العالم في حالة تحول مستمر تصاعد ايقاعه بعد احداث نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر وهي الاحداث التي تمددت آثارها المدمرة الى كل أطراف الأرض وعدا ووعيداً بأن هناك معسكرين لا ثالث لهما ـ المعسكر المتحالف مع أمريكا ضد الارهاب حسب تعريفها، أما المعسكر الثاني فيضم كل من يبقى خارج هذه الدائرة أياً كانت أسبابه فهو مصنف مسبقاً داعماً وراعياً للارهاب والمعادلة بسيطة وواضحة طرحها الرئيس بوش معنا أو مع الارهاب «العبارة مستقاة من مقولة جون فوستر دالس وزير خارجية أمريكا» في ادارة الرئيس ايزنهاور، من ليس معنا فهو ضدنا، طرحها بعد احداث 11 سبتمبر اعادة جدل قديم حول السياسة الخارجية الأمريكية وأهدافها هل هي واقعية أم مثالية؟ بعد الحرب العالمية الأولى كانت للسياسة الأمريكية نزعة مثالية عبر عنها الرئيس وودرو ويلسون الذي شهد عهده اعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية على أساس القيم أكثر من المصالح، فالمثالية عند ويلسون خضوع الأهداف المادية للمعايير الأخلاقية السامية والتعظيم من شأن الأهداف المعنوية وهو الذي قال بعد الحرب العالمية الثانية «انه لا يمكن الحفاظ على السلام الا في اطار علاقات المشاركة بين النظم الديمقراطية فليست هناك حكومة اتوقراطية أو ديكتاتورية يمكن الوثوق بها في ان تحفظ سلاماً وكان لعبارة ويلسون اثر بعيد في تشكيل تقاليد الدبلوماسية الأمريكية، وهو ما يفسر الاهتمام الذي أولته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية من أجل جعل اليابان وألمانيا أكثر ديمقراطية فقد نظر الرئيس ترومان الى الحربين العالميتين على انهما كانتا نتاجا لتزايد نفوذ دول تتسم بطابع تسلطي وشمولي، دول يسهل فيها اتخاذ القرارات المؤدية الى الحرب، النزعة المثالية هنا تعني ان أفضل وسيلة لترشيد النظم السياسية ودعم الاتجاهات العقلانية هي الديمقراطية التي فيها القرار يعتبر معقداً ومراقباً مما يصعب تعبئة المجتمعات واعلان الحروب، المجتمعات الديمقراطية تدير صراعها وتفاعلاتها السياسية سلمياً ـ أكد الرئيس ترومان هذا المعنى بقوله «زيادة رقعة الديمقراطيات في العالم يجعله أقل ميلاً للحرب وأكثر سعياً من أجل تحقيق التقدم والرفاهية وفي فترة الحرب الباردة كان أبرز المدافعين عن هذه النزعة المثالية السيناتور وليم فولبرابت صاحب الكتابين الشهيرين «غطرسة القوة» و«ثمن الامبراطورية» انتقد فولبرايت مبدأ السياسات القائمة على القوة والهادفة الى التوسع ذي الطابع الامبراطوري في المقابل هناك تيار آخر انتقد النزعة المثالية وهو الذي يطالب بسياسة خارجية واقعية تعطي الأولوية للمصالح القومية العليا في الخارج ويرى هذا التيار ان الحماس الأمريكي لنشر الديمقراطية في العالم يغلب الرؤية الأخلاقية التي تجهل واقع السياسة الدولية وقواعدها إبرز رموز هذا التيار هنري كيسنجر الذي حذر مما أسماهم بالزخم المثالي أو «الويلسونية الجديدة» للسياسة الأمريكية. السودان وأمريكا الولايات المتحدة تريد إعادة صياغة العالم، والعملية لن تقف في أفغانستان التي دمرت نفسها بنفسها ثم جاءت أمريكا وأزالت من على وجه الأرض ما تبقى من اطلال بل سوف تمد آثارها إلى دول أخرى أهمها البلاد الاسلامية والعربية والسودان بحكم موقعه المفصلي عربياً وافريقياً واسلامياً قد أصبح في دائرة الاهتمام الأمريكي. مصالح أمريكا في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا دفعتها للتواجد في الخليج والحديث عن الشراكة الأمريكية ـ الأفريقية والضغط على العرب لكي يطبعوا علاقاتهم مع اسرائيل تحت مظلة الشرق أوسطية تواجه تحديات كثيرة ومتنوعة، أما بالنسبة للسودان فقد زاد الاهتمام به بعد التحولات التي حدثت في منطقة القرن الأفريقي ـ هزيمة نظام منجستو وانفصال اريتريا وقيام نظام سياسي جديد في كل من أثيوبيا واربتريا ساهمت الولايات المتحدة في وجودهما، أحداث الصومال والصدمة التي أحدثتها المعاملة غير الكريمة للعسكريين الأمريكيين من قبل الصوماليين ـ الانقلاب على الحكومة المنتخبة في الخرطوم والاعلان عن نظام جديد له توجه اسلامي وهو الذي فتح أبواب السودان في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي للجماعات المتطرفة والمطاردة من حكوماتها وكون لها آلية للتنسيق والمتابعة «المؤتمر الشعبي الاسلامي» الصراعات البينية واندلاع الحرب بين اريتريا واثيوبيا وحرب البحيرات العظمى ودخول دول كثيرة من جنوب ووسط وشرق افريقيا كأطراف فيها. كل هذه الأحداث أدت إلى تعثر السياسات الأمريكية في المنطقة وأجلن مشاريع صياغة القرن الأفريقي الكبير عوامل أخرى أدت إلى أن تضع أمريكا السودان في دائرة الضوء منها: 1ـ التصعيد الذي حدث للحرب الأهلية واتساع دائرة انتشارها أفقياً لتشمل مناطق أخرى غير جنوب السودان. 2ـ الآثار المدمرة لهذه الحرب على الإنسان والبنيات التحتية والموارد الطبيعية. 3ـ الضغوط المستمرة على الحكومة الأمريكية من منظمات المجتمع المدني والكونجرس والدعوة لايقاف الحرب لأسباب انسانية. 4ـ الاتهامات الموجهة لحكومة السودان وهي المصنفة أمريكيا ضمن الدول الراعية والداعمة للارهاب. 5ـ التوجه العام في كل أنحاء العالم نحو السلام والديمقراطية وحل القضايا سلمياً. 6ـ التعامل الأكثر أهمية هو البترول والبترول محور المصالح الأمريكية، في بلاد كثيرة وضاعف من أهمية هذه السلعة في السودان ظهور الصين وهي المنافس الخطير لأمريكا بعد تراجع الدور الروسي، فالوجود الضيق في السودان وامكانية تمدده في العمق الأفريقي شكل هاجساً جديداً للإدارة الأمريكية التي حاولت بشتى الطرق ايقاف عمليات استخراج البترول بالضغط على تلسمان وهي الشركة الكندية المساهمة مع شركات أخرى ماليزية وسويدية وصينية في عمليات انتاج البترول في السودان، الآن تسعى أمريكا لاحداث تحول ما في المنطقة يحقق الاستقرار فيها وهي المرشحة مستقبلا لتواجد عسكري أمريكي مكثف يمكن الولايات المتحدة من سحب قواتها من الجزيرة العربية نسبة للمصاعب العملية التي واجهتها في مجتمعات محافظة ونقلها إلى مواقع جديدة في القرن الأفريقي لقربه من مناطق البترول في الخليج. السودان مصنف أمريكيا بأنه دولة راعية وداعمة للارهاب والتوجه الامريكي بعد الأحداث الدامية في نيويورك وواشنطن واضحة، وربما حدث قدر ما من التفاهم عبرت عنه الولايات المتحدة بعدم الاعتراض على قرار رفع العقوبات الصادر من مجلس الأمن ولكنها لم تتراجع عن قرارها الخاص بالعقوبات المطبقة من جانبها، الامتناع عن التصويت وان فسر بأنه خطوة للأمام تبعته تصريحات سالبة بالنسبة للسودان وهي اشارة خفية بأن هناك الكثير الذي لم يفصح عنه!! استراتيجية امريكا تجاه الإرهاب يمكن تلخيصها في محاصرته وتجفيف منابعة بمعنى مصادرة أمواله وحرمانه من الاستقرار ومن البلاد التي يمكن ان تقبله اضافة إلى ضرب الدول التي توفر له المكان. بالنسبة للسودان سوف تضع الإدارة الأمريكية سياسة العصا والجذرة فهي مع تهديداتها المتكررة اعلنت عن زيارة للمبعوث الامريكي الخاص بالسودان سوف تتم في الاسابيع المقبلة إلى كل من القاهرة، نيروبي، والخرطوم وفي الافق حديث عن تعديل محتمل لمبادرة الايجاد يتم بموجبه توسيع اجندتها وادخال المعارضة الشمالية واعطاء مصر دور فيها على ان يتحول مركز التحرك في الايجاد المعدلة من افريقيا إلى أوروبا، وربما المانيا تحديداً وهي البديل للدور الكيني الذي بدأ يفقد مقوماته بعد ان تعثرت مبادرة الايجاد. السودان في مفترق الطرق والقوى الاجتماعية فيه مشغولة باجندتها الحزبية وبمحاولة فرضها، لهذا تعددت المبادرات وتنوعت واصبح السودان سوقاً رائجة لها. عشرات المبادرات ومن دول لم يعرف لها من قبل دور اقليمي او عالمي، لقد اصبح السودان بسبب ضعف الارادة السياسية عند ابنائه موضوعا لها، المهم بالنسبة للنخبة اعادة ترتيب الاوراق وقراءة الواقع من جديد، فالعالم اليوم بعد 11 سبتمبر سوف تحكمه معايير جديدة، والسودان بعد ان وضع في دائرة الضوء سوف يتأثر اكثر بتبعاتها. حزب الأمة وتحديات المرحلة حزب الأمة حزب سياسي يجيد استخدام أدوات العمل السياسي اما العمل العسكري فهو الاستثناء الذي فرضه النظام بتوجهه الاحادي واساليبه الاستئصالية لذلك عندما تمت عودة كوادر الحزب للداخل وهي التي تمت بقرار من مؤسساته اختلف الناس وتباروا في تفسيرها فمنهم من قال انها صفقة ومقدمات لتحالفات جديدة حددوا معالمها وسموا اطرافها اما الآن بعد ان تأكد للجميع ان الارضية التي استند عليها حزب الأمة في تحركه هي الحل السياسي الشامل بجناحيه السلام العادل والتحرك الديمقراطي، وهو أي حزب الأمة في تحركه المسئول للحوار مع الجميع ليس له الا هدف واحد وهو تحقيق تطلعات الشعب السوداني المشروعة في اقرب وقت وبأقل تكاليف، لهذا يدعو الحزب جميع الاطراف إلى مراجعة مواقفها مراجعة نقدية والعمل بروح جديدة تفادياً لأي مفاجأة قد تحدث في بلد أصبح امره في اياد عديدة تتبادله وتتلاعب بمصيره، وابناؤه في حيرة من أمرهم يقفون على جانبي الطريق في انتظار ما تفرزه المبادرات وهي كثيرة ومتعارضة لتناقض مصالح اطرافها. الايجاد الايجاد مبادرة اقليمية تبنتها دول لها مصالح مشتركة مع السودان ولكن في الايجاد عيوب لم تتمكن دولها من معالجتها في مقدمتها اهتمامها بقضية الحرب في الجنوب ولكن الحرب الان توسعت دائرة انتشارها وتنوعت الفصائل المشاركة فيها والحرب نتيجة لم تأت من فراغ وللحرب اسبابها، ومعالجتها تعتمد في المقام الأول على إزالة هذه الأسباب، بفتح الأبواب أمام الاطراف لمشاركة حقيقية في السلطة والثروة لم تقف سلبيات الايجاد عند هذه النقطة فهي لم تعترف حتى هذه اللحظة بالمعارضة الشمالية، واعطت فصيلين فقط هما الحكومة والحركة الشعبية حق الفيتو لتقرير مصير السودان! كيف يستقيم عقلا ان تقف الأحزاب السودانية الكبيرة خارج القاعات في انتظار ما تقرره الايجاد وشركاؤها بالشأن السوداني. المبادرة المشتركة المبادرة المصرية الليبية لها ايجابيات أهمها انها شملت كل الاطراف بل شاركت هذه الاطراف في وضع مفرداتها عبر اللقاءات العديدة التي تمت بينهما وبين دولتي المبادرة ولكنها هي أيضاً لا تخلو من سلبيات، لهذا فان دعوة حزب الأمة في حواره مع فصائل التجمع اعتمدت على: السعي جماعياً لتكملة جوانب النقص فيها وهي: 1ـ أهمية تضمين مبدأ تقرير المصير وفقاً للاسس التي حددها مؤتمر أسمرة للقضايا المصيرية بمعنى ان تقتنع دولتا المبادرة بأن تقرير المصير هنا شرط جزائي وهو مرتبط بفترة انتقالية يتم فيها معالجة كل القضايا المطروحة معالجة جذرية وترمم فيها جسور الثقة بين الشمال والجنوب بعدها يمكن للجنوبيين الاختياريين الوحدة مع الشمال أو الانفصال عنه، في حالة نجاح الفترة الانتقالية هناك التزام من الفصائل الجنوبية بالوقوف إلى جانب الوحدة. 2 ـ قضية اخرى أهملتها المبادرة المشتركة وهي مدخل لاستقطاب خطير ان لم تعالج خاصة وان السودان دولة مفصلية في افريقيا وهو الدولة الوحيدة الرابطة بين العرب والافارقة بشرا وارضا، القضية هي أهمية اشراك جيران السودان في القرن الافريقي ـ كينيا ـ اوغندا ـ اريتريا ـ اثيوبيا اضافة إلى دول اخرى لها وزنها الاقليمي واهتمت بالشأن السوداني ـ المملكة العربية السعودية ـ دولة الامارات العربية المتحدة ـ جنوب افريقيا ـ نيجيريا. ايجابية اخرى للايجاد يجب ان تصطحبها المشتركة معها وهي اعطاء دور للأسرة الدولية «شركاء الايجاد» هذه الدول اهتمت بالعون الانساني وقدمت مساعدات للمتأثرين بالحرب وهي بحكم وزنها الدولي تشكل الضامن الموثوق به بالنسبة لابناء جنوب السودان لاي اتفاق مستقبلي وهي أيضاً لارتباطها بالجنوب سوف تساهم في عمليات التعمير فيه بعد ايقاف الحرب. معالجة النقص في المشتركة باضافة ايجابيات الايجاد لها بشكل معادلة جديدة متوازنة ومقبولة وقابلة للتنفيذ وتجاوز كل العوائق. لقاء ابوجا من اخطاء المعارضة والحكومة اهمالهما للبعد الافريقي للسودان في الجهد السياسي ولباقي المبادرات، والحركة الشعبية في المعارضة هي التي تولت ملف الدول الافريقية ووزراء الحكومة من الجنوبيين هم حملة الرسائل وقنوات التواصل مع هذه الدول، لذلك نجد ان الفكرة السائدة في كل افريقيا جنوب الصحراء هي وجود صراع ديني وعرقي في السودان بين العرب والافارقة للاسف اثرت هذه الثنائية مسلمين وغير مسلمين عرب وغير عرب ـ في نظرة دول كثيرة للسودان بما فيها بعض الدول العربية مما ساعد في حدة الاستقطاب بين الشمال والجنوب رغم ان القضية لم تكن يوما قضية دينية وان اعطتها بعض التصرفات غير المسئولة بعدا دينيا القضية سياسة ويمكن علاجها بأدوات سياسة وهي ليست كما تعكسها وسائل الإعلام صراع شمالي جنوبي، فالحركة الشعبية كمثال تضم اعداداً كثيرة من الشماليين في صفوفها المقاتلة وفي مواقع قيادية حساسة والحكومة فيها وزراء من الجنوب وفي القوات المسلحة السودانية جنرالات من الجنوب يحاربون الجيش الشعبي لتحرير السودان. الأزمة السودانية ليست بسيطة ومحاولة اختزالها يعد واحداً من العوامل التي أضرت بها ـ معالجتها تستوجب التعمق فيها والتحرك بمسئولية وحذر تفاديا لأي حساسيات قد تتحول الى عوائق، لهذا نرى من الواجب الترحيب بالمسعى النيجيري لأهمية نيجيريا كدولة اقليمية كبرى ولارتباطها بالسودان، ففي السودان ملايين من المواطنين أصولهم من تلك الديار، ونيجيريا ايضا مواجهة لتحديات مماثلة نفس الثنائيات مكررة هناك الشمال والجنوب ـ المسلمين والمسيحيين، تبادل الحكم بين حكومات مدنية وعسكرية، ربما تحفظ البعض على الدور النيجيري ولكن مصلحة السودان في الا تعطي الدول المهتمة بالشأن السوداني فرصة الاختلاف حول ما يمكن عمله لحل القضية السودانية لتعارض مصالحها بمعنى أن يكون الأصل في التحرك ومنبع القرار سودانياً.