لقد استطاعت الآلة الحربية الأمريكية المتطورة أن تحطم القدرات الدفاعية لحكومة طالبان ـ كما هو متوقع ـ وأن تدمر كل الأهداف التي قصدت تدميرها، مثل المطارات والمنشآت الحربية ومحطة البث الإذاعي والطرق ونحوها. ويبدو أنها قادرة أيضاً على استهداف وملاحقة وتدمير المجموعات المقاتلة في داخل أفغانستان وإقصائها بصورة كاملة عن كل موقع استراتيجي، وإخراجها نهائياً عن المسرح السياسي والعسكري. ولكن يبقى السؤال الكبير: هل أن ما تريده الإدارة الامريكية هو «التحطيم الكامل» لحركة طالبان؟ وإذا حطمت طالبان، وصفت كل عناصرها العسكرية والسياسية، أليس من المحتمل أن تجد الادارة الأمريكية نفسها في حاجة إلى شكل من أشكال التعاون مع بعض العناصر ذات الصلة بالحركة ؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نراجع مقالاً سابقاً لوزير الدفاع الأمريكي (نيويورك تايمز، 27 سبتمبر الماضي) عن طبيعة الحرب الجديدة التي تشنها الولايات المتحدة الآن ضد الارهاب، حيث يقول إنها حرب تعتمد على التحالفات المتحركة التي تتغير من حين لآخر وفقاً لطبيعة المرحلة، وهي تحالفات أدوار، تبدأ ببداية دور محدود وتنتهي عند نهايته. وهذا يعني ـ ضمن أشياء أخرى ـ انه اذا حطمت القيادة الحالية لحركة طالبان فإن هناك «دوراً» جديداً في داخل أفغانستان لا يمكن ان تقوم به القوات العسكرية الامريكية وحدها حيث انها لا تريد ان تتورط في احتلال عسكري مباشر ـ كما فعل الاتحاد السوفييتي من قبل ـ كما لا يمكن لقوات التحالف الشمالي أن تقوم بذلك الدور، وذلك بسبب خلفياتها العرقية (الأوزبك والطاجيك) وضآلتها العددية التي لا تمكنها من تكوين حكومة بديلة فوق رؤوس البشتون الذين يمثلون أكثرية الشعب الأفغاني. ليس هناك إذن غير احتمالين: الاحتمال الأول: أن يوكل تشكيل حكومة بديلة إلى الأمم المتحدة. وهذا احتمال ممكن الحدوث كإجراء مؤقت، حيث تستدعى قوات من الأمم المتحدة لحفظ الأمن والنظام، ولإيصال الإغاثة الى اللاجئين، وللإشراف على تشكيل حكومة بديلة تُمثل فيها فصائل الشعب الأفغاني بتنوعها العرقي والأيديولوجي. وبرغم وجاهة هذا التصور ومعقوليته إلا أنه قد يفتح باباً واسعاً من المساومات والضغوط التي لا يمكن احتمالها من قبل باكستان ـ خاصة الضغوط التي ستأتي من قبل الهند وروسيا وربما إيران. كما أن الولايات المتحدة قد لا تجد نفسها هي الأخرى متحمسة لوضع كل الأوراق على طاولة الأمم المتحدة، برغم أن الولايات المتحدة هي أول دولة تعطي الضوء الأخضر للأمم المتحدة لتسير في هذا الاتجاه، وبرغم تصريحات الرئيس الأمريكي السابقة بأنه لن يكون معنياً بعملية «إعادة بناء الدولة» في أفغانستان في مرحلة ما بعد الحرب. فإن كثيراً من القرائن تشير الى ان الولايات المتحدة قد تتخلى عن فكرة «الانسحاب» من أفغانستان، مما يدفع بالاحتمال الثاني الى الصدارة. الاحتمال الثاني: أن يوكل تشكيل حكومة بديلة في أفغانستان إلى وكالتي المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الباكستانية، ويترجح هذا الاحتمال على غيره من احتمالات وذلك للأسباب التالية: علاقة استراتيجية مع باكستان انه سيعزز التغلغل الأمريكي في باكستان ـ وهو هدف استراتيجي يعلو على الوجود في أفغانستان، إذ أن الولايات المتحدة تريد أن تؤسس علاقة استراتيجية طويلة المدى مع باكستان، يتم فيها من ناحية استيعاب المؤسسة العسكرية الباكستانية والهيمنة عليها، كما يتم فيها من ناحية أخرى الاستيلاء على ما لديها من خبرات ومعلومات في تأسيس وتدعيم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في مواجهة ما تسميه أمريكا بـ «الخلايا الارهابية» المنتشرة على طول العالم الإسلامي وعرضه ويهدد أمنها الداخلي فضلاً عن مصالحها الخارجية. فكأن الوسيلة الأساسية للقضاء على الارهاب في نظر مهندسي الاستراتيجية الأمريكية هي الاستيلاء غير المباشر على باكستان. على أن هذا الأمر يقضي الإقرار بأن لباكستان مصالح حيوية في أفغانستان لن تتحقق إلا في وجود حكومة ترضى عنها باكستان. وذلك لأن باكستان في إطار صراعها المستمر مع الهند ترى أنه من الأهمية بمكان أن تجعل افغانستان عمقاً استراتيجياً، لها، وذلك لما تتمتع به افغانستان من امتداد جغرافي ومواقع دفاعية طبيعية وشعب متعاطف. (علماً بأن مفهوم العمق الاستراتيجي الجغرافي لم يعد ذا أهمية قصوى في عصر الأسلحة النووية التي تمتلكها كل من الهند وباكستان). وعلاوة على الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان في اطار الصراع الهندي ـ الباكستاني، فإن لافغانستان أهمية أخرى تتعلق بالأمور السياسية والعسكرية في داخل باكستان، فمن المعلوم أن قبائل البشتون التي يرتكز عليها نظام طالبان هي ذات القبائل التي تشكل 25% من الجيش الباكستاني، فإذا حطمت قوى البشتون في أفغانستان، وخلصت الساحة إلى قوات التحالف الشمالي أو إلى قوات الأمم المتحدة فإن ذلك سيعد خسارة فادحة لحكومة باكستان، وذلك من ناحيتين: الناحية الأولى انها تكون قد ضحّت بنظام طالبان الذي سهرت على إقامته ودعمه سنوات طويلة دون أن تضمن لها حليفاً جديداً في النظام البديل، والناحية الثانية انها تكون قد ضحّت بقبائل البشتون التي تشكّل شريحة كبيرة في داخل الجيش الباكستاني، وتجد تعاطفاً قومياً وأيديولوجياً في داخل المجتمع الباكستاني. من خانة التحطيم إلى خانة التعاون إذن فهناك من الأسباب ما يجعل الولايات المتحدة تتحول من خانة «التحطيم الكامل» لطالبان إلى خانة «التعاون» مع بعض العناصر «المعتدلة» في داخل طالبان. ولا أحد بالطبع يستطيع أن يتعرف على العناصر «المعتدلة» في داخل طالبان أكثر من المخابرات الباكستانية، فهي تستطيع عن طريق الترهيب والترغيب أن تستميل بعض الزعامات القبلية والقيادات العسكرية، وتستطيع أن تشكّل مجلساً جديداً للشورى وأن تختار قيادة بديلة وتمدها بأسباب البقاء العسكري والأمني ـ كما كانت تفعل من قبل. فهذا أمر لا تعجز عنه، بل ان هناك من المعلومات ما يفيد بأن حكومة طالبان ذاتها تسعى للاتصال بقلب الدين حكمتيار في إيران وإقناعه بتشكيل حكومة بديلة، اتباعاً للحكمة القائلة بأنه «إذا كنت مأكولاً فكن أنت آكلي». فإذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، فسيكون من الممكن أن نرى حكومة وطنية جديدة في افغانستان تتكون من بعض زعامات البشتون (ذات الصلة بالعناصر المعتدلة في طالبان)، ومن بعض عناصر التحالف الشمالي، ومن بعض وزراء الحكومات السابقة لحكومة طالبان. ولكن قد لا يتم الأمر بهذه الصيغة المريحة لباكستان إلا إذا رفعت يدها عن المسألة الكشميرية، التي تمثل قلقاً كبيراً بالنسبة للهند وللولايات المتحدة. إذ أنه من المؤكد ان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تسير مع باكستان إلى نهاية المشوار دون التفات الى احتجاجات الهند، بل من المؤكد ان تحاول إقناع باكستان بأن تفعل بالمقاومة الكشميرية ما فعلته مع حركة طالبان، فإذا صحت هذه التقديرات فإن مسرح العمليات القادمة سيكون في كشمير. بقلم: د. التيجاني عبدالقادر ـ فرجينيا ـ الولايات المتحدة