرائح الاجتماعية صاحبة الامتيازات، وانتهى كنت إلى احتمال قيام حركة ضد الشاه خلال الاثنى عشر شهرا التالية. الدب و «السافاك» اما جورج يونج مدير فرع الشرق الاوسط للمخابرات السرية البريطانية، فقد كان يمقت الامريكيين والليبراليين، وقد توصل إلى معرفة طبيعة نظام الشاه الجديد معرفة تامة في مذكراته. ففي عام 1955 التقى يونج بالشاه لاول مرة، وقال له الشاه انه بعد الحرب حاول ان يكون ملكا دستوريا بتشجيع من السفيرين البريطاني والامريكي، وكانت النتيجة ان انتهى به ذلك إلى الهرب إلى روما ومعه حفنة من الليرات، بينما تم اعلان الجمهورية في طهران. وقال الشاه ليونج ايضا انه سئم من الديمقراطية وانه لجأ الآن إلى «حكم نفسه» وقال له: «ان تعرضي لاطلاق الرصاص ممن يريدون اغتيالي جزء من عملي»، وذلك على الرغم من انه كان يؤمن ايضا بضرورة اتخاذ اجراءات مضادة. ويروى الكتاب ان فريقا من خمسة امريكيين وصل إلى طهران لتدريب اعضاء في جهاز الشاه الامني الصارم الذي يحمل اسم «السافاك». وقيل ان اول رئيس لجهاز الشاه الامني كان يستخدم دباً برياً في استجواب الطلاب المشاغبين. ولم تفلح اعادة الشاه إلى الحكم في انهاء المشاحنات حول النفط في ايران. وفي مارس 1954 كانت مجموعة عمل من مجلس تنسيق العمليات تحاول ابداء رأيها في المأزق الناشيء بين شركة بريتيش بتروليوم وشركات النفط الامريكية بشأن الخلاف حول التعويضات الايرانية. وبعد ذلك يتطرق المؤلف إلى ان اليد الخفية التي كان الشاه يخشاها لم تستخدم فقط في الاطاحة بقادة ازعجوا السياسة الغربية، بل استخدمت ايضا لدعم قادة مفضلين. ويزعم المؤلف ان جمال عبدالناصر كان ابرز شخصية سعت وكالة المخابرات المركزية الامريكية إلى مصادقتها في اوائل الخمسينيات، كما يزعم ان همزة الوصل في مصر بين الولايات المتحدة والضباط المصريين تطورت على يد محطة الوكالة المحلية برئاسة جيمس ايكلبرجر. وفي باقي رحلتنا مع الكتاب سوف نرى إلى أين تذهب بنا هذه المزاعم.