أكد الرئيس الفرنسى جاك شيراك أن مأساة الحادى عشر من سبتمبر الماضى تسببت فى أصابة الرؤية المثالية التى كانت تؤكد أن الالفية الثالثة هى ألفية السلم وزمن نهاية التاريخ فى الوقت الذى خيل للبعض فيه أن العالم نأى نهائيا عن قرن الحربين العالميتين ومحرقة اليهود ومعسكرات الاقتتال وغيرها من المجازر العديدة. وقال شيراك فى تقرير أرسله لمركز زايد للتنسيق والمتابعة أنه وبالرغم من النزاعات التى مازالت تدمى كوكب الارض استقبل القرن الجديد بالثقة والامل فى ولادة عالم حر يغمره السلام مع سقوط جدار برلين والحرب الباردة والرغبة فى عالم أفضل يضفى عليه تقدم العلم وفضائل التربية وسرعة الاتصالات المزيد من الازدهار والعدالة والسعادة والثقة فيما ستحرزه الديمقراطية من تقدم وفى توطيد التضامن. واشار الى أن مأساة نيويورك لم تنته بعد من تقدير تبعاتها لتزعزع ذلك الامل وتلك الثقة بظهور مصطلح تصادم الحضارات بشكل متعاظم باعتباره السمة التى ستميز القرن الحالى تماما كما شهد القرن التاسع عشر تنازع القوميات والقرن العشرين تصارع الايديولوجيات. ودعا الرئيس الفرنسى الى ضرورة مواجهة الخطاب الداعى لصراع الحضارات بواقع اخر سياسى وثقافى وأخلاقى يعتمد على أرادة الاحترام والحوار بين الثقافات التى لا يمكن فصلها عن التأكيد الصريح والصارم على القيم التى تمثل الهوية مشددا على أهمية الحرص من الوقوع فى حالة الضياع الفكرى ضمن التساوؤلات المطروحة عن القيم والثقافات التى ترتكز عليها الامم والشعوب والتى يلعب حوار الثقافات فيها دورا فى تفنيد ما يمكن أن يلتصق بالثقافة الغربية من هيمنة مادية ومن عدوانية. وفى ضمان السلام فى وقت يختلف فيه مصير الشعوب كما يختلط حوار أعيد تنشيطه وتجديده وابتكاره. وكشف شيراك عن مخاوفه من الواقع الانسانى الجديد فى ظل العولمة والذى يراه أكثر تعقيدا فى ظل حوار لا بد أن يرتكز على جملة من المباديء أهمها تساوى جميع الثقافات فى الكرامة ورسالتها جميعا فى التداخل والاغتناء من بعضها البعض باعتبارها أمرا بديهيا يثبته ويحمله كل تاريخ البشرية فيما يشكل وسيلة لقراءة العالم وفمهم فى ظل الثقافة المختلفة كالثقافة العربية التى ورثت المعارف القديمة والفلسفة الهندية وأهمية الشرق الاوسط وفرنسا وفلسفة الانوار وأسهام الديانات بما فى ذلك أفريقيا والشعوب الاخرى.وقال ان الثقافات لا تتطور كلها وفق الوتيرة نفسها وأنما تراوح مكانها بين القمة والانحطاط وتعرف مراحل أشراق وأزمنة صمت وتراجع 0 الا أنها تظل حية فى الذاكرة الجماعية لانها تشكل الهوية ومبررات العيش اضافة الى التعددية الثقافية التى تحتم وجود حوار بين الذات فى وجود الاخر دون تجاهل له. واعتبر شيراك أن العولمة الراهنة تقدم غالبا فى شكل جديد من أشكال الاستعمار الذى يرمى الى وجود العلاقة مع التاريخ والبشر فى أى مكان أو الغاؤها 00 مشيرا الى وجود تصدع بين الشمال والجنوب فى ظل الفقر الذى يعيشه ثلث البشرية والذى سيستفحل فى حالة عدم اهتمام الدول الغنية بتقديم المساعدة الانمائية لهؤلاء أضافة الى التصدع فى التربية التى يعتبر محو الامية من بين أهم مجالاتها الجوهرية والتى تعرف تراجعا فى العديد من الدول نتيجة الحروب والبؤس والأمراض ناهيك عن هجرة الادمغة التى تنزح من الجنوب فى اتجاه الدول الصناعية. كما أشار الى وجود ما يجمع كافة البشر من أخلاقيات ألهمت الاعلان العالمى لحقوق الانسان البشر والتى ظلت عكس ما يزعمه أعداء الحرية والمتعصبون الذين يعتبرونها نموذجا غربيا فى الحين الذى يؤكد أنها فلسفة الانسانية التى تلازم كافة الشعوب والامم والديانات التى لم تقم على تدمير البشر والغاء خصوصيتهم 0 وذلك ما يدعو الى المجاهرة بالحقوق المكفولة للجميع فى ظل انعدام التناقض بين فلسفة عالمية للاخلاق وبين تعدد الثقافات. وجدد الرئيس الفرنسى تأكيده فى تقريره لمركز زايد على ضرورة تعزيز التربية فى العالم والتى تسمح بفهم الاخر معتبرا أنه من الخطأ والخطر أن يتم ربط الارهاب بالبؤس نتيجة لوجود عملية تتابع بين الارهاب والتعصب والذى ينمو فى تربة الجهل والمذلة والبؤس الذى يتطلب منا تحفيز الوعى والعمل وتوفير العدل والانصاف من خلال جعل الحوار بين الشعوب ممكنا من أجل الاعداد لمستقبل مشترك. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: