تاريخ أفغانستان المعاصر والمأساوي هو وليد ما سماه ضباط الاستخبارات العسكرية البريطانية «اللعبة الكبرى» في القرن التاسع عشر، لعبة الأسد والدب أو بالأحرى لعبة القط والفأر بين الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الروسية على الساحة الأفغانية والوسط آسيوية، وبدون إنهاء تلك اللعبة الكبرى والقذرة التي بدأت تتسع في القرن الماضي بدخول الولايات المتحدة والصين وباكستان وإيران كلاعبين أساسيين فيها. لا يمكن القول سوى أن التحضيرات الجارية لتشكيل حكومات بديلة وتحالفات عرقية ودينية وقبلية من قبل أطراف عدة متناقضة المصالح والرؤى هي لا شيء سوى التحضير لحرب أهلية دموية جديدة. ولكن هنا يجب التفريق بين اللاعبين الصغار ومصالحهم الصغيرة واللاعبين الكبار واستراتيجياتهم بعيدة الأمد. اللاعبون الصغار هم: الأفغان بمختلف طوائفهم ومشاربهم، وباكستان، وإيران والهند ودول آسيا الوسطى. أما اللاعبون الكبار فهم الولايات المتحدة وحليفتاها بريطانيا وإسرائيل بالإضافة إلى روسيا، والصين إلى حد ما. فكما يقول المثل قد يفكر الحصان بأمر ما، لكن الفارس قد يفكر بأمور أخرى. لكن لنبدأ بالحرب الانجلوأمريكية ضد هذا البلد المستضعف أفغانستان، فليس من مبالغة في القول بأن الولايات المتحدة وبريطانيا غير قادرتين على رؤية الضوء في نهاية هذا النفق الأفغاني الذي هلكت فيه جيوش عديدة في الماضي القريب، أو القول بأنه ليس من المؤكد أن هذه الحرب ستحسم لصالحهما. وقد أدهش المسئولون العسكريون الأمريكيون والبريطانيون الرأي العام العالمي بعد أربعة أسابيع طويلة من القصف ضد أفغانستان كاشفين عن حقيقة عدم تحقق أية أهداف عسكرية ملموسة وأن الحرب قد تطول. فلا ابن لادن أسر أو قتل، ولا اهتز نظام طالبان وارتعد، على العكس، إذ يبدو أن الحليف الباكستاني القوي برويز مشرف في وضع أكثر قلقا من الملا عمر. وقد قال الأميرال جون ستوفيلبيم وهو نائب مدير شعبة العمليات في هيئة الأركان المشتركة في مؤتمر صحفي في مقر البنتاجون في 25 أكتوبر أنهم الطالبان قد اثبتوا انهم محاربون أشداء. لقد فاجأني تشبثهم العنيد بالسلطة. في ذات الوقت بدأت صور الضحايا المدنيين الأفغان خاصة الأطفال وقوافل اللاجئين وأحوالهم التي تدمى العيون والقلوب تغزو البيوت عبر شاشات التلفزة في أوروبا والولايات المتحدة وتحل محل صور الهجمات المأساوية على أمريكا، وبذلك تزداد المعارضة لهذه الحرب البشعة وغير المجدية التي لا يعرف حتى من أصحاب القرار نهايتها أو أهدافها، ولم يفت المسئولين العسكريين الروس السابقين أن يدلوا بدلوهم ويصدروا التحذير تلو الآخر لزملائهم الأمريكيين والبريطانيين من مغبة السقوط في مستنقع أفغانستان. وبدأت بعض الصور التاريخية تعود إلى الأذهان مستحضرة صورة الجنود البريطانيين الستة عشر ألف الذي قتلوا حتى آخر رجل منهم في عام 1842 عند نهاية الحرب البريطانية الأفغانية الأولى 1839 ـ 1842 وكان آخر من قتل من الجيش البريطاني رجال الفرقة 44 التي يقول الكاتب بيتر هوبكيرك مؤلف كتاب The Great Game اللعبة الكبرى أن عظامهم لا تزال موجودة فوق التلال المحيطة بقرية جانداماك، ولم ينجو من المعركة سوى الطبيب العسكري البريطاني دكتور وليام برايدون الذي هرب بأعجوبة على صهوة حصان إلى جلال أباد ليبلغ قيادة الجيش بالكارثة. وقد ترافق مع هذه الهزيمة إلقاء القبض على الضابط البريطاني الكابتن آرثر كونوللي الذي كان يتجسس في آسيا الوسطى على تقدم القوات الروسية نحو أفغانستان والتحالفات التي كانت تريد إبرامها مع الحكام المسلمين هناك، وكان كونوللي أول من صاغ مصطلح «اللعبة الكبرى» وقد انتهت قصته بأن أمر الأمير «نصر الله» حاكم بخارى بقطع رأس كونوللي وزميله الكولونيل ستودارت في يونيو عام 1842. ومن المعلوم أن بريطانيا خسرت حربين أخريين بعد ذلك 1878 ـ 1881 والثالثة عام 1921. لكن هل كان غرض تلك الحروب من اللعبة الاستخباراتية الكبرى التي دامت 150 عاما هو السيطرة على أفغانستان البلد الفقير صعب المراس، وهل غرض الحرب اليوم هو إزالة نظام طالبان المتخلف وتنصيب نظام ديمقراطي حديث في البلد، الجواب البديهي هو لا، فأفغانستان بحد ذاته لا يمثل أية أهمية اقتصادية أو سياسية تذكر، الغرض هو جيوبوليتيكي عالمي يمس مصالح اللاعبين الكبار وما يسمونه بمصالحهم الحيوية ومناطق نفوذهم، بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، كان الغرض من اللعبة الكبرى هو تحويل أفغانستان إلى منطقة عازلة بين الإمبراطورية البريطانية في الهند والإمبراطورية الروسية التي كانت تطمع بالوصول إلى المياه الدافئة في البحر العربي والمحيط الهندي، أما في العقود الأخيرة فدور أفغانستان بقي كما هو «منطقة عازلة»، وأضيفت إليها مهمة تصدير الجماعات المتطرفة المسلحة إلى القوى الإقليمية في عهد طالبان، ولا تتحرج وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي أيه» من أن تنشر في صفحتها على الإنترنت عن الخلفية التاريخية لأفغانستان ما يلي: تم غزو واحتلال أفغانستان من قبل الاتحاد السوفييتي في عام 1979، وتم إجبار الاتحاد السوفييتي على الانسحاب بعد عشرة أعوام على يد قوات المجاهدين المناهضين للشيوعية الذين دعمتهم ودربتهم الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وباكستان ودول أخرى وقد كان مهندس سياسة دعم وتدريب المجاهدين هو زبيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر ولا يختلف بريجينسكي في أسلوب تفكيره الجيوسياسي عن مفكري الإمبراطورية البريطانية السياسيين، وقد اشتق عنوان هذه السياسة «قوس الأزمات» من المؤرخ البريطاني «المستشرق» برنارد لويس. ولا يخفي بريجنسكي غطرسته وغروره فيضيف: تشكل البلقان الاوراسيوية النواة الداخلية لذلك المستطيل .. وهي تختلف عن المناطق الخارجية في ناحية جوهرية واحدة، فهي تمثل فراغ قوة، فبالرغم من أن معظم الدول الواقعة في الخليج والشرق الاوسط هي دول غير مستقرة أيضا، إلا ان قوة الولايات المتحدة هي الحاكم الاعلى هناك، على عكس ذلك، تذكرنا البلقان الاوراسيوية بالبلقان الاوروبية الجنوب شرقية القديمة والاكثر ألفة، فكياناتها السياسية ليست غير مستقرة فحسب، بل وتغري الجيران الاكثر قوة بالتدخل، وكل واحد من هؤلاء الجيران يحاول ايقاف هيمنة القوى الاخرى على الاقليم. ويختم بريجنسكي خطابه للحرب بعد أن يحدد الاهمية الاستراتيجية والاقتصادية التاريخية للغرب في المنطقة خاصة اسيا الوسطى وبحر قزوين مشددا على تزايد دور إيران والصين في المعادلات السياسية والاقتصادية في المنطقة، ويشير الى السيناريو «الخطير» التالي من وجهة نظره: إن أخطر سيناريو محتمل هو تحالف عظيم بين الصين وروسيا وربما إيران، وهذا التحالف يمثل تحالفا مضادا للهيمنة الغربية ما يوحدهم ليست الايديولوجيا، بل توافق المظالم، هذا سيذكرنا حجما ومضمونا بالكتلة الصينية السوفييتية، بالرغم من أنه يبدو أن الصين هي التي ستقود التحالف وروسيا ستكون تابعا لها، ولايقاف هذه الحالة الخطيرة، مهما كانت بعيدة زمنيا عن التحقيق، سيتطلب الامر أن تستعرض الولايات المتحدة مهارة جيوستراتيجية على المحيط الغربي والشرقي والجنوبي لأوراسيا في نفس الوقت. هذه الافكار الجنونية هي مسودة أسوأ سيناريو لمستقبل افغانستان والقارة الاوراسيوية، إن ما يعبر عنه بريجنسكي الذي يتفق معه جناح الصقور الصهيوني المتطرف داخل الادارة الامريكية هو سيناريو «صراع الحضارات» الكوني. المفارقة تكمن في أن الحل الأكثر شمولية وانسانية، وإن لم يبدو الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة، هو استخدام المصل المضاد لأفكار بريجنسكي ومناصري اللعبة الكبرى البريطانية، هذا يعني تقوية التحالف الصيني ـ الروسي ـ الإسلامي، الذي أصبح يأخذ شكلا اقتصاديا منذ أن أعيد فتح «ريق الحرير» بربط الصين ودول آسيا الوسطى عبر إيران إلى أوروبا والشرق الأوسط والخليج عن طريق شبكات سكك الحديد والطرق وأنابيب الغاز والنفط والمياه وغيرها من مكونات البنية الاقتصادية التحتية الحديثة، وإذا أضفنا الهند وباكستان اللتين هما بأشد الحاجة الى تطوير اقتصاديهما الى هذا التحالف المبني على المصالح الاقتصادية وليس «المظالم المشتركة» كما يتوهم بريجنسكي، فان أفغانستان ستقع وسط حلقة مكونة من عدة دول ذات خلفيات دينية وعرقية وثقافية مختلفة لكنها تلتقي عند مصلحة اقتصادية وأمنية واحدة لا يمكن تحقيقها إلا بتحويل أفغانستان من عامل زعزعة إلى عامل استقرار. فليس من مصلحة أي من اللاعبين الإقليميين استمرار الوضع في أفغانستان على ما هو عليه، وعليهم أن يقدموا التنازلات حتى لا تتحول مصالحهم العرقية والسياسية الصغير والقصيرة النظر الى وبال عليهم، لذلك، مهما كانت نتيجة هذه الحرب، فإن على الدول الاقليمية الأخذ بزمام المبادرة وإقناع القوى الأفغانية المتصارعة بضرورة التوقف عن لعب دور الأراجوز بيد اللاعبين العالميين، وتثبيت الاستقرار في البلد عن طريق خطة مارشال اقتصادية لإعادة إعمار أفغانستان، والاستفادة من موقعه الجغرافي باعتباره جسراً بين القارات، ولا بد من القضاء أولاً على آفة زراعة المخدرات البغيضة الذي أصبحت مرضاً يستشري في الشعوب الإسلامية المجاورة. عدا ذلك، فإن استمرار الألعاب الجيوسياسية لن يزيد أفغانستان إلا بؤساً ويعطي منظري الحروب العالمية وصراعات الحضارات مبرراً للبقاء والتدخل، ولا ننسى أن تخطيط القوى العظمى يقودها الى تحقيق مخططاتها فقط لأنها تملك قوة السلاح، فبريطانيا وامريكا والاتحاد السوفييتي خسرت حروبا مريعة ضد خصوم هزيلين جدا من ناحية التسليح، فالواقع شيء وخطط المخططين قد تكون شيئا آخر، لذلك لا ينبغي على الشعوب ان تيأس تحت جبروت القوة والسلاح. أما عن السؤال كيف سيكون مستقبل أفغانستان بعد العمليات العسكرية الحالية، فلا أحد يستطيع أن يجزم بذلك، كل ما يستطيع المرء القيام به هو طرح السيناريوهات المحتملة، والأهم من ذلك كشف النيات المبيتة السيئة وإظهار النيات الحسنة التي يمكن أن تضع حداً لهذه المأساة المستمرة من أكثر من 150 عاما، أول شيء يجب القيام به هو إيقاف «اللعبة الكبرى»، ثم البدء بالتفكير والتصرف كبشر أصحاب عقل وضمير. بقلم: حسين النديم ـ كاتب عراقي مقيم في السويد