ثمة من يعتقد جازماً ان الأمريكيين كانوا يعدون العدة للحرب ضد طالبان وتغيير النظام السياسي الحاكم في أفغانستان بل وإعادة تشكيل الدولة الأفغانية بما يتناسب وتوجهات العولمة على الطريقة الأمريكية حتى لو لم تقع حوادث 11 سبتمبر المأساوية المروعة. ويستدلون في ذلك على وقائع وعوامل عديدة أهمها ما يلي: أولاً: الفشل المتكرر للسياسة الأمريكية بشأن ايجاد تفاهم ما بين الادارة الأمريكية وحكومة طالبان وحليفتها باكستان على مدى عمر طالبان قبل حوادث 11 سبتمبر، الامر الذي دفع الأمريكيين إلى قطع مباحثاتهم التي كانت مع الطرفين آنفي الذكر قبل أشهر من حوادث سبتمبر وتهديد طالبان بالحرب رسمياً بحضور مندوبين عن باكستان وايران كما كشفت احدى القنوات الفرنسية التلفزيونية المعروفة والتي نقلت ذلك على لسان سفير أمريكي سابق ووزير باكستاني سابق شاركا في برنامج اذيع بعد حوادث سبتمبر، واللذين اكدا ان هذه المباحثات كانت تجري في ألمانيا، وأغلب الاعتقاد انها ربما كانت تجري في اطار صيغة 6 + 2 التي كان العالم قد اتفق عليها كمحاولة لحل أزمة الفصائل الأفغانية المتقاتلة والمتنازعة على الحكم في أفغانستان قبل تفجر الاوضاع بشكل جديد بعد 11 سبتمبر الماضي. الحلفاء الجدد ثانياً: الحاجة المتزايدة للأمريكيين بشكل خاص والغربيين عموماً بمن فيهم اليابان كمستهلك أساسي لنفط الشرق الأوسط لبدائل لهذه المادة الاستراتيجية في الصناعة غير منابع الخليج والشرق الأوسط بسبب التقارير المؤكدة التي تقول بانخفاض احتياطي بحر الشمال والأمريكتين مما يعزز حدة التنافس على منابع الشرق الأوسط والخليج للطاقة ويفترض تنامي الحاجة إلى اكتشاف استخراج منابع آسيا الوسطى والقوقاز على بحر الخزر أو بحر قزوين أو مازندران، وهو البحر الذي يطل عليه خصوم طالبان وحلفاء أمريكا الجدد في حربها على أفغانستان ما عدا ايران حيث تشكل الدولة الوحيدة من هذه المجموعة التي حاولت ولا تزال السير في حقول ألغام ما تسميه «الحياد الفعال» في هذه الحرب كما سيرد ذكره. وتسعى الادارة الأمريكية منذ انفكاك حلفها أو ائتلافها ـ إذا أردنا الدقة ـ الخفي مع حركة طالبان إلى اعادة النظر في شكل الدولة الأفغانية اصلاً على المدى البعيد بعد القضاء على حركة طالبان في اطار خطة اعادة ترتيب التوازن الاستراتيجي في منطقة اورا آسيا، لا سيما بعد حوادث نيويورك وواشنطن وتوفر الفرصة التاريخية الذهبية للخطة الأمريكية، أو المخطط الأمريكي القائم على ما يمكن تسميته بخليج الطاقة الجديد، أي خليج «الخزر». وفي هذا السياق ستسعى واشنطن الى التمهيد لشكل الدولة الأفغانية الجديدة انطلاقاً من قاعدة توفير الظروف لقيام حكومة ليبرالية ـ تكنوقراطية في أفغانستان تتمثل فيها مختلف الاعراق والمذاهب الأفغانية المتوزعة اليوم في اطار احزاب وفصائل مقاتلة، لتكون هذه الحكومة بمثابة الحليف الاستراتيجي لأمريكا في توجهاتها لآسيا عموماً وبحر قزوين بشكل خاص. حصان طروادة ويعتقد المحللون الذين يميلون لهذه النظرية ان الأمريكيين سوف يستخدمون ظاهر شاه الملك العجوز وكذلك تحالف الشمال كحصان طروادة سياسي ـ عسكري مؤقت سرعان ما يتم تجاوزهما والانقلاب عليهما في حال تحققت الاهداف العسكرية والمخابراتية والأمنية الأمريكية في حربها ضد ابن لادن وجماعة القاعدة وطالبان. وان باكستان ستبقى الحليف القوي لأمريكا في زمن ما بعد طالبان وبعد تحالف الشمال وبعد ظاهر شاه أي في حكومة التكنوقراط الليبراليين الكامنة في احشاء التحالف الهش لظاهر شاه مع الشمال وجماعة معتدلة من البشتون. من جهتها فإن ايران التي تتابع بحذر وقلق التطورات المتلاحقة على الساحة الأفغانية بعد حوادث 11 سبتمبر الماضي، لا تريد حسم موقفها لصالح أية جهة أفغانية ولا إقليمية ولا دولية نتيجة لخبرتها ومعرفتها الدقيقة والعميقة بالشعب الأفغاني من جهة ولتجربتها وخبرتها في حربي الخليج الأولى والثانية من جهة أخرى، فهي كما تفاعلت بحذر مع المشروع الأمريكي لمكافحة الارهاب العالمي تتفاعل أيضاً وبحذر شديد كذلك مع أي مشروع لتشكيل حكومة مستقبلية لأفغانستان دون أن تحقق أمرين أولهما ألا تكون معادية لطهران وألا تكون سبباً لزعزعة الاستقرار والتوازن الاستراتيجي في المنطقة. روسيا والهند اللتان تتفقان مع ايران في هذه النظرة تختلفان مع طهران وتقتربان بذلك من أمريكا فيما يخص ضرورة القضاء على كافة فصائل الجهاد الأفغاني وفي طليعتها طالبان وتحجيم الحليف الباكستاني وجرّ الأمريكيين إلى المستنقع الأفغاني ليتسنى للطرفين الدخول في ائتلاف دولي مع واشنطن تكون فيه الولايات المتحدة متكافئة الفرص معهما في المنطقة. لعبة الشطرنج من جهتها فإن الصين البعيدة لكنها القريبة أيضاً من الزمن الأفغاني ترى نفسها هي الأخرى في صميم المعركة الدائرة حول التوازن الاستراتيجي الاقليمي بعد حوادث سبتمبر الماضية، حيث لم يعد بالإمكان ان تبقى ناظرة على الحدث الأفغاني من بعيد. الأمريكيون الذين «نصبوا» خيمتهم عملياً وسط ثلاثة مليارات نسمة وهم المليار الصيني والمليار الهندي والمليار المسلم يبحثون امكانية احتواء هذه القوى الاقليمية «العظمى» مجتمعة وتوسيع رقعة نفوذهم العولمية في منطقة اورا آسيا الغنية كما أسلفنا ببدائل منابع النفط والغاز والمعادن الأخرى. لعبة الشطرنج الدائرة في أفغانستان حتى قبل حوادث 11 سبتمبر ودخول الأمريكيين بقوة على الخط بعد تلك الحوادث المأساوية جعلت أفغانستان أكثر أهمية في هذه اللعبة الاقليمية والدولية لصراع النفوذ. فإيران التي فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في اخضاعها أو احتوائها تحت المظلة الأمريكية كانت ولا تزال بنظر العديد من المحللين الاستراتيجيين الطريق الأقصر والأقل كلفة والأكثر أمناً لانتقال الطاقة من بحر الخزر وآسيا الوسطى والقوقاز إلى المياه الدولية الدافئة، تسعى كل من أوروبا وآسيا وكذلك اليابان والصين إلى الدخول في علاقات اقتصادية ـ سياسية ـ استراتيجية متوازنة لضمان حصتها ومستقبلها في نفط وغاز بحر الخزر وأيضاً في منابع الطاقة التقليدية في الخليج وهذا الأمر بحد ذاته يجعل لعبة الشطرنج في أفغانستان اكثر تعقيداً، خاصة اذا ما علمنا ان الأمريكيين حاولوا حتى قبل 11 سبتمبر ولا يزالون استخدام أفغانستان طريقاً بديلاً لانتقال النفط والغاز الآسيوي ـ القوقازي إلى المياه الدولية الدافئة وبالتعاون مع باكستان الحليفة التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية. التركيبة العرقية والاثنية والمذهبية الشديدة التعقيد في أفغانستان التي تتشكل من نحو 17 عرقية أو اثنية اهمها البشتون والطاجيك والهزارة والأوزبك والتركمان والبلوش مع خصوصيات الثقافتين الفارسية والهندية والتوزع المذهبي السني والشيعي والتي ظهرت وبرزت وتبلورت بعد سقوط المركزية الملكية عملياً بدأت هي الأخرى تلعب دوراً سلبياً في إذكاء التنافس والصراع الاقليمي على أفغانستان. كما أن عشر سنوات من التنافس والتحارب والاقتتال بين فصائل الجهاد الأفغاني والذي ذهب البعض إلى تسميتهم بفصائل الدمار الشامل جعل هو الآخر من أفغانستان بلداً فقيراً وخرباً غير قادر على مقاومة تداعيات وتفاعلات صراع النفوذ. نورستان وهو الاسم الغابر لأفغانستان هي اليوم أمام امتحان كبير وبحاجة إلى أكثر من أي وقت مضى لزعامات وطنية شريفة ومخلصة لأفغانستان كأفغانستان أي أفغانستان من أجل أفغانستان وليس من أجل الآخرين، أفغانستان الشعب وحاجات التنمية السكانية الشاملة وليس أفغانستان الدور الإقليمي أو الدولي. بقلم: محمد صادق الحسيني ـ محلل سياسي إيراني