لم يكن احد يتصور ان عملا ارهابيا يمكن ان يلحق بالاقتصاد الامريكي هذا القدر المهول من الضرر الذي يتعذر تقديره ولو على وجه الاجمال. فبالرغم من دقة الامريكيين في جرد حسابات الربح والخسارة، الا ان حساب الخسائر الاقتصادية من جراء التفجيرات الاخيرة، التي طالت برجي مبنى التجارة العالمية بنيويورك، مازالت تستعصي، وستستعصي لوقت طويل على الحساب وذلك بسبب تشعبها وتداخلها وخفاء جوانب كثيرة منها واحتمالات نشوء تداعيات مستقبلية كثيرة لما يمكن حسابه جزئيا الآن او لما يمكن ان يظهر فيما بعد. ارقام اسطورية وما تم حسابه جزئيا الآن فقد بلغ ارقاما اسطورية ان مجرد تكاليف عملية ازالة انقاض المبنى، التي قد تستغرق عاما كاملا هي بحدود 14 مليار دولار، وقد دمر المبنى معه مرافق اخرى في المنطقة منها محطة المترو المؤدية اليه وخمس محطات هاتف، ومحطتا كهرباء، و33 ميلا من الكيبلات وغير ذلك من المرافق المهمة، التي غدت تحتاج الى حراسة وازالة في نفس الوقت، وهي تزيد من احتمالات ارتفاع ذلك المبلغ. ويمكن تفسير خرافية تكاليف ازالة الانقاض اذا ادركنا ان برجي مركز التجارة العالمي كانا يضمان من المكاتب الفاخرة ما قدرت مساحته باثني عشر مليون قدم مكعب، اي اكبر مما تضم مدينة اتلانتا بكاملها من مكاتب الدرجة الاولى، كما انحطت عمارات اخرى مجاورة للبرجين كانت تتسع لثمانية عشر مليون قدم مكعب من المكاتب، اي تزيد على ما تضم مدينة ميامي بفلوريدا من المكاتب ذات الطبقة الاولى. وقد قدرت قيمة تلك الممتلكات بنحو اربعة وثلاثين مليار دولار، وهكذا فاذا اضيفت الى ذلك قيمة تنظيف المكان من الانقاض شارفت قيمة الخسائر الخمسين مليار دولار. ولكن ليس ذلك سوى قيمة العقار وتكاليف ازالته اما الخسائر التي انجرّت من كارثة انهيار العقار فهي اكثر من ذلك بكثير، فخسارة الاعمال التجارية في منطقة مانهاتن وحدها زادت على العشرين مليار دولار حتى الآن، وهي خسائر متواصلة الى امد غير منظور، فكثير من تلك المحلات اصبح من المتعذر الوصول اليها، وكثير منها فضلت ان تغلق ابوابها الى اشعار آخر. ولم تنحصر خسائر الاعمال التجارية في منطقة مانهاتن وحدها انما تعدتها لتشمل قطاعات حيوية من الاقتصاد حيث قدرت خسائر شركات التأمين بنحو خمسين مليار دولار، اي اكثر من ثلث رأسمال تلك الشركات، وهي شركات ظلت تستمتع بصافي ارباح ضخم كل عام، وظلت الدولة تستقطع منه حيزا كبيرا في شكل ضرائب ستحرم منها الآن. وقد لا تنجو تلك الشركات من الافلاس بغير دفع اقساط التأمين بنسبة 100% وهو الامر الذي يتعذر قبوله من قبل المؤمنين الذين لحقت وستلحق بهم خسائر فادحة طوال هذا العام. شبح الكساد وقد لحقت الخسائر كذلك بقطاع السياحة حيث انحسرت وفود السائحين، وشغرت اكثر من 50% من غرف الفنادق الكبرى رغم انها خفضت اسعارها بنسبة 40% ثم جاء وباء الجمرة الخبيثة فألغي كثير من المؤتمرات واللقاءات التجارية واصبحت الفنادق تواجه مأزقا اضافيا ليس في نيويورك وحدها وانما في كل المدن الكبرى من شيكاغو الى لوس انجلوس الى هيوستون وميامي، لقد كان قطاع السياحة الى ماقبل يوم التفجيرات احد اشد القطاعات الاقتصادية انتعاشا وظلت الفنادق الكبرى تضيق بالسياح وتتوسع في المباني الى ان دهمتها موجة الكساد اخيرا فصرفت النظر عن كل مشاريع التمدد والتوسع. وخسائر البريد ظلت تتضاعف بوتائر اعلى الى ان بلغت ملياراً ونصف المليار دولار وقد تناقصت خدمات البريد بنسبة 6.5% وهي ادنى نسبة تهبط اليها خدمات البريد منذ الكساد الكبير الذي شهدته الثلاثينيات وعلى اثر وصول امواج الجمرة الخبيثة الي البريد فمن المنظور ان تهبط خدماته اكثر واكثر، لان البريد نفسه اصبح مصدر رعب للناس، الذين قد يتحولون عنه لخدمات البريد الالكتروني والفاكس، ولا يتركون له الا تفصيل الطرود والشحنات الثقيلة الامر الذي سيجلب خسائر غير محتملة لذلك القطاع الذي كان من اشد قطاع الخدمات الاقتصادية استقرارا لعشرات السنين. وقد سددت هجمات الارهاب ضربة فظيعة الى صناعة الطيران طاشت بصوابها ورغم ان الحكومة سارعت وضخت 15 مليار دولار في شرايين تلك الصناعة، بعد ايام قليلة من وقوع الهجمات الارهابية، الا ان تلك الصناعة لا تزال تبدو في حالة عجز عن النهوض الى حالتها الاولى، وقد قامت حتى الآن بتسريح نحو مئة الف من منسوبيها كما خففت سفرياتها بنسبة 20% وتضاعفت عليها تكاليف الخدمات الامنية حيث كادت اعداد الامنيين بالمطارات تفوق اعداد المسافرين، وقد شارفت خسائر مطار ريجان القومي وحده النصف مليار دولار. مكاسب شركات السلاح ولا يكاد قطاع من قطاعات الاقتصاد سوى قطاع صناعة المعدات الامنية وقطاع صناعات السلاح ينجو من كارثة الخسارة او الكساد. ولكن ارباح هذه الشركات لايفيد الاقتصاد الكلي في شيء، اذ ان منتجاتها وخدماتها ليست ذات عائد اقتصادي، ان ارباح الشركات التي تصنع معدات اختبار القنابل والاسلحة .. الخ انما هي من خسائر شركات الطيران، والمنشآت التي تحتاج الى تأمين وحراسات، واما ارباح شركات تصنيع القاذفات والقنابل لشركة بوينج فيمكن حسابها على انها خسائر على الاقتصاد القومي، لان الاسلحة المعنية ليست معروضة للبيع وانما للاستخدام في افغانستان حيث يكلف كل صاروخ من طراز توماهوك نحو مليون دولار، وحيث تكلف القنبلة ما بين 18 ألف الى 25 ألف دولار وحتى الآن اسقطت اكثر من خمسة آلاف قنبلة على افغانستان، وسيتضاعف العدد بعد تكثيف القصف في الاسابيع القادمة وقد زاد الكونجرس ميزانية البنتاجون بـ 12.8 ميار دولار من اجل تغطية تلك التكاليف وسيضطر مع استمرار الحرب وتوسعها ان توسعت لضخ مبالغ اضافية لميزانية البنتاجون، هذا بالاضافة الى ميزانية اخرى لاصلاح الدمار الذي حاق به والذي قدرت تكلفته المبدئية بمليار دولار. وشركات تصنيع السلاح او ما يتعارف على تسميتها بالمجتمع الصناعي العسكري. Military complex Industrial تشكل لوبي برلماني نافذا يعمل بصمت وفعالية من اجل خلق فرص حرب تسمح بتسويق منتجات تلك الشركات، وتجربة منتجاتها الحربية الحديثة على الطبيعة، وقد وجدت اخيرا فرصة اكثر من سانحة حيث يؤيد الشعب الامريكي باغلبيته الساحقه، حتى الآن، قرار الحرب في افغانستان، ولا يمانع من مد نطاق الحرب لتشمل اقطارا اخرى، حتي ولو ادى ذلك الى استمرار الكساد الحالي، فمشاعر الغضب والم الجرح القومي يمنعان حتى الآن من توازن التفكير الشعبي الامريكي، وهو امر في صالح تلك الشركات ستستثمره الى اقصى مدى او الى المدى الذي يشعر فيه المواطن العادي بمعاناة العجز والكساد الاقتصادي بحد لا يطاق وحينها يبدأ التذمر والضيق والضغط من اجل اصلاح حالة اقتصاد الحرب. نفوذ حركات الارهاب لقد تحدث كثير من علماء السياسة المحايدين ضد لوبي المجتمع الصناعي العسكري، باعتباره يمثل مصالح من يربحون على حساب الاقتصاد القومي ومن يتاجرون بارواح الناس، وقد اعطت الحالة الراهنة اقوى حجة لهؤلاء ضد هذا اللوبي الذي يحقق اصابة الارباح على حساب الجميع وفي حالة اقتصاد تتهاوى اركانه من كل مكان، وقد تمتد اصابع الاتهام لهذا اللوبي باصطناعه لحالات الارهاب في المستقبل طالما انه الرابح الوحيد من جرائها. ان حركات الارهاب قد اصبحت وكأنها الوجه الآخر للوبي المجمع الصناعي العكسري، انها تصنع الدمار الشامل، بينما يقطف المجمع الصناعي العسكري الارباح الناجمة من رد الفعل، هذا وقد يصبح هذان المؤثران السياسيان في المستقبل الوشيك من اهم جهات الفعل السياسي Actors على المسرح السياسي الامريكي لقد كان الكثيرون من المحللين السياسيين ومن اكاديميي السياسة، يصورون الحركات الارهابية على انها ذات خطر محدود، ويراهنون على انها لا يمكن ان تؤثر بشكل جارف على سير الاحداث، وكانوا يتضجرون كثيرا من ميل الاعلاميين والسياسيين لتضخيم آثار الحركات الارهابية، ولكن هاهي آثار تخريب برجي نيويورك وجناح البنتاجون تفوق حتى ما كان يحسب من قبيل المبالغات واذا ثبت من اي ناحية ان لهذه الحركات الارهابية ضلعا في نشر ميكروبات الجمرة الخبيثة، فان شأنها يكون قد شب عن الطوق، ودخل وادخل شئون الحرب كلها معه في مرحلة اخرى مثيرة. ان جرد حساب الخسائر الامريكية الحالي، مع انه لم يكتمل بعد، قد يشجع بسبب ضخامته الهائلة على ان تقوم الحركات الارهابية، بهجمات اخرى ضد منشآت حساسة في الولايات المتحدة، وذلك هو توقع الامنيين الامريكيين الذين يبذلون كل الاحتياطات الممكنة للحيلولة دون وقوع تلك الهجمات ولكن مامن احتياط مهما كان يمكن ان يضمن ردع الارهابيين، لاسيما في ظروف الحرب الحالية في افغانستان، وحتى لو لم يقع اي حدث ارهابي جديد فالمناخ النفسي الذي ولدته الجمرة الخبيثة كفيل باصابة الاقتصاد الامريكي بكثير من الارتباكات والخسائر الاضافية. د. محمد وقيع الله