لم تبد الصورة المستقبلية غامضة في افغانستان بمثل غموضها هذه الايام اذ بقدر دخول قوى جديدة على الساحة الافغانية بقدر ما يزداد الوضع تعقيدا وتشابكا فالتوقعات الامريكية التي كانت تتحدث عن القضاء على الارهاب وحركة طالبان في ايام واسابيع امتدت الى سنوات، كما افصحت بذلك تصريحات المسئولين الامريكيين مشددة على ان ظاهرة الارهاب لا يمكن القضاء عليها في غضون ايام فحسب. رغم مرور اكثر من سبعة اسابيع على التفجيرات الارهابية في الولايات المتحدة الامريكية وانقضاء ثلاثة اسابيع على انطلاق آلة الحرب الامريكية وبدء الغارات الجوية المكثفة على الاراضي الافغانية ومع ان الولايات المتحدة قد حددت عدوها من اليوم الاول واعلنت نيتها سريعا في ضرب افغانستان واسقاط نظام طالبان والقبض على اسامة بن لادن الا ان واشنطن مازلت حائرة في الاتفاق على بديل لنظام طالبان او البحث عن خليفة مقبول له يرتضيه الشعب الافغاني وتتعاون معه الدول المجاورة له. صعوبة الامر تأتي من خصوصية المجتمع الافغاني كما هي تضاريس افغانستان التي جعلت من الصعب العثور على ابن لادن في الجبال والدروب الوعرة كذلك هو نسيج الشعب الافغاني المكون من عدة قبائل واعراق تتشابك وتتفرع لقبائل وعشائر ليصبح الامر مستحيلا في العثور على شخص له الكاريزما التي تجبر الجميع على تقبلها. وقد يبدو واضحا من مسار الاحداث حاليا ان الولايات المتحدة ستواصل مع حليفتها بريطانيا، الضربات الجوية بغية تشتيت تنظيم القاعدة ومعه حركة طالبان وهو ما سيوفر فرصة للتحالف الشمالي المناهض للحركة والذي يتمركز في بعض مناطق الشمال للانقضاض على مدن افغانية رئيسية مثل مزار الشريف وكابول للانطلاق منها الى الشرق الأفغاني حيث تتمركز قوة الحركة، ولكن قدرة التحالف على هزيمة حركة طالبان مشكوك فيها في ظل طابع الاقلية الذي يكتسبه هذا التحالف، خصوصا مع تراجع دور عبدرب الرسول سياف البشتوني، ومقتل أحمد شاه مسعود الذي كان يشكل غطاء جهاديا للتحالف وفي هذا الوقت سيتعزز دور طالبان في مواجهة التحالف الشمالي على أساس أنها الحركة التي تمثل مصلحة البشتون كونهم الغالبية في افغانستان لاسيما مع وجود اتصالات بينها وبين الحزب الاسلامي الافغاني بزعامة قلب الدين حكمتيار المقيم في طهران والذي استعد للعودة الى افغانستان للقتال الى جانب طالبان. يقول تحالف الشمال على لسان الدكتور عبدالله، خليفة الجنرال أحمد شاه مسعود في القيادة السياسية لقيادة التحالف أن أهدافهم الرئيسية هي السلام وحق الشعب الافغاني في تقرير المصير، واقامة حكومة اسلامية معتدلة تقوم على أساس الديمقراطية، مضيفا بأنهم مع حقوق الإنسان وحقوق المرأة، لاخراج افغانستان من أزمتها التي تعيشها منذ عقد من الزمان ـ عشرة اعوام من الحرب ضد السوفييت وسبع سنوات من التناحر بين فصائل المجاهدين ثم خمس سنوات من الصراع بين طالبان والمعارضة ، ويقترحون تكوين حكومة انتقالية يشارك فيها كل من يتقاسمون نفس القيم، وتكون مهمتها الاعداد للانتخابات، وهي مهمة صعبة اذا ما أخذ في الاعتبار كونها الانتخابات الأولى في تاريخ افغانستان. أما ملك افغانستان السابق أحمد ظاهر شاه والذي يعيش حاليا في روما، فقد كانت الانفجارات الارهابية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية فرصة لكي يستعيد دوره على مسرح الحياة السياسية في افغانستان، وهو الدور الذي حرم منه منذ نفيه الى روما عام 1973، ففي الثامن عشر من سبتمبر الماضي أرسل الملك نداء عبر الـ «بي بي سي» وصوت أمريكا وهي الاذاعات العالمية التي ترصد في افغانستان يدعو فيه مواطنيه للجهاد من أجل عودة السلام والتعاون مع المجتمع الدولي، ولم يكتف الملك بهذا النداء، بل قرر الخروج على تحفظه مدليا بحديث الى صحيفة الريبوبليكا هو الأول منذ عزله عن السلطة. وفي حديثه أعاد الملك المخلوع للاذهان كم النداءات التي أرسلها شعبه للمجتمع الدولي لكي يتدخل لانقاذه من بطش طالبان، الا أن هذه النداءات لم تلق أي استجابة واذا كان الملك ظاهر شاه قد أعاد بعودته الى مسرح الحياة السياسية الدولية، ذكرى ما كان عليه وجه افغانستان قبل سيطرة المتشددين من حركة طالبان على السلطة، الا أن هناك بعض القوى الافغانية التي ترفض عودة الملك من جديد كما جرت بين ممثلي المعارضة والملك المخلوع في روما تحت اشراف عدد من رجال الكونجرس الأمريكي مباحثات تم الاتفاق خلالها على انشاء مجلس أعلى للوحدة الوطنية في افغانستان يتكون من 120 من الزعماء التقليديين في البلاد على أن يتولى هذه المجلس انتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة وطنية. ولكن ستظل على أية حال، كل هذه الاتفاقات مجرد حبر على ورق، طالما أن طالبان لا تزال في السلطة، والأيام القادمة ستحدد وحدها ما اذا كانت ستدخل حيز التنفيذ أم أن مرحلة الحرب ضد الارهاب ستدوم لفترة أطول مما هو متوقع لها، خاصة أن القضاء على حركة طالبان التي تسيطر على 90% من الاراضي الافغانية ليس بالأمر اليسير. ولا يخفى، حسب مايؤكده الكثير من الجنرالات، أن الضربات الأمريكية لن تتمكن من القضاء على حركة طالبان بعدما غدت الاخيرة ظاهرة موجودة في افغانستان، وامتدت حتى الى باكستان التي يوفر الباكستانيون المتشددون طاقة بشرية قتالية ورديفا قويا لها في أفغانستان، وان كان هؤلاء الجنرالات اتفقوا في نفس الوقت على أن الحركة لن تصمد طويلا امام الآلة العسكرية الأمريكية التدميرية الا أنها ستواصل عملياتها من خلال حرب العصابات التي ستلجأ اليها باستخدامها المغاور والكهوف التي استخدمها المجاهدون خلال الحرب ضد السوفييت في الثمانينيات. كما بدأ مسئولون كبار في الولايات المتحدة وأوروبا يكشفون تلميحا عن شكوكهم الشخصية فيما يتعلق بالنتائج المتوقعة للحرب في افغانستان، فالغارات الجوية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، لم تفضى الى اثار حاسمة، ونظام طالبان لم يتقوض بعد، كما لم تحدث الانشقاقات بين صفوفه، كما كان متوقعا، ثم أن الملا محمد عمر مازال ممسكا بزمام الأمور، ولم يتم العثور على حليفه أسامة بن لادن ـ عدو الولايات المتحدة رقم واحد ـ ولا تمت تصفيته وهذه كلها أمور لا تستدعي الدهشة في بلاد بمساحة افغانستان، حيث ينجح العدو في التبعثر في كل مكان، كما يصعب رؤيته أو تحديد أماكن وجوده، وحيث لا توجد أهداف استراتيجية شديدة الأهمية أو ذات قيمة كبيرة، ان الفرق الأمريكية من الوحدات الخاصة التي تعتمد على أسلوب اضرب واهرب، بدأت عملياتها ميدانيا، ولكن المردود الذي حصلت عليه هزيل للغاية. ومع ذلك، فمن الجائز ان تسقط بعض المدن الافغانية، بل ومن الجائز أن يتم احتلال بعض المواقع الاستراتيجية المهمة، ولكن قد يتعذر اخضاع المقاومة الافغانية المتمركزة في الجبال، بالاضافة الى أن العمليات العسكرية الجوية والبرية على حد سواء، ستصاب بانتكاسة ساحقة، مع اقتراب فصل الشتاء القارس وهطول الجليد. إن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تخترق الخطوط الأمامية لطالبان في شمال افغانستان، كما تستعجل قادة التحالف الشمالي، خصوصا الجنرال الأوزبكي عبدالرشيد دوستم، لاحتلال مدينة مزار الشريف ومطارها، لأن ذلك من شأنه أن يوفر للقوات المعادية لطالبان قاعدة عسكرية مهمة داخل البلاد، تنطلق منها للزحف على كابول، لكن الاعداد لهجوم قوات تحالف الشمال لايزال بطيئا ومتعثرا، ولم يبدأ تحركه بعد، ويشكو قادته من أن الدعم الأمريكي مازال فاترا، واذا ما تلكأ هجوم التحالف الشمالي، فقد يتوجب على الأمريكيين أن يبادروا لهذا الهجوم بأنفسهم، وحينئذ سيجدون انفسهم غائصين في وحل حرب لا يمكن الانتصار فيها، كما حدث للروس من قبلهم، وهذا هو السيناريو الكابوسي الذي يثقل على الأوساط المسئولة في واشنطن، ومن هنا أصبح واضحا ان النصر السريع الذي راهنت عليه واشنطن بدأ يفلت من قبضتها، ان لم يكن قد فاتها نهائيا. وفضلا عن ذلك، فإن الحملة العسكرية الأمريكية لاتزال تفتقر الى المصداقية، بسبب عدم وجود بديل سياسي يخلف نظام طالبان في افغانستان حتى الآن فالمشاحنات بين الفصائل الأفغانية، والخلافات العاصفة بين الدول المجاورة لأفغانستان تقف حتى الآن حائلا دون تشكيل ائتلاف أو تحالف مقنع، بمقدوره أن يتسلم الحكم في كابول بعد سقوط طالبان فضلا عن تصفية خلايا تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن. وهكذا فإن ثمة جهودا أمريكية محمومة طابعها سياسي، تجري جنبا الى جنب مع الحملة العسكرية ضد افغانستان، هدفها العاجل تصنيع نظام حكم على المقاس، يتولى مسئولية افغانستان، بعد انتهاء العمليات العسكرية التدميرية الشاملة ولعل نقطة الضعف الرئيسية في هذه الجهود الأمريكية المسنودة أوروبيا هي انها تتمحور حول محاولة بعث نظام سقط قبل أكثر من عشرين عاما، واحياء ملك شارف على التسعين من عمره، ليكون هو الراكب المتوج على الحصان الأمريكي الداخل الى افغانستان، كما تنصرف جهود الولايات المتحدة حتى اللحظة، الى محاولة لجمع اعداء الأمس، ليصبحوا بالأمر المباشر أصدقاء اليوم، تريد بناء تحالف، وصناعة نظام سياسي مؤتلف من انصار الملك المنفي جنبا الى جانب مع تحالف المعارضة الشمالية. ولعل هذا التفكير الأمريكي، الذي لا يزال اسيرا لنظرية لعبة الأمم التي صيغت خلال الحرب الباردة، يتجاهل أمورا كثيرة شديدة التعقيد، بقدر تعقيد التركيبة الجغرافية والتاريخية والبشرية لافغانستان، تلك التي تتشكل من مجموعة من الأصول العرقية، تضم عناصر البشتون، وهم الأغلبية، والطاجيك والأوزبك والحرازة، مثلما ينقسم الجميع مذهبيا، فهم مسلمون، لكن الأغلبية من السنة والاقلية من الشيعة ومن هنا جاء نظام طالبان المتشدد، فهو يستند الى قاعدة البشتون الأغلبية العرقية ـ والى المذهب السني، الذي يمثل الأغلبية الدينية أيضا، بينما تتوزع أطراف تحالف الشمال بين الطوائف العرقية والمذهبية الأخرى ذات الاقلية في حين فقد الملك الطاعن في السن قاعدة حكمه، سياسيا وعرقيا ومذهبيا، منذ عقود. ان المخطط السياسي الأمريكي لا يزال يعاند الواقع، ويتجاهل الحقائق، متمسكا بقدرته العظمى ومهارته الفائقة في تصنيع الحكومات وتركيب النظم وتنصيب الحكام، كأنما صار مقبولا في القرن الحادي والعشرين ذلك النهج الذي عرفه التاريخ الإنساني في المرحلة الاستعمارية فيما عرف بسياسة السفن المسلحة، انه النهج الذي يفتح الأبواب لانقلاب في منظومة العلاقات الدولية، ومن شأنه أن يخول الأقوياء لأنفسهم حق اقتلاع حكومات في اقطار أخرى، وفرض نظام أخر عليها، متضمنا نظما للقيم السياسية والاجتماعية تتوافق مع رغبة الأقوياء. بقلم: محمود مرتضى ـ كاتب سياسي مصري