الحديث عن سيناريوهات المستقبل في أفغانستان يرتبط بالطبع بنتائج الحرب الدائرة الآن على أرضها، والواقع الذي ستنتهي إليه. كما يرتبط بمواقف الدول الفاعلة من داخل المنطقة وخارجها والصراع والتوافق فيما بينها، وهنا تبرز خطورة الموقف الأمريكي الذي أعلنه الرئيس بوش الإبن حين قال إن أمريكا لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته قبل ذلك حين انسحبت من أفغانستان والمنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أما هذه المرة - على حد قول بوش - فقد ذهبت أمريكا، لتبقى! هذا التأكيد من الرئيس الأمريكي لا يتنافى - في تصور الإدارة الأمريكية - مع التصميم على عدم تكرار مأساة فيتنام، وعدم السقوط في مستنقع جديد تصبح فيه القوات الأمريكية رهينة في هذه المنطقة الملائمة لحرب العصابات. وهو ما يجعل القوات الأمريكية حريصة على تجنب الدخول في حرب برية تقليدية، وبالتالي عدم التواجد العسكري المباشر على أرض أفغانستان بقدر المستطاع. وبين الحرص على عدم تكرار خطأ الانسحاب من هناك كما حدث بعد هزيمة السوفييت، وعدم التواجد العسكري المباشر حتى لا تتكرر مأساة فيتنام.. يقع الموقف الأمريكي في أزمة البحث عن وسائل السيطرة على الموقف بعد نهاية المعارك، وذلك من خلال حكم أفغاني يمثل جميع الفرقاء السياسيين والقبليين ويدين بالولاء لواشنطن، ومن خلال برنامج لإعادة بناء أفغانستان بعد تدميرها، ومن خلال توافق بين الدول الأساسية في المنطقة وفي مقدمتها باكستان وإيران وروسيا والصين والهند والجمهوريات الآسيوية في آسيا الوسطى، وهي مهمة - إذا لم تكن مستحيلة - فهي في غاية الصعوبة. وربما يكون المأزق الأمريكي في البحث عن السيناريو الملائم لأفغانستان من وراء التباطؤ في الضربة العسكرية الذي جعل الرأي العام الأمريكي يتململ وتنتابه المخاوف من فشل جديد يعصف بالهيبة الأمريكية، وجعل الخبراء يواصلون الحديث عن غياب الرؤية السياسية لدى الإدارة الأمريكية وانطلاقها إلى حرب لم تحدد لها هدفاً!وقد يكون ذلك صحيحاً، وقد يكون العكس هو الصحيح، والتباطؤ مطلوب لكي تترك الحرب آثارها على دول المنطقة وخاصة باكستان التي قد تكون هي - وليست أفغانستان - الهدف الرئيسي للضربة الأمريكية، فكلما طال أمد الحرب ساء وضع السلطة في باكستان، واشتدت المواجهة بين الجنرال مشرف والمعارضة الاسلامية من جانب، وبينه وبين جنرالات الجيش من جانب آخر وقد يكون دفع الأمور إلى مزيد من المواجهة والصدام وربما الانقلاب، فرصة لأمريكا لكي تضع يدها على البرنامج النووي الباكستاني، والخلاص من خطر القنبلة التي أسموها ب«القنبلة الإسلامية».. مع التأكيد الأمريكي بالطبع على أن ذلك سيتم لحماية الإسلام ورعاية المسلمين!! جلال عارف