اذا كان الهدف الأمريكي المعلن للحرب على أفغانستان هو اجتثاث جذور الارهاب من ذلك البلد واقامة نظام صديق لواشنطن فيه، فإن كل الشواهد تشير الى أن الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة من الحرب أوسع بكثير من مجرد الاطاحة بحكومة طالبان، والانتقام لضحايا يوم الثلاثاء الأسود واستعادة الهيبة الأمريكية الضائعة، بل إن الأهداف الأمريكية من الحرب على أفغانستان لا تتوقف ـ كما سنرى ـ عند السيطرة على آسيا الوسطى، أو حتى على منطقة بحر قزوين المجاورة بثرواتها الضخمة من النفط والغاز. إنها حرب سوف تنعكس آثارها بعمق ليس على مستقبل آسيا الوسطى وإنما على أوضاع روسيا والصين وايران وباكستان وصولا الى الخليج والمشرق العربي وعلى أدوار ومكانة هذه القوى الدولية والاقليمية كلها في النظام العالمي الجديد. لذلك فإن حسابات بالغة التعقيد تجري ـ ولابد ـ في عواصم كل هذه البلدان بشأن الحاضر والمستقبل القريب والبعيد، والتغيرات المحتملة في علاقات القوى الدولية والاقليمية نتيجة للحرب الأفغانية. إشارة البدء والواقع أنه يمكن تفسير سرعة وضخامة الحشد الأمريكي للحرب بهول الكارثة التي نزلت بالولايات المتحدة وقسوة الضربة التي أصابت هيبتها، وبالتالي ضرورة الانتقام السريع ورد الاعتبار، بغض النظر عن ثبوت التهمة على ابن لادن. لكن ما يلفت النظر حقا في طبيعة التحركات العسكرية ونشر القوات الأمريكية في البلدان المحيطة بأفغانستان هو صعوبة أن تكون هذه الخطة الحربية وليدة الساعة. ويشير ذلك الى أن الولايات المتحدة كان لديها خطط جاهزة بهذه الدرجة أو تلك من الاكتمال للتحرك العسكري في وسط وجنوب آسيا. وكأنما جاءت أحداث يوم الثلاثاء الدامي لتكون بمثابة اشارة البدء لتنفيذ هذه الخطط .. ولا يعني هذا بالطبع أن الولايات المتحدة كانت تتمنى أن تصيبها كارثة نيويورك وواشنطن وإنما يعني أنه كان لديها خطط قديمة تنتظر ذريعة أو ظروفا مناسبة لوضعها قيد التنفيذ بالشكل الملائم. ويشير استقراء تاريخ السياسة الأمريكية تجاه منطقة آسيا الوسطى وأفغانستان جزء منها الى أن المنطقة تحتل مكانا بارزا في الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة، فآسيا الوسطى تتميز بموقعها الاستراتيجي المتاخم لروسيا والصين وايران وباكستان، والقريب من الهند والخليج العربي وتركيا. البطن الرخو وأثناء وجود الاتحاد السوفييتي كان الاستراتيجيون الأمريكيون يعتبرون جمهوريات آسيا الوسطى البطن الرخو للامبراطورية الحمراء، الأكثر قابلية للاختراق من الناحية الاستراتيجية وكان هذا هو السبب الجوهري لاهتمام أمريكا الكبير بدعم المجاهدين الأفغان في مواجهة الاحتلال السوفييتي لبلادهم. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظلت المنطقة تمثل البطن الرخو لروسيا وأصبحت آسيا الوسطى والقوقاز حلقتين رئيسيتين في الاستراتيجية الأمريكية لحصار روسيا من الجنوب، وعزلها عن الخليج العربي والمحيط الهندي. وتزايد اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة مع اكتشاف ما تزخر به آسيا الوسطى واقليم بحر قزوين المجاور لها من ثروات طبيعية هائلة أهمها النفط والغاز الطبيعي إذ تشير الاحصاءات الى اكتشاف احتياطيات ضخمة من النفط في حوض بحر قزوين تبلغ نحو مئة مليار برميل من النفط وما يكافئها تقريبا من الغاز الطبيعي، الأمر الذي يجعلها ثالثة أغنى مناطق العالم باحتياطيات النفط بعد الخليج وسيبيريا. وتمكنت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من تحقيق درجات متفاوتة من التغلغل السياسي والاقتصادي والعسكري في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز السوفييتية السابقة ففي آسيا الوسطى دعمت واشنطن علاقاتها بصورة خاصة بكازاخستان كبرى بلدان المنطقة وأغناها وأكثرها تقدما وتستثمر شركة شيفرون الأمريكية عدة مليارات من الدولارات في حقل تنجيز الكازاخي العملاق كما توجد استثمارات أمريكية في مجالات متعددة من الاقتصاد الكازاخي. وتجري الولايات المتحدة مناورات عسكرية مشتركة مع كل من كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان في اطار برنامج المشاركة من أجل السلام كما تقيم الولايات المتحدة علاقات طيبة بتركمانستان. ومعروف أن كلا من تركمانستان وكازاخستان من دول آسيا الوسطى المطلة على بحر قزوين. المسارات البديلة ومعروف أن شركة يونوكال الأمريكية كان لديها مشروع عملاق لمد خط لنقل أنابيب الغاز من تركمانستان رابع أكبر منتج للغاز في العالم الى باكستان عبر المناطق الغربية والجنوبية لأفغانستان، بتكلفة قدرها 2.5 مليار دولار وكان من شأن تنفيذ هذا المشروع أن يسهم في فك الارتباط بين تركمانستان وروسيا التي يجري عبرها نقل الغاز التركماني الى الاسواق الخارجية. كما جرى وقتها الحديث عن امكانية مد خط لنقل النفط الكازاخي عبر تركمانستان الى أفغانستان فباكستان على بحر العرب، بدلا من المسار الروسي الحالي، وكان من شأن تنفيذ هذا المشروع أيضا أن يضعف الارتباط بين روسيا وكازاخستان، وأن يؤدي الى زيادة إضعاف رابطة الدول المستقلة الضعيفة أصلا. لكن تطور مواقف طالبان وتدهور علاقاتها بالولايات المتحدة أدى الى فشل المشروعين. ولعل هذا أيضا من الخطايا التي يصعب أن تغتفرها واشنطن للملالي الأفغان. أما على الشاطئ الغربي لبحر قزوين فقد وظفت شركات النفط الأمريكية الكبرى مثل إكسون وتكساكو وموبيل نحو عشرة مليارات دولار في حقول أذربيجان الضخمة كما تمكنت واشنطن أيضا من تحقيق نفوذ قوي في جورجيا على الساحل الشرقي للبحر الأسود. وكما هي الحال في آسيا الوسطى فإن الولايات المتحدة تسعى لعزل روسيا عن القوقاز ودفع دول أذربيجان وجورجيا وأرمينيا لفك ارتباطها بروسيا ورابطة الدول المستقلة التي تتزعمها موسكو. وفي هذا السياق تسعى واشنطن منذ عدة سنوات لاقامة خط جديد لأنابيب النفط، يمكن من خلاله نقل النقط الأذربيجاني الى الأسواق الخارجية عبر جورجيا ثم تركيا خط باكو ـ جيهان والاستغناء عن الخط الروسي المستخدم حاليا خط باكو ـ نوفوروسيسك. كما تحاول واشنطن اضعاف سيطرة روسيا على مناطقها الجنوبية في شمال القوقاز كالشيشان الذين تستخدم أمريكا قضيتهم كورقة ضغط على روسيا، يمكن التخلي عنها وتركهم لمصيرهم حسبما تقتضي المصالح الأمريكية. رشاوى وضغوط ورهانات واذا كان من الصعب أن تغيب هذه الأهداف الأمريكية عن ادراك الاستراتيجيين الروس، فلماذا أعطت موسكو الضوء الأخضر للمرور بمجال روسيا الجوي ولاستخدام أراضي دول آسيا الوسطى وقواعدها الجوية؟ الأمر المؤكد أن روسيا لم تكن لترغب في الوجود العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى .. لكننا ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن الاختيارات لم تكن واسعة أمام موسكو، وخاصة في ضوء ظروفها السياسية والاقتصادية الصعبة وقوة الضغوط الأمريكية والغربية، وفداحة الكارثة التي أصابت الولايات المتحدة. واذا كانت موسكو قد حصلت على أول مكافأة على موقفها باطلاق الغرب ليدها في الشيشان، وانقطاع مساعدات طالبان وابن لادن عنهم، فالأمر المؤكد أن تحطيم قوة طالبان في حد ذاته يمثل مصلحة روسية لاشك فيها. كما أن الأيام القادمة ستكشف عن مكافآت أمريكية وغربية أخرى لروسيا في صورة قروض سخية أو اعادة جدولة الديون الحالية، أو مرونة أمريكية وغربية في قضايا التجارة وانضمام موسكو الى منظمة التجارة العالمية .. وغيرها. الأمر الأكثر أهمية أن روسيا تعرف جيدا أن الحرب التي بدأتها أمريكا في أفغانستان ستكون طويلة ومنهكة .. واحتمالات تورط أمريكا في المستنقع الأفغاني هي الاحتمالات الأرجح، خاصة اذا تورطت أمريكا جديا في الحرب البرية.. أما اذا اقتصرت الحرب على القصف الصاروخي والجوي أساسا فستكون نتائجها محدودة، ولن تضمن لواشنطن السيطرة على أفغانستان. أما اذا استطال الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى فسيظل بوسع روسيا خلق العقبات في وجهه بأشكال عديدة منها اغلاق مجالها الجوي في وجهه، وتأليب الأقليات الروسية والحركة القومية ضده. فكازاخستان على سبيل المثال أكثر من 30% من سكانها من الروس وهناك مطالب روسية قديمة في المناطق الشمالية من كازاخستان يمكن تحريكها اذا اقتضت الضرورة وهناك ادوات الضغط الاقتصادي الخانق كاغلاق أنابيب نقل النفط الكازخي والغاز التركماني الى الأسواق الخارجية عبر روسيا. وهناك امكانية منع النفط والغاز عن بلدان مثل أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، أو منع امدادات الكهرباء الروسية عن بلدان آسيا الوسطى جميعها .. وكل هذه خطوات يمكن أن تعرض اقتصاديات هذه البلدان جميعها للشلل. ويبقى الرهان الروسي الأساسي أن تغوص أقدام أمريكا في المستنقع الأفغاني .. وربما في المستنقع الباكستاني.. ما دامت موسكو عاجزة عن مواجهة الأهداف الأمريكية بالوسائل العسكرية. تعزيز الوجود الأمريكي، وخاصة العسكري في جنوب ووسط آسيا، وما يترتب على ذلك بالضرورة من تعزيز النفوذ الأمريكي في القوقاز يمثل خطرا بالنسبة لايران التي سيكتمل الطوق حولها من الشمال والغرب ورغم أن طهران ترحب بضرب طالبان إلا أنها كانت من أوائل العواصم التي رفعت صوتها بالتحذير من مخاطر الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وأهدافه البعيدة وربما لا يكون ضرب ايران ضمن أولويات السياسة الأمريكية في المرحلة الراهنة أو حتى في المستقبل. وهكذا فإن الأهداف البعيدة ـ والحقيقية للحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان، تتجاوز بكثير أهدافها المعلنة ـ إنها حرب تهدف لاستكمال رسم ملامح النظام العالمي الجديد واستكمال ما تبقى من أهداف ومهام الحرب الباردة، بإحكام حصار روسيا وتفكيك رابطة الدول المستقلة وتهديد الجناح الغربي للعملاق الصيني الصاعد، وتحطيم مشروع التحالف الاستراتيجي بين بكين وموسكو، وتطويق ايران. وباختصار اعادة رسم خريطة آسيا بمجملها بما لذلك من انعكاسات كبرى على موازين القوى العالمية. أما عن أثر ذلك علينا ـ نحن العرب ـ فإن المزيد من اختلال موازين القوى لصالح أمريكا سيكون له تأثيره السلبي البالغ علينا ويكفي أن نشير الى سيطرة الولايات المتحدة على نفط بحر قزوين بما يتيحه من امكانيات لاضعاف الاوبيك ومنافسة نفط الخليج. وبديهي أن هناك فارقا كبيرا بين ما تتمنى أمريكا تحقيقه، وما تستطيع ادراكه فإن اتساع الأهداف الأمريكية وعدوانيتها وتجاهلها لمصالح قوى دولية واقليمية كثيرة من شأنه أن يستنهض ضدها دولا وشعوبا وحركات سياسية ودينية عديدة في مختلف أنحاء العالم .. لكن هذا حديث آخر ذو شجون. بقلم: د. محمد فراج أبو النور