الدول مثل الافراد يمكنها ان تصاب بالغباء والعمى السياسي وفقدان الرؤية احيانا والآن بعد مرور حوالي الشهر على بدء الحرب الامريكية ضد افغانستان فان الشكوك بشأن نجاحها لم تعد قاصرة على المحللين المحايدين، او حتى قطاعات عديدة في الرأي العام الغربي، بل وجدت لها صدى داخل اركان قادة الحملة في واشنطن ولندن، بل ان الهدف الرئيسي القضاء على ابن لادن رمز العملية اصبح محل شك كبير كما جاء في هفوة لسان وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد منذ ايام. لكن حتى اذا افترضنا تحقق السيناريو المثالي كما تتمناه واشنطن ولندن وهو نفسه السيناريو الكابوس لطالبان وابن لادن، وهو الانهيار التام لطالبان والقضاء على ابن لادن، وتنصيب حكومة عميلة في كابول، اذا افترضنا حدوث هذا السيناريو، الذي يبدو اقرب للخيال في ظل المعطيات الراهنة سواء بسبب صمود طالبان او هشاشة وضعف وانقسام تحالف المعارضة الشمالية، فان ذلك لن يضمن لواشنطن واتباعها استتباب الامن في هذه المنطقة المضطربة من العالم، والاسباب وراء ذلك كثيرة ولا تحصى. ولا يحتاج الامر لتصديق ذلك ان يكون المرء عرافا او محللا او خبيرا استراتيجيا، يكفي فقط النظر لتاريخ افغانستان، ودراستها جغرافيا وسياسيا والنظر لتركيبتها الاثنية المعقدة، وظروف تطورها الاجتماعية، واذا كانت نظرية فرض حكومة على شعب من الخارج قد ثبت فشلها مرارا وتكرارا، فان الامر يصبح اكثر وضوحا في النموذج الافغاني خاصة اذا كان العدو هو امريكا، التي تحظى بأكبر قدر من الكراهية ليس في افغانستان فقط، بل في المنطقة بأسرها. وحتى اذا تآزرت كل الظروف في مصلحة واشنطن، وتم اسقاط طالبان، وتنصيب هذه الحكومة سواء كانت تحت غطاء الامم المتحدة او الراية الامريكية المكشوفة، فان السيناريو المتوقع ببساطة هو ان تعيد طالبان وكل القوى المناهضة لامريكا هناك تنظيم نفسها، وبدء شن حرب عصابات ضد الحكومة العميلة واسيادها، وهنا سنكون بصدد سيناريو يكرر نفسه مرارا في هذه الدولة عندما نجحت موسكو في تنصيب حكومة نور الدين تراقي عام 1979 وانتهى الامر بهزيمة نكراء كانت سببا في تفكك الاتحاد السوفييتي نفسه. الحرب او بلطجة القوة هي اخر عامل يمكنه ان يضمن حلا في افغانستان، لكن المشكلة ان الدول احيانا مثل الافراد لا يمكنها ان تقرأ دروس التاريخ البعيدة او حتى القريبة كي تدرك ذلك. وما يزيد الامر مآساوية ان واشنطن لم تكلف نفسها ان تسأل تابعتها بريطانيا عن دروس هزيمتها النكراء في بداية القرن هناك، كما لم تكلف نفسها سؤال روسيا، عن السبب الكامن وراء تمكن مجموعة صغيرة من المقاتلين في هزيمة احدى القوى العظمى لكن يبدو ان اكبر تجمع للعقول الاستراتيجية في امريكا غير قادر على استخلاص عبر التاريخ البعيد والقريب، ويبدو الامر ان واشنطن تقود نفسها ببطء وهدوء الى فيتنام جديدة، وان كل حلفائها واعدائها الذين يعلنون مساندتهم لها، فانهم في الحقيقة يدفعونها كي تغرق ببطء في المستنقع الافغاني. عماد الدين حسين