تقول الرواية السياسية المعتمدة في وسائل الإعلام منذ عام 1979 على الأقل بأن الشيوعيين الافغان هم السبب الرئيسي أو السبب الوحيد في المأساة التي تعيشها افغانستان. وحسب هذه الرواية السياسية الإعلامية ـ الموجهة والمؤدلجة ـ والتي لا نكاد ـ نحن العرب ـ نسمعها، غير ان حزبي «برشام ـ خلق» اليساريين ـ الشيوعيين حسب الرواية ـ بزعامة بابراك كارمل ومحمد نور طه هما من هزّ استقرار دولة افغانستان الحديثة بانقلابهما العسكري على حكومة الملك ظاهر شاه أولا، ثم بانقلابهما العسكري الثاني على حليفهما محمد داوود ، وبعد ذلك ـ وهو الأهم ـ بانقلاب زعماء الحزبين الشيوعيين ضد بعضهما البعض، وبعد صراعات بدائية ودموية على السلطة لم تنته الا بعد ان استنجد أحدهما بحليفهما معا في موسكو، وهو ما تم صيف العام 1979 حين قرر زعيم الكرملين العجوز «برجنيف» واعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي التدخل العسكري في افغانستان استجابة لطلب الحكومة الافغانية «الشرعية» تحت حجة ترجمة اتفاق «معاهدة الصداقة» والدفاع المشترك التي كانت تعقدها موسكو مع العواصم «الاشتراكية» في اطار العام الثالث ومنها كابول. وبدخول الجيش السوفييتي ـ حسب الرواية ـ في الوحل الافغاني حصلت المأساة أو الكارثة ـ سمها ما شئت ـ وهي الكارثة التي لم تنته باخراج «الاصولية» المتطرفة من كهوف التاريخ الافغاني بدعوى محاربة الشيوعية والالحاد العالمي، ولا بخروج اليسار الافغاني والقوى العصرية الحديثة من السلطة ومن البلاد الافغانية، بل ولأن الغزو السوفييتي قد انتهى بهزيمة عسكرية «مدوية» لأكبر جيش في العالم «من حيث العدد والعتاد» ومن ثم بهزيمة سياسية وايديولوجية ماحقة للاشتراكية والمعسكر الاشتراكي العالمي بزعامة الاتحاد السوفييتي الذي انتهى به الأمر بعد سنوات قليلة من خروج جيشه من أراضي «فيتنام» السوفييتية الى التحلل والتفكك. وعند هذه النقطة المفصلية بالذات ـ حسب الرواية ـ تقع مسئولية الشيوعيين الافغان أو بالاصح حزبي «برشام وخلق» ليس لأنهما قد قررا وبغباء شديد حكم بلد مسلم شديد التديّن كما هو شديد التخلف بأفكار ماركس وانجلز، وبتطبيقات لينين وماو ـ وهو ما لم يثبت رغم كل المزاعم المطروحة ـ بل ولأنهما قد خاضا فيما بينهما حروب وصراعات مسلحة وتصفيات دموية ليس لها علاقة بالفلسفة الماركسية وبالفكر الشيوعي بقدر علاقتها بموضوع الصراع البدائي على السلطة، وبجدل المشكلة الافغانية الرئيسي (التخلف والقبلية) والذي هو ذاته جذّر وسبب الصراع الدموي العنيف القائم اليوم بين حركة طالبان وما يسمى بقوات تحالف الشمال وقبلهما بين اطراف التحالف الشمالي «جمعيت اسلامي بزعامة رباني وبارئي اسلامي بزعامة حكمتيار» وعودة الى مضمون الرواية سالفة الذكر حول دور «الشيوعيين» الافغان فيما يحصل اليوم في ظل حكم «طالبان» وتنظيم القاعدة، لابد من الاعتراف بأنها رواية صحيحة الى حد كبير وبالذات اذا ما أخذنا الموضوع الافغاني على ظاهره، أو من حيث الوقائع والسرد التاريخي المجرد للأحداث منذ عام 1997، لكن الذي ينبغي الاقرار به ايضا ان هذه الرواية على صحتها تبقى ناقصة وغير مكتملة وفي كل الاحوال فإنها لا تمثل سوى نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فيتم تغطيته أو تجاهله عمدا وبصورة مكثفة ومتواصلة من قبل كل وسائل الإعلام العالمية التابعة للطرف المنتصر في الحرب الباردة، وهي ذاتها الوسائل الاعلامية المؤدلجة التي تتحكم ـ للأسف ـ بكل شيء يخص الحدث الافغاني اليوم وغيره من أحداث العالم بما في ذلك اختلاف تسمية «تحالف الشمال» التي لم نكن نسمع بها قبل الضربات الجوية الوحشية على افغانستان أو بالاصح قبل اغتيال أحمد شاه مسعود. ما يشار اليه هنا ـ كمثال على عدم صحة التسمية الإعلامية لتحالف الشمال ـ هو ان باميان الذي يسيطر على معظم أراضيه أحد أطراف القوى المعارضة لطالبان (حزب الوحدة) يقع في وسط وغرب افغانستان وليس في شمالها. بالطبع ليس هذا هو المهم في حديثنا، الأهم منه ان نصف الحقيقة الظاهر أو المسموح بظهوره اعلاميا من الحدث الافغاني يصبح هو الآخر بحكم المغيّب ـ عمليا ـ حين يتم توجيهه ايديولوجيا ليكون التدخل السوفييتي في افغانستان مبررا لتغطية حقيقة التدخل الامريكي في افغانستان قبل وبعد الدخول السوفييتي وقبل وبعد ظهور طالبان وأحداث الحادي عشر من سبتمبر! وحين يتم توجيهه ايضا ليكون «اليسار الافغاني» سببا وحيدا أو حاسما في بروز ظاهرة التطرف والارهاب الاصولي التي يمثلها اليوم، وبأوضح صورها، الملا محمد عمر وتنظيم طالبان متجاهلا دور الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة العربية والاسلامية في دعم هذه الظاهرة وتنمية وتوسيع دورها، ثم حين يكون ذلك الوجه من «الحقيقة الغائبة» وسيلة لاقصاء الاطراف السياسية والاجتماعية الاخرى عن المساهمة في بناء دولة افغانستان ما بعد طالبان أو ما بعد الحرب الامريكية التي لا نعلم متى ستنتهي.. وهل ستنتهي؟ ومن هذه القوى وفي مقدمتها القوى المدنية والاحزاب اليسارية والوطنية واساتذة الجامعات والمثقفين وغيرهم من القوى الافغانية الحديثة والمتعلمة والذين يتم تجاهل وجودهم وأصواتهم اليوم، ومنذ سنوات مضت، وتحديدا منذ توصيف «الحروب الجاهلية» الممتدة في افغانستان باعتبارها حرب «المؤمنين ضد الملحدين».. «الاسلام ضد الشيوعية»، وأخيرا وحسب تعبير زعيم النظام الدولي الجديد «حرب الأخيار ضد الأشرار»! بينما هي في الحقيقة ليست كذلك ـ حرب دينية ـ لا من قبل ولا من بعد، واذا كان من حقنا ان نتذكر لدحر هذه التسميات الايديولوجية كون الولايات المتحدة الامريكية نفسها وعن طريق حلفائها في باكستان وبعض الدول العربية هي من سبق وساهم في نمو وتصدّر هؤلاء «الأشرار» الذين تحاربهم اليوم باسم مكافحة الارهاب. كما لابد لنا ان نقول ان تهمة «الشيوعية والالحاد» التي طرحت وتطرح اليوم في افغانستان لتبرر الصراع والعنف وتبرير استمراره لم تكن في يوم من الايام ماركة مسجلة ضد حزبي «برشام وخلق» اليساريين، بل ان تهمة «الشيوعية» ذاتها ستبقى وان استخدمها «المجاهدون» الافغان ضد بعضهم البعض ولتحقيق نفس الغرض ـ اقصاء الآخر ـ وعندما ظل قلب الدين حكمتيار وحزبه الاسلامي يقصف بصواريخ «سكود» والمدفعية الثقيلة الاحياء السكنية في كابول وغيرها من المدن الافغانية وطوال ثلاث سنوات كان وباستمرار يطرح انه يحارب «الشيوعيين» أو المتحالفين مع بقاياهم، وكان بذلك يقصد خصومه الاسلاميين مثل رباني وأحمد شاه مسعود وخليلي ودستم وغيرهم من «المجاهدين». في المقابل كان الطرف الآخر وباستمرار ايضا يطرح التهمة ذاتها «الشيوعية» ضد حكمتيار مدعيا بأن هذا الأخير سبق وان تحالف مع ضباط ماركسيين حاولوا وبدعم من حكمتيار القيام بانقلاب عسكري على حكومة نجيب الله، وعندما فشلوا فروا للاحتماء بقوات الحزب الاسلامي بزعامة حكمتيار! ليس هذا وحسب بل ان زعماء «طالبان» أنفسهم الذين لم يكن لهم «شرف» الجهاد ضد الشيوعيين السوفييت وأعوانهم في كابول ـ لأنهم لم يكونوا قد ظهروا بعد ـ يستخدمون اليوم تهمة «الشيوعية والالحاد» ضد ما يسمى بتحالف الشمال بزعامة رباني! ما يعني ببساطة خطورة استخدام الدين الاسلامي وقيمه وتعاليمه السمحاء لتبرير الحروب والقتل المستمر ولتبرير اقصاء الآخر وجودا ورأيا! لقد تم وخلال عشرين عاما من «الجهاد» الافغاني وباسم هذه التهمة «الشيوعية» ارهاب وقمع العشرات، بل الآلاف من المثقفين واساتذة الجامعات والأحزاب الوطنية واليسارية الافغانية، وأمام هذا الصراخ المتواصل باسم الدفاع عن الاسلام من الخطر الشيوعي الداهم هرب الآلاف من هؤلاء خارج افغانستان، اضافة الى اضعافهم داخل افغانستان وفي مقدمتهم الآلاف من الكوادر المتعلمة والآلاف من أفراد وضباط الجيش النظامي الذي كان قد تم بناؤه وبصورة حديثة أثناء حكم اليسار الافغاني وبدعم ومساعدة الاتحاد السوفييتي نفسه وبالتالي فإن كمونهم هذا وهجرتهم القسرية من القمع والارهاب الذي مارسه «المجاهدون» قبل وبعد «طالبان» لا يعني عدم وجودهم وبالتالي استثناءهم من الحل المفترض لافغانستان. في الاسبوع الثاني من بدء الضربات الجوية الامريكية ضد افغانستان نقل مراسل «الجزيرة» صورا لوحدات سكنية «حديثة» تم ضربها وتدميرها من قبل الطيران الامريكي، وكان مما قاله مراسل الجزيرة ياسر علوني ان تلك الوحدات السكنية قد بنيت في عهد الشيوعيين وكانت مخصصة لسكن الأسر الافغانية الفقيرة في كابول! ولعل هذه الصورة «المفارقة» التي ما كان لها ان تظهر للمشاهد العربي لولا حاجة «طالبان» الملحة حينها لكشف همجية السلاح الأمريكي التي أعادت الى الأذهان كم هو حجم الكارثة السياسية والاقتصادية وبالتالي الاجتماعية التي عاشتها افغانستان خلال السنوات الماضية. واذا كانت أحزاب اليسار الافغاني قد فشلت أيديولوجيا، الا ان هذا الفشل لا يخصها وحدها بل يخص الاحزاب الاسلامية ايضا، مع ملاحظة ان أحزاب اليسار قد حاولت ـ رغم قصر الفترة ـ توفر البنية التحتية المعدومة للدولة الافغانية وان توفر ضرورات المعيشة للشعب الافغاني وكان من انجازاتها بناء الطرقات والوحدات السكنية وتحديث الجيش وابتعاث الطلاب والموظفين للتعلم والتأهيل في الخارج ثم محاولة حل مشكلة الفقر من خلال القوانين والاجراءات الاشتراكية المحدودة. إن أهم خطوة في رسم خارطة افغانستان المستقبل تبدأ بكف الولايات المتحدة من ان تكون الطرف الوحيد المتحكم بمصيرها، ثم بالقبول بدور ما للدول الست المحيطة جغرافيا بافغانستان في هذا الحل المفترض بما فيها روسيا على ان يكون ذلك عن طريق الأمم المتحدة وتحت صيغة ما يسمى بدول (6+2) هذا أولاً، ثم باعتراف هذه الدول الاقليمية والدولية من ناحية والأحزاب والجماعات الاسلامية والوطنية والاثنية الافغانية من ناحية ثانية بضرورة مشاركة الأحزاب السياسية «البرامجية» وحاجة افغانستان للديمقراطية واحترام حقوق الانسان والمجتمع المدني، كما هي في ضرورة قيام سلطة محلية منتخبة ذات صلاحيات واسعة في الاقاليم العرقية، على ان تشرف عليها الامم المتحدة ويشارك في بنائها وبناء السلطة المركزية كل الافغان وكل أحزابهم وتياراتهم الفكرية ومنها وفي مقدمتها الطبقة السياسية والفكرية الحديثة التي تعيش لمئات، بل الآلاف من كوادرها، متخفين داخل افغانستان أو مشردين خارج وطنهم وفي بلدان أوروبا وباكستان وايران ودول الخليج العربي بعد ان تم ارعابهم واقصاؤهم تحت وقع ضربات سيوف المجاهدين الذين صنفوا الحرب ومنذ البداية على انها حرب الاسلام ضد الشيوعية أولا، ثم حرب الاسلام ضد الكفر الصليبي العالمي ثانياً، بينما هي في الحقيقة ـ كانت ولاتزال ـ غير ذلك بقدر ما هي حروب الفقر والتخلف والصراع البدائي على السلطة والثروة، انها باختصار حروب جاهلية ليس للاسلام فيها لا ناقة ولا جمل، بل هو المتضرر منها ومن نتائجها خصوصا عندما يقدم اليوم للعالم ـ ومن خلال المدافعين عنه ـ على انه دين التطرف والارهاب والبدائية المتوحشة.. وحاشاه ان يكون كذلك. بقلم: محمد محمد المقالح ـ كاتب يمني