لعل أهم ملامح الخطاب السياسي لمجلس الأمة الكويتي تجاه العراق تتلخص في البيانات الصادرة عن المجلس، حيث أصدر مجلس الأمة بيانًا في 23 يناير 2001 يدين فيه تصريحات للمجلس الوطني العراقي الداعية إلى ضم دولة الكويت ضمن خارطة العراق، حيث أكد آنذاك أن هذه الدعوة تمثل انتهاكًا صارخًا لقرارات مجلس الأمن لا سيما القرار 833 الذي قبله العراق عبر كل مؤسساته الدستورية. هذا خلاف الرسائل التي وجهها رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي خلال فترة التصعيد العراقي إلى كل من رئيس الاتحاد البرلماني العربي ورئيس الاتحاد البرلماني للدول الإسلامية يندد من خلالها بالسلوك العراقي ويطالب البرلمانات العربية والإسلامية بالتدخل لوقف هذا السلوك. ثانيًا: ندوة مستقبل العلاقات الكويتية ـ العراقية: تعد هذه الندوة من أهم الندوات التي عقدها مجلس الأمة خلال فترة الدراسة، بل تعد أهم أنشطته خلال عام 2000 ذلك لما أحدثته من صدى عربي ودولي أثبت الكويتيون من خلاله استعدادهم الاستماع إلى كل الأفكار والآراء دون تصلب أو اتخاذ أفكار مسبقة. وقد انقسمت هذه الندوة التي نظمتها لجنة الشئون الخارجية بمجلس الأمة في مايو 2000 إلى ست جلسات رئيسية بحيث خصصت الجلسة الأولى لبحث تجارب حل النزاعات وإدارة الأزمات وإجراءات بناء الثقة من خلال استقراء تجارب المجتمعات الأخرى وإسقاطها على الحالة الكويتية ـ العراقية، بالإضافة لبحث مستقبل العراق، أما الجلسة الثانية فكان عنوانها «كيف ترى الكويت قدراتها وكيف ترى العراق» وتتضمن ورقة مقدمة من وزارة الخارجية توضح فيها طبيعة وملابسات العلاقات الكويتية ـ العراقية قبل وبعد الغزو العراقي، وتناولت الجلسة الثالثة كيفية اتخاذ العراق القرار وكيف يرى العراق الكويت، أما الجلسة الرابعة فتناولت الرؤى البديلة لاحتمالات التعاون والالتقاء المستقبلي بين العراق والكويت، وقد خُصصت الجلستان الخامسة والسادسة لعقد حلقات نقاشية للتداول فيما طرح في الجلسات السابقة وإضافة أبعاد جديدة مع وضع تصورات وتوصيات للمستقبل. وزاد من أهمية ندوة مجلس الأمة عاملان: الأول: درجة التنسيق التي ظهرت خلال هذه الندوة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال مشاركة عدد من المسئولين الرسميين في فعاليات الندوة على رأسهم وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد ووزير الدولة للشئون الخارجية آنذاك سليمان ماجد الشاهين، إضافة إلى مستشار ولي العهد الشيخ ناصر الصباح، وقد عمل هؤلاء جميعًا على تمثيل الطرح الرسمي للحكومة الكويتية فيما يخص مستقبل العلاقات مع العراق من خلال إبراز المطالب الكويتية المتعلقة بالأمن والأسرى وحسن الجوار. العامل الثاني: كثافة الأطراف غير الكويتية التي حرصت على المشاركة في هذه الندوة سواء كانت رسمية كمشاركة وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم أو غير رسمية ويمثلها فصائل المعارضة العراقية وعدد من الخبراء العرب والأجانب. وهي أطراف حرصت جميعها على إثراء النقاش داخل الندوة ومن ثم خروجها بمستوى حاز تقدير كل الجهات العربية وغير العربية التي تابعت فعالياتها. ثالثاً: استقبال الوفود العربية والدولية: استقبل مجلس الأمة خلال الفترة محل الدراسة كثيرًا من الشخصيات العربية والدولية التي جاءت لدولة الكويت بهدف تقوية أواصر الصداقة والتعرف على قضاياها المهمة. فبعد أن استقبل المجلس في بداية العام رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في زيارة استمرت أربعة أيام، وفي 11 فبراير 2001 استقبل رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي نظيره الأرجنتيني رافائيل مانويل الذي قام بزيارة الكويت على رأس وفد برلماني كبير أكد فيها تأييد مجلس النواب الأرجنتيني لقضايا الكويت العادلة وعلى رأسها قضيتا الأسرى الكويتيين وغيرهم من المحتجزين في سجون العراق وإعادة الممتلكات الكويتية المسروقة، كما استقبل مجلس الأمة نائب رئيس مجلس الاتحاد لروسيا الاتحادية ورئيس مجلس الدوما لمدينة موسكو فلاديمير بلاتونوف في مارس 2001، هذا خلاف استقبال المجلس لكل من رئيس البرلمان الجامايكي فيوليت نيلسون في مايو 2001 ونائب رئيس مجلس النواب البوسني جليكو مريانتش في يونيو 2001، وأخيرًا استقبل مجلس الأمة في 16 يونيو 2001 رئيس مجلس الشعب السوري عبد القادر قدورة الذي طالب النظام العراقي بالإفراج عن الأسرى الكويتيين. رابعًا: المشاركة في الاجتماعات والمؤتمرات العربية والدولية: كان لمجلس الأمة مشاركة فاعلة في عدد كبير من المؤتمرات الإقليمية والدولية قدم من خلالها أوراق عمل متميزة وحصد نجاحات بارزة في توضيح موقف الكويت تجاه العراق وإحباط أكثر من مسعى للأخير لتشويه الحقائق وتعكير العلاقات الكويتية ـ العربية ومن أمثلة ذلك ما يلي: ـ مشاركة وفد مجلس الأمة في المؤتمر الرابع بعد المئة للاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد بجاكرتا في أكتوبر 2000 وقد تعدت المشاركة الفاعلة في نشاطات واجتماعات المؤتمر إلى وضع الوفد الكويتي برنامجًا موازيًا لأعماله عرض من خلاله قضايا الكويت العالقة مع النظام العراقي ورد على كل الاتهامات التي حاول الأخير بثها في ذلك الوقت بقصد تشويه صورة الكويت. ـ إضافة لهذا كان للوفد الكويتي نجاح بارز على مستوى المؤتمر تمثل في وصول النائب محمد الصقر إلى عضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الدولي التي تعد أعلى سلطة برلمانية دولية، وذلك بعد أن أجمعت أصوات الدول المشاركة جميعًا على ترشيحه باستثناء العراق الذي حاول الخروج عن الإجماع الدولي بترشيح مندوبه للمؤتمر الأمر الذي رفضته باقي الدول الأعضاء. ـ مشاركة مجلس الأمة في مؤتمر اتحاد البرلمانات الإسلامية الذي عقد في يوليو 2000 حيث استطاع الوفد الكويتي تفنيد مزاعم مندوب العراق الذي ادعى أن النظام العراقي نفذ 33 قرارًا دوليًا صادرًا عن مجلس الأمن متهما الكويت بمواصلة طرح قضية الأسرى في المؤتمرات الدولية بهدف إبقاء العقوبات المفروضة عليه. ـ مشاركة الوفد الكويتي في اجتماع البرلمانيين العرب المنبثق عن المؤتمر الدولي الذي عقد في نيويورك في سبتمبر الماضي، وقد حاد الوفد العراقي آنذاك عن القضية محل النقاش وهي «قضية القدس» وحمّل الكويت والسعودية مسئولية الضعف الذي بلغته الدول العربية والإسلامية، إلا أن عضو الوفد الكويتي تحرك منبها رئاسة المؤتمر إلى خروج الوفد العراقي عن الموضوع الذي من أجله عقد الاجتماع الطارئ، وطالب الرد على الادعاءات العراقية الهادفة إلى تشتيت الاجماع العربي. ـ مشاركة مجلس الأمة في المؤتمر البرلماني الدولي بعمان في مايو 2000، حيث استطاع رئيس الوفد الكويتي جاسم الخرافي إجهاض الاقتراح الذي تقدم به رئيس المجلس الوطني العراقي خلال الاجتماعات التنسيقية للوفود العربية بالمؤتمر، والذي يتضمن المطالبة بإدانة العقوبات المفروضة على العراق لما لها من تأثير على الشعب العراقي، وهنا تدخل جاسم الخرافي لتوضيح ما في هذا الاقتراح من تجاهل لمسئولية العراق عن هذه المعاناة. ـ في مؤتمر الحوار البرلماني العربي - الأفريقي الذي عقد دورته التاسعة بتونس في سبتمبر عام 2000 أثمرت جهود الوفد البرلماني الكويتي في تعريف المشاركين بقضية الأسرى بحيث صدر البيان الختامي للمؤتمر متضمنًا بندًا يدعو إلى حل هذه القضية باعتبارها قضية إنسانية بحتة. ـ وأخيرًا مشاركة وفد مجلس الأمة برئاسة جاسم الخرافي في المؤتمر البرلماني الدولي الخامس بعد المئة الذي عقد بالعاصمة الكوبية «هافاتا» في ابريل 2001 حيث حاول رئيس الوفد الكويتي إبراز قضية الأسرى وتوضيح قضية التهديدات العراقية خلال لقائه والرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي بين حرصه على قضية الكويت الأولى وعلى متابعتها. خامسًا: إرسال الوفود البرلمانية إلى مختلف دول العالم: اعتمد مجلس الأمة هذه الآلية لأول مرة في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990 بهدف تعريف الرأي العام العربي والدولي بالوضع الناشئ عن هذا الغزو، وحشد التأييد الشعبي والرسمي للحق الكويتي الأمر الذي كان له أثر بالغ في حفز المجتمع الدولي للتحرك نحو تحرير الكويت. ومنذ ذلك الوقت استمرت الوفود البرلمانية في القيام بدورها الدبلوماسي في مختلف دول العالم بقصد حشد التأييد لقضايا الكويت الأساسية وأهمها قضية الأسرى، وفي عام 1994 قرر مجلس الأمة تشكيل لجان صداقة برعاية من أعضائه النواب بهدف إيجاد شكل مؤسسي للوفود البرلمانية. ووفقًا لهذا القرار تشكلت سبع مجموعات للجان الصداقة البرلمانية، تضم في عضويتها غالبية النواب حيث قامت تلك المجموعات بزيارات لعشرات الدول أثمرت - بالإضافة إلى التعريف بقضايا الكويت - تشكيل لجان صداقة بين برلمانات هذه الدول ومجلس الأمة بلغت 43 لجنة. وخلال الفترة محل الدراسة أرسل مجلس الأمة عددًا كبيرًا من الوفود البرلمانية لعدد من الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية، منها على سبيل المثال وفود مجلس الأمة في الفترة من سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر عام 2000 إلى كوريا وجامايكا والأرجنتين والباراجواي وكندا وبنجلاديش وتونس والمغرب ولكسمبورج وناميبيا وهولندا وإيطاليا والنرويج وإستونيا وليتوانيا وفنلندا والسويد. هذا خلاف الزيارات التي قام بها رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي على رأس وفد برلماني كبير لكل من مصر في يناير 2001 واليمن في مارس 2001 وأخيرًا روسيا في ابريل 2001 والملاحظ أن اهتمام كل الوفود البرلمانية في هذه الفترة قد تركز على محاولة حشد الدعم الدولي لقضية الأسرى من خلال كشف ادعاءات موقف العراق في هذا الشأن، ورفض التعاون مع المنسق الدولي يولي فورنتسوف، هذا بالإضافة إلى تزويد رؤساء حكومات وبرلمانات ولجان حقوق الإنسان في الدول الموفدين إليها بملفات كاملة عن الأسرى مدعومه بالوثائق والأدلة التي تثبت الحق الكويتي. وعلى الرغم من استجابة مسئولي تلك الدول التي ظهرت في التصريحات والبيانات التي طالبت العراق بالإفراج عن الأسرى كذلك ظهرت في اتجاه برلمانات تلك الدول إلى تكوين لجان صداقة مع مجلس الأمة على أن يصبح الدفاع عن قضية الأسرى هدفًا أساسيًا لأنشطتها - على الرغم من أهمية هذه الاستجابة فإنها تظل دون الهدف المرجو منها في ضوء افتقادها إلى التحرك الجدي التنفيذي لإنهاء قضية الأسرى والمرتهنين الكويتيين؛ الأمر الذي يقلل إلى مدى كبير من مردود الجهود البرلمانية على هذا الصعيد. إضافة لذلك تظهر أوجه القصور في الدبلوماسية البرلمانية بالنظر إلى أمور ثلاثة. 1 ـ عدم قدرتها على تكوين لجان مناصرة الأسرى في تلك الدول التي قصدتها على غرار لجنة مناصرة الأسرى والمرتهنين الكويتيين بمجلس النواب الأردني التي تباشر منذ إنشائها في أعقاب تحسن العلاقات الأردنية ـالكويتية دورًا ملموسًا على الساحة الأردنية والعربية فيما يتعلق بتلك القضية. 2 ـ غياب هدف في غاية الأهمية كان يجدر أخذه في الاعتبار في كل جولات الدبلوماسية البرلمانية وهو حشد الجهود الشعبية في الدول محل الزيارة باتجاه تكوين جماعات ضغط شعبية مسجلة بعيدًا عن الارتباطات الرسمية والنيابية بالدولة، بحيث تتولى الدفاع عن قضية الأسرى، بشكل مستمر وليس دوريًا أومرتبطًا بأوقات تبادل الزيارات سواء البرلمانية أو الرسمية، وذلك أسوة بمنظمة «إندايت» بفرنسا. 3 ـ تصويت كل من ليبيا والجزائر ضد قرار للجنة حقوق الإنسان الدولية تضمن دعوة العراق لإطلاق سراح الأسرى الكويتيين، وذلك بعد أيام قليلة من زيارة وفد مجلس الأمة لكل من البلدين أكدا خلالها تأييدهما وخاصة ليبيا للحق الكويتي فيما يخص قضية الأسرى. من هنا تثور الحاجة لمراجعة أهداف الدبلوماسية البرلمانية وبحث سبل تفعيل دور مجلس الأمة فيما يتعلق بالتعامل مع العراق بوجه عام.