يبدو أن الحماس الجماهيري داخل الولايات المتحدة إزاء الحملة الحالية ضد الارهاب الدولي بدأ في التراجع الان وعلى استحياء بينما لا يزال الدخان يتصاعد دون توقف من حطام مركز التجارة العالمي بنيويورك والذي تم تدميره في هجوم انتحاري غير مسبوق في الحادي عشر من سبتمبر الماضي. فقد بدأ هذا الحماس لحملة الحكومة الموجهة ضد الارهاب ينحسر والشعب لم يشهد بعد أية انتصارات ولا يزال أسامة بن لادن مطلق السراح، والكساد يلوح في الافق، والولايات المتحدة تعاني تحت وطأة الهجوم الجرثومي واحتمال تجدد الاعمال الارهابية. ويتعين الآن على إدارة الرئيس جورج دبليو بوش أن تواجه انتقادات شتى من الكونجرس ووسائل الاعلام، كانت منذ أسابيع قليلة بعيدة عن الاذهان. ولا شك أن «الجبهة الداخلية» تؤيد الرئيس بصلابة بنسبة تجاوز 80 في المئة، وحيا آلاف المشجعين بوش الثلاثاء الماضي بالنشيد الوطني الامريكي والذي أصبح أنشودة شعبية حيث قذف بأول كرة في مباراة للبيسبول أقيمت في نيويورك في الاسبوع الجاري لتنطلق معها فعاليات تلك المسابقة التي تحظى بشعبية طاغية على مستوى البلاد. وارتدى بوش سترة شتوية داكنة وواقية للرصاص بينما كانت المقاتلات الامريكية تحلق فوق سماء الاستاد الذي اكتظ كذلك بعشرات الالاف من قوات مكافحة الشغب والقوات الخاصة لحراسة الرئيس الامريكي تحسبا لوقوع هجوم انتحاري جديد. بينما تم نقل نائبه ديك تشيني مرة أخرى إلى مكان آمن. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى حدوث أول الشروخ في إيمان الامريكيين بقدرة حكومتهم على ضمان سلامتهم وتعقب أولئك الذين كانوا وراء هجمات 11 سبتمبر الماضي. تقول صحيفة «نيويورك تايمز» «بعد مرور ستة أسابيع لم يحاول فيها الشعب انتقاد أوجه رد فعل الحكومة، ظهرت موجات استياء إزاء كيفية رد الحكومة على الارهاب الداخلي وكيفية قيادتها للحرب». وأوهنت الانذارات الغامضة التي أصدرتها المباحث الفدرالية «إف.بي.آي» من عزيمة الشعب خلال الايام الاولى من خريف قارس البرودة في بقارة أمريكا الشمالية فما بالك بالشتاء.كما أضفت مزيدا من الكآبة والضيق على الشعب لانها لم توضح لهم كيفية حماية أنفسهم. وبدأ البعض يتجنب الذهاب إلى مراكز التسوق الكبيرة بل حتى فتح صناديق البريد الخاصة. في الوقت نفسه، تم إعلان وفاة موظفة من أصل فيتنامي في نيويورك نتيجة الاصابة بداء الجمرة الرئوية وهي أخطر أنواع الانثراكس على وجه الاطلاق. وهي حالة الوفاة الرابعة في البلاد بسبب داء الجمرة الخبيثة التي تم اكتشاف أول حالاته المميتة عقب مرور قرابة شهر على أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وإذا كان الرأي العام قد اهتز قليلا، فبعض المعلّقين في وسائل الاعلام أبدوا اعتراضات شديدة ليطلقوا مرة أخرى مستوى من النقد بدا غيابه المؤقت مخيفا. فمنذ أسابيع قليلة من منع معلّق ساخر بالتلفزيون من الظهور على الهواء مباشرة مؤقتا بسبب ما اعتبر تعليقا وقحا من جانبه على الحملة العسكرية الامريكية. وبعد أن نصح سكرتير صحفي بالبيت الابيض الناس بأن عليهم منذ الآن فصاعدا «أن يحترسوا فيما يقولون»، ظهر من جديد سيل من الانتقادات والمخاوف التي وضعت الديمقراطية التعددية في نصابها من جديد في بلد يعتبر حرية الرأي من أعظم المقدسات. وفي الاسبوع الماضي صوّرت وسائل الاعلام العملية العسكرية الامريكية على أنها «حرب فيتنام الثانية: ورطة تزداد وتتعمق»، حسبما علّقت صحيفة «كليفلاند بلين» اليومية بولاية أوهايو وسط غربي البلاد.وذكّرت بنداءات بوش المتكررة «المملّة» للتذرع بالصبر. وعنونت مقالتها الافتتاحية «هل لا نزال على الطريق»، مستخدمة الشكوى الابدية للاطفال من المقعد الخلفي خلال رحلة طويلة في سيارة. وهكذا أصبح الاعتراض مقبولا من جديد وبدأت الانتقادات التي حظرت والتي لم تعد تعتبر ضد المصلحة الامريكية تنهال من أنحاء شتى في البلاد. د.ب.أ