في مقارنة بين الديمقراطية بمفهومها العام والغربي، وبين الديمقراطية المطبقة في الدول العربية او التي تتداولها الشريعة الإسلامية اختلفت وجهات النظر العربية. فقد اتجه جانب من اساتذة الشريعة الإسلامية نحو التصريح بان غالبية حكومات المسلمين قد طرحت النظام الإسلامي واستعاضت عنه بنظم الحكم في الدول الغربية، وذلك يؤثر من وجهة نظرهم في اساليب تطبيق الديمقراطية سواء في العالمين العربي أو الإسلامي. هذا الفريق من أساتذة الشريعة الإسلامية رأى ان قلة من حكومات المسلمين ايضاً قد بدأت الاتجاه صوب الأنظمة الماركسية ، ويضيف هذا الفريق إلى رؤيته فشل الحكومات في العالم الإسلامي في اجراء عملية التوافق والموازنة فيما بين النظام السياسي الإسلامي وتلك الأنظمة الوضعية المقتبسة للحكم برغم ما هو مسلم به اصلا بسبب استحالة الجمع بين النظامين وخاصة بالنسبة للنظام الماركسي الذي ينكر الأديان. وينتهي هذا الجانب الفقهي إلى تعذر تحديد هوية مميزة وقاطعة للحكومات القائمة في الوقت الحالي في العالم الإسلامي، وان لم يمنع ذلك من الاعتراف بيسعى بعضها مخلصاً نحو احياء النظام السياسي الإسلامي من خلال دساتيرها الوضعية بالنص الصريح على ان الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع فيها. وليس من شك في ان الاتجاه سالف الذكر قد اصاب جانباً كبيراً من الحقيقة الواقعية لأنظمة الحكم المعاصرة في كل من العالمين العربي والإسلامي وان تفاوتت ـ في تقديرنا ـ درجات عدم التطبيق للمنهج الإسلامي الديمقراطي السليم فيها، ذلك ان كلا من المواثيق الدستورية والتشريعية العادية لتلك الدول قد اخذت بقسط غير متساويء وغير متوازن فيما بين المنهجين الديمقراطيين الإسلامي والوضعي بحيث ترتب على الصعيد التطبيقي نتيجة لذلك تفاوت أكثر وضوحاً من حيث الالتزام بأي من المنهجين بصفة عامة وبالمنهج الإسلامي من بينهما بصفة خاصة. وينبغي هنا الاشارة إلى انه من المؤكد عدم وجود مفهوم ديمقراطي سياسي واقتصادي واجتماعي موحد فيما بين الدول الغربية وهو أمر ناتج بالضرورة من اختلاف وتباين مستوى التطور والنضج السياسي فيما بين تلك الدول من ناحية وفيما بينها وبين غيرها من دول العالم من ناحية أخرى، وذلك على الرغم من وحدة الاهتمام الواسع بالديمقراطية بمختلف محاورها فيما بين أبناء الدول العربية حكاماً ومحكومين. ومن هنا فقد جاءت النماذج التطبيقية للديمقراطية متفاوتة من حيث الدرجة والمضمون بفعل وعلى أثر التحديات التالية: 1 ـ الارتباط فيما بين التطبيق الديمقراطي السليم وبين درجة الاستقرار في العلاقات الاجتماعية بين أبناء الدولة الواحدة بحيث يصبح هذا التطبيق اكثر ثباتاً ونجاحاً حال كون تلك الروابط متوازنة وايجابية، وكونه على العكس من ذلك تطبيقاً غير مستقر يلحقه الفشل عندما تتسم تلك الروابط بعدم التوازن أو المساواة بين اطرافها. 2 ـ مدى الارتباط بين النموذج الديمقراطي المطبق وبين المنهج الشرعي الإسلامي أي محاولة التوأمة فيما بين ماهو وضعي وماهو شرعي في آن واحد، وهو الأمر الذي قد يؤدي اما إلى فشل النموذج المطبق واخفاقه، واما على العكس نجاحه في اداء رسالته وتحقيق أهدافه وفقاً لفشل او لنجاح العلاقة التبادلية بين المنهجين الوضعي والإسلامي. 3 ـ استشراء أزمة الوعي الديمقراطي لدى شعوب المنطقة العربية، فضلاً عن ضعف الاداء الديمقراطي من جانب أنظمة الحكم السائدة فيها مما خلق هوة واسعة بين كل من الحكام والمحكومين لم تفلح في تغطية سلبياتها أو التخلص منها أبواق الدعاية الإعلامية الموجهة داخلياً وخارجياً في هذه الدول. 4 ـ الآثار السلبية الفادحة للتيارات اللاديمقراطية الوافدة على المنطقة العربية والتي انعكست على الممارسات الحزبية الداخلية والأداء الحكومي في الدول العربية الأمر الذي كان له أفدح الأثر الضار على استقرار الأمور في مجتمعاتها. واقع الديمقراطية عربياً هناك سبع دول عربية شهدت مستويات متفاوتة من التطور الديمقراطي في اطار الأنظمة ذات التعددية الحزبية هي كل من مصر وتونس والجزائر والمغرب والأردن واليمن وموريتانيا. أما في السودان فقد سقطت التجربة الديمقراطية للمرة الثالثة بين عامي 1985 و1989 بالرغم من كونها النموذج الوحيد المعاصر للديمقراطية الغربية. أما في الكويت تم استئناف المسيرة الديمقراطية عقب انتكاسة 1986 بحل المجلس النيابي المنتخب «مجلس الأمة» بعد حرب الخليج والتي اجريت فيها بالكويت واحدة من بين أكثر الانتخابات النيابية نزاهة في العالم العربي. ويلاحظ عدم امتداد التجربة الديمقراطية إلى بقية الدول الخليجية العربية حيث اتخذت ثلاث دول منها سبيلها نحو التحول الديمقراطي سواء بانشاء مجالس استشارية كما حدث في كل من السعودية والبحرين أو باعطاء صلاحيات محدودة لتلك المجالس كما في سلطنة عمان. وفي العراق حال نظام الحكم المطبق هناك دون حدوث التطور الديمقراطي، وكان ذلك سبباً في حدوث حرب الخليج، رغم علو أصوات المعارضة العراقية في الخارج ومفادتها لاقامة نظام حكم ديمقراطي، وهو مالم تحدث له أية اصداء مؤثرة على الاوضاع في الداخل. أما في كل من سوريا وليبيا لم نشهد أي تغيير يذكر في النموذج السلطوي الشعبي المطبق على الرغم من المرونة والملاءمة اللتين أظهرهما نظام الحكم فيهما بفعل المعطيات الدولية الجديدة. أما أسباب انتكاسة المد الديمقراطي في العالم العربي فيمكن اجمالها بالآتي: 1 ـ تفاقم حدة المواجهة بين أنظمة الحكم القائمة وبين الحركات الإسلامية في العديد من البلدان العربية «مصر وتونس والجزائر». 2 ـ العجز عن تنظيم الحوار السلمي والديمقراطي بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية «اليمن». 3 ـ الفشل في ضبط ايقاع التفاعل السياسي الحزبي ومحاولة فرض نظام الحكم لحدود مبتدأة لعملية التحول الديمقراطي «الأردن». 4 ـ الانتكاسة الكبرى التي تسببت في اشراف الدولة على الانهيار واضطرام الحرب الاهلية بسبب عدم التفاهم بين الأحزاب السياسية وأجهزة الحكم الرسمية من جانب وفيما بينها وبين المؤسسة العسكرية من جانب آخر «الجزائر». 5 ـ المواجهات بين أجهزة الحكم الرسمي والحركات الإسلامية مما اثر سلباً على التطور الديمقراطي وان حدث ذلك بصورة أقل تفاقماً عنها في الجزائر «مصر وتونس». وبذلك اتسمت التجربة الديمقراطية العربية بعدم الوضوح من ناحية أولى، وانعدام روح الحوار البناء الصريح المتبادل بين مختلف القوى من ناحية ثانية، وعدم وضع ضوابط للتيارات المتنافسة من ناحية ثالثة. هناك طائفة محددة من التساؤلات التي يخرج بها الباحث من خلال بحثه الوضعي الشرعي المقارن لابد وان يعثر لها على حلول ناجحة واجابات شافية يساعده على التوصل إليها اعمال الفكر ومقارعة الحجة بالحجة دونما تعصب أو تشيع غير علمي أو مبرر. ـ التساؤلات الديمقراطية المطروحة: 1 ـ على الصعيد الوضعي: «أ» ماهو المفهوم المنضبط للديمقراطية، وماهي حدود ذلك المفهوم؟ «ب» ما هي طبيعة العلاقة القائمة فيما بين الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ «ج» ماهي حدود مسئولية كل من المحكومين والحكام بشأن تطبيق النظام الديمقراطي؟ «د» ماهي معالم النظام الديمقراطي الأمثل واجب التطبيق، وهل ثمة نموذج ديمقراطي موحد ممكن التطبيق أم ان النماذج يجب ان تتعدد بتعدد الدول وتنوع ظروف مجتمعاتها؟ «ه» ماهي حدود مسئولية دول التقدم الديمقراطي إزاء الدول النامية الساعية نحو الاخذ بالديمقراطية وتلمس طريقها إليها؟ «و» كيف السبيل إلى تحقيق التحول الديمقراطي السلمي وإزالة عقباته والتخلص منها وما هو دور النخبة المثقفة في هذا المجال سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؟ 2 ـ على الصعيد الشرعي الإسلامي: «أ» هل الشوري هي الديمقراطية، وماهو المفهوم الإسلامي الصحيح للشورى؟ «ب» هل الشورى وجوبية إلزامية أم اختيارية استشارية للحكام؟ «ج» هل مناضلو الحركات الإسلامية ديمقراطيون هم أنفسهم أم يتخذون من ذلك سبيلاً للوصول إلى الحكم والسلطان؟ «د» هل هناك ما يمنع في الشريعة الإسلامية أو في المجتمع الإسلامي من اللجوء صراحة إلى التطبيق الديمقراطي؟ «ه» هل بلغت المجتمعات العربية والإسلامية درجة النمو السياسي التي تسمح بالتطبيق الديمقراطي السليم واحترام حقوق الإنسان؟ «و» هل الإسلام يرفض الديمقراطية كما ينادي البعض، وما هي أسباب ذلك الرفض للاتجاه الديمقراطي بفرض صحة هذا الرأي لدى أصحابه ومؤيديه؟ أما الحلول المشارة للتطبيق الديمقراطي المعاصر فاوجزت بما يلي: 1 ـ يجب البدء في اقامة المجتمع المدني السياسي على اساس من الفهم الديمقراطي السليم الموحد والمشترك والذي يسهم فيه كل من الحاكم والمحكومين بدور ايجابي بناء على أساس من الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكامل والمؤثر والفعال. 2 ـ الانفتاح على التجارب الديمقراطية المتقدمة ومحاولة الاستفادة من نجاحاتها بمالا يتعارض وقيم المجتمع العربي الإسلامي ومبادئه المؤسسة على العقيدة الدينية السليمة دونما انغلاق على التجارب المحلية المبتورة والناقصة. 3 ـ اقامة الدعوة إلى الديمقراطية والتعددية على أساس من التقارب والتفاعل بين مختلف التيارات ولصناعة المجتمع الموحد الذي يحكمه على اختلاف طوائفه بهدف تحقيق المصلحة العامة وليس الصراع من أجل الوثوب إلى السلطة. 4 ـ العمل على المراجعة التشريعية للنصوص والاحكام الوضعية في ضوء مباديء الشريعة الإسلامية انطلاقاً من مثاليتها وعدم تمردها على التطبيق العملي بما يحقق مصلحة المجتمع كله وتطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين أبنائه. تلك من أهم الحلول المثارة وان لم تكن ـ بيقين ـ جميعها فالمجال مفتوح للاجتهاد والادلاء بالرأي دعامة الديمقراطية وهدفها الأساسي. يستفاد من ذلك ان الديمقراطية ـ كنظام وضعي ـ تعني ممارسة الأمة أو الشعب للسلطة بكافة مظاهرها بتسيير شئون الحكم في الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسواء كان ذلك وحدة النموذج الديمقراطي المطبق دون اختلافه أو تباينه من مجتمع لآخر أو من مرحلة تطورية زمنية إلى أخرى. غير اننا نرى برغم منطقية الاستخلاص العلمي السابق ان فرص تعدد النماذج التطبيقية للمبدأ الديمقراطي موحد السمات والخصائص لا تزال قائمة بل وواسعة الاحتمالات اذ ليس ثمة مانع من تعدد الصور التطبيقية لهذا النموذج الموحد مع الالتزام في الوقت نفسه بأوصافه وسماته سالفة الذكر، وهو أمر تستلزمه وتقتضيه ضرورات تطويع الصورة العملية المطبقة للمبدأ مع الظروف والأحوال الخاصة بكل مجتمع من المجتمعات أو بمرحلة زمنية بعينها من مراحل تطوره، مستويات الديمقراطية ثمة درجات للديمقراطية فمنها ذات المستوى الأدنى درجة ومنها ما يعلو على ذلك من درجات في التقدم نحو المثالية في التطبيق الديمقراطي، وهو ما يستفاد منه بايجاز تعدد درجات التطبيق الديمقراطي بتعدد درجات نمو الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمبدأ لدى ابناء المجتمعات المطبقة له، وبذلك يكون صحيحاً اثارة هذا التساؤل حول مدى مسئولية الدول المتقدمة ديمقراطياً تجاه الدول التي هي في سبيلها إلى تلمس خطواتها الأولى نحو اعتناق وتطبيق النظام الديمقراطي. غير ان ثمة تحذيراً أساسياً يتعين الأخذ به في الحسبان ذلك المتمثل في التخلص من آفة التقليد الأعمى في استيراد قوالب الأنظمة الديمقراطية من الدول ذات السبق التاريخي في هذا المضمار، وهو تحذير بخصوصية وأهمية قصوى بالنسبة لكل من المجتمعين العربي والإسلامي لما هو ثابت فيهما من قيم وتقاليد واعراف تأبى الكثير من المعتقدات الغربية الوافدة عليها من مجتمعات هي نفسها لا تؤمن بتلك القيم والتقاليد والاعراف ولا سبيل لتطبيقها في مجتمعاتها. والهدف من ذلك التحذير هو الاخذ في الحسبان بضرورة تطويع التجارب الديمقراطية الوافدة من دول التقدم الديمقراطي بما يتفق وظروف وأوضاع مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وبالنسبة للتحول الديمقراطي في منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي فليس هناك اي شك في ان التحول الديمقراطي عامة يعاني من صعوبات وعراقيل كثيرة وعلى مختلف المستويات ويرجع السبب في ذلك احياناً إلى ظروف مجتمعية داخلية بتلك المنطقة، كما قد يرجع السبب في احيان اخرى إلى التغيرات والتحولات العالمية المحيطة بدول منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي. ولعل من بين أهم هذه الصعوبات على الصعيد الداخلي العجز الذي تعاني منه غالبية دول المنطقة العربية من استيعاب الحركات الإسلامية داخل مؤسساتها السلطوية الحاكمة، كما وان من بين أهم تلك العقبات عالمياً ما يتعرض له الإسلام السياسي كنظام للحكم من هجمات شرسة في مناطق عديدة من العالم استناداً إلى ترويج دعوى باطلة مؤداها معاداة الإسلام للديمقراطية ونبذه اياها فضلاً عن اقترانه بالإرهاب واستخدامه وسيلة في نشر مبادئه. واذا كان ما سبق يعبر عن مثالاً واحداً لما نقصده بالعقبات والعراقيل التي تمنع حدوث التحول الديمقراطي السلمي في منطقتنا العربية خاصة وعالمنا الإسلامي عامة، فإن اعمال المنطق العقلي يقتضي لحدوث ذلك التحول ان يتم مسبقاً إزالة تلك العقبات والتحديات، وعلى ذلك فإن السبيل الوحيد والذي يضمن وبصورة سلمية الوصول بمجتمعاتنا العربية والإسلامية ديناً ومنهجاً إلى تطبيق الديمقراطية قلباً وقالباً انما هو الالتزام بالمنهج الشرعي الإسلامي الصحيح وليس المدعي التماسك به من جانب الباحثين عن السلطة من متزعمي بعض الحركات المنسوبة إلى الإسلام زوراً وبهتاناً كذباً وافتراء والإسلام منها براء. الإسلام والديمقراطية هناك اسئلة مطروحة حول الشورى وعلاقتها بمفاهيم الديمقراطية ولعل السؤال الأول ينصب في هل ان الشورى هي الديمقراطية وما هو المفهوم الإسلامي الصحيح للشورى؟ تنقسم اجابة هذا السؤال إلى قسمين أحدهما يلقي الضوء على أهم ما يميز ويفرق بين مضمون كل من الشورى والديمقراطية كنظامين متقابلين لممارسة الحرية اولهما الهي سماوي والثاني وضعي بشري. أما القسم الآخر فتتوافر فيه على تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي للشورى، في التفرقة بين الشورى والديمقراطية، فالبعض يذهب إلى وجود طائفة من العناصر التكوينية المشتركة فيما بين الشورى والديمقراطية وتتمثل أساساً في اعتناق وتطبيق كل منهما لمبدأ سلطان الأمة والالتزام باحترام حقوق الافراد، بل ويذهب هذا الرأي إلى وجود تكامل فيما بين النظامين نابع عن وحدة اساسيهما المتمثل في الانطلاق في فلسفتيهما من قاعدة «وحدة الأمة والمساواة بين ابنائها في التمتع بحرية الرأي والاختيار. وعلى الرغم مما ذهب إليه هذا البعض، ودون خوض في تحليل أو تفصيل ما ذهبوا إليه، فإنه مما لاشك فيه ان ثمة اختلافا وتمايزا كيفي وكمي من حيث المضمون أو المدى بين مبدأ الشورى الإسلامي نظرياً وتطبيقياً وبين الديمقراطية الوضعية كمذهب سياسي واجتماعي واقتصادي بشري حتى في أعلى مراتبها وصورها التطبيقية اقتراباً من قالبها المثالي المقدس للحقوق والحريات الفردية والمطلق لها في أي قيد يمكن ان يحد منها أو يذهب بها. نقصد بذلك ان نظام الشورى اشمل واعم من حيث المضمون والهدف المتعلقين بتسيير الشئون العامة للأمة من المبدأ الديمقراطي الوضعي بحيث يمكن لأولهما استيعاب ما ينطوي عليه ثانيهما من مضامين وأهداف. وعلى ذلك فإن المقابلة فيما بين المبدأين تؤكد لنا وجود العديد من المضامين والأهداف مندرجة في اطار الشورى لا يمكننا ادراكها أو العثور عليها في نطاق كل من الحقوق والحريات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي ينطوي عليها النظام الديمقراطي. ومن مظهر تلك المواضع ما يتم من خلال مبدأ الشورى بشأن «أخذ رأي ابناء الأمة أولي الرأى والمشورة بشأن المسائل الاخلاقية عامها وخاصها» فتلك من بين احد أهم موضوعات الشورى في الإسلام، على حين ان ذلك امر لا يخطيء ـ وهذا أضعف الايمان ـ بنفس الدرجة من العناية والاهتمام في النظام الديمقراطي المعاصر اللهم الا بالقدر الذي يرتبط فيه بمعاني الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المقننة بصورة محددة وصريحة في التشريع الوضعي، ودونما خضوع في ذلك للاجتهاد أو الاستنباط عند انعدام النص. وبايجاز شديد فعلى حين نجد ان النظام الديمقراطي يستند في أسسه وعند تطبيقه إلى مباديء الحرية والحق والعدالة والمساواة في جانب دون آخر من جوانب الحياة في المجتمع وشئون أبنائه، نجد ان نظام الشورى يرتقي شمولاً واتساعاً إلى ما يفوق ذلك ويستوعبه بمراحل عديدة بشأن كافة امور الحياة في المجتمع استناداً إلى مبدأ الفرضية والالزام والوجوب في ابداء الرأي والمشاركة فيه وصولاً إلى الحق المجمع عليه من جانب ابناء الأمة حكاماً ومحكومين. ويمكننا العثور على العديد من التعريفات الفقهية «للشورى» يطلق على البعض منها تسمية «التعريف اللغوي أو اللفظي»، وعلى البعض الآخر «التعريف الاصطلاحي» وبين هذا وذلك نجد اتفاقاً في الأسس والأهداف أو اختلافاً في الاوصاف الفرعية أو الثانوية، والذي يعنينا هنا بصدد وضع المفهوم الحقيقي والصحيح «للشورى» هو التركيز على جوهر ذلك النظام الذي جعل منه مبدأ خالداً ومنهجاً أبدياً لا يجده الواصفون ولا يلحق به التعديل أو الاحلال مهما اختلفت ظروف وأحوال البشر وتباعدت أزمانهم وأماكن مجتمعاتهم. وعلى ذلك ان جوهر «نظام الشورى الإسلامي» وقوامه استطلاع آراء ذوي الرأي من ابناء الأمة على أساس من الحرية والمساواة فيما لم يرد بشأنه نص أو حكم شرعي من شئونها العامة دينية كانت أم دنيوية استظهاراً لارادتها الجماعية وتحقيقاً لمصلحتها العامة فما يتفق مع الحق والعدل ويطبقهما، ويحقق مقاصد الشريعة واحكامها ومبادئها. في ضوء هذا التعريف الجوهري نجد ان الشورى تعد منهجاً غاية في المرونة والملاءمة والتطور يصل بنا إلى وجه الحقيقة واستجلائها بشأن الأمور العامة للمسلمين مكلف بها الحاكم أو ولي الأمر شرعاً بحيث يلزمه تطبيقه وفقاً لمباديء الحرية والمساواة ووحدة الرأي بين أبناء الأمة الإسلامية وتحقيقاً لمصلحتها العامة وبما يكفل تكريم واحترام العقل والفكر الإنساني. واذا ما انتقلنا من اطار المعنى العام السابق للشورى إلى المعنى الأكثر تخصيصاً لها والمتعلق «بنظام الحكم الإسلامي» نجد ان أساس هذا الحكم وصلاحه لا يكون إلا بالشورى المتعين قيامه عليها وتطبيقها لها، تماماً وبنفس درجة إلتزامه بتحقيق مباديء العدل والحرية والمساواة من أبناء الأمة. نخلص مما سبق إلى ان «الشورى» بوصفها نظاماً لإدارة الشئون الجماعية العامة للأمة تحرياً لوجه الحق واستهدافاً للمصلحة العامة لها، انما تقوم على أساس حرية ابداء الرأي فيما لم يرد بشأنه نص أو حكم شرعي صريح قاطع، وانها تعد فرضاً ملزماً للحاكم في مواجهة الرعية كما وانها تعد في الوقت نفسه واجباً وتكليفاً للمحكومين أولي الرأي والبصيرة يتعين عليهم أداؤه باخلاص وتجرد كاملين في كافة شئون الأمة ومصالحها. على المستوى الثاني يتطرح سؤال هو هل الشورى إلزامية أم اختيارية استشارية للحاكم؟ ونجد على الرغم من انقسام الرأي الفقهي حول اجابة هذا السؤال بين القائلين بالوجوب والإلزام والقائلين بالندب والاستحباب فإنه مما لاشك فيه ـ وفقاً لما سبق وان سقناه من أدلة وبراهين مستمدة من القرآن والسنة بالباب الأول من هذا البحث ـ ان الشورى بمعنى الادلاء بالرأي من جانب أولي البصيرة والحكمة من ابناء الأمة في شئونها العامة واجب وفريضة على الحكام تماماً كما وان الشورى ليست مجرد حق تطالب به الأمة حكامها وانما فريضة واجبة عليها أيضاً. ومن هنا فإن نظرة المنهج الشرعي الإسلامي إلى الشورى تتمثل في المساواة فيما بينها ـ كضرورة انسانية ـ وبين الفرائض الشرعية الواجبة، وبما يشمل كافة مناحي الحياة على الأرض ويحفظ للإنسان معاني الحياة الكريمة وسر وجوده فيها. أما فيما يتعلق بمدى فرضية ووجوب انفاذ ما اسفرت عنه الشورى من رأي جماعي محقق للإرادة العامة للأمة ومعبراً عنها فإن الراجح من بين الآراء المتقابلة في هذا الشأن هو إلزامية الانقاذ والتطبيق لرأي الجماعة بأسرها في حالة الاجماع أو اكثريتها في حالة الاختلاف، وبالجملة فإن نتيجة الشورى تكون ملزمة للحاكم غير مخير في الاخذ بها أو على العكس غض الطرف عنها. وبالتالي نخلص إلى ان الشريعة الإسلامية من حيث المصدر والمتبع العقائدي لا تقارن أو لاتوضع في ميزان المقارنة سلباً أو ايجاباً بأي نظام وضعي على حد سواء في ذلك الديمقراطية أم غيرها من أنظمة الحكم الشمولية الأخرى في إدارة وتسيير الشئون العامة للمجتمع. ذلك ان المنهج الشرعي الإسلامي لا وجه للمقارنة فيما بينه من حيث مصدره أو فاعليته وتأثيره أو مدى صلاحيته للتطبيق الأبدي في كل زمان ومكان بما يضعه البشر من أنظمة وقوانين. وعلى ذلك فإن مما لا يتطرق إليه أدنى شك ان الشريعة الإسلامية ليست بمانع من تطبيق المبدأ الديمقراطي الحق أو الصحيح ذلك الذي لا ينطوي على ان تزييف أو تجريف لارادة صاحب السلطة الاصلي المستخلف في الارض أي الإنسان وبعبارة اخرى أكثر صراحة ووضوحاً فإن السعي الأمين نحو تطبيق المبدأ الديمقراطي السليم في المجتمعات البشرية أمر لن يتسنى تحقيقه إلا من خلال المجتمع الإسلامي بمبادئه وشريعته السمحاء، وهو أمر طبيعي ومنطقي بل وحتمي الحدوث طالما ان ذلك سوف يحدث تحت لواء وفي كنف الشريعة الإسلامية استجابة لنظامها وايمانا بمبادئها تلك التي انعكست عليها صفة القداسة والطهارة والسمو والذي وضعها الله سبحانه وتعالى، فهل بلغت المجتمعات العربية والإسلامية درجة النمو السياسي التي تسمح بالتطبيق الديمقراطي السليم واحترام حقوق الإنسان؟ ان الاجابة على هذا التساؤل ـ وفقاً للمعطيات الواقعية على المستوى العربي ـ تجد التعبير الواضح عنها من خلال التقرير الذي اعده مركز اتحاد المحامين العرب للبحث والدراسات القانونية بشأن «أزمة حقوق الإنسان في الوطن العربي» وكان مما ورد به في هذا الصدد «.... واذا ما انتقلنا إلى الوضع على الساحة العربية الرسمية في مجال التصدي والدفاع عن حقوق الإنسان فإن الحصيلة تتسم بالتواضع أيضاً..... أما الوضع العربي على المستوى غير الحكومي فإنه يتسم بايجابية أكثر في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ففي أغلب الدول العربية توجد روابط للدفاع عن حقوق الإنسان تتعرض بقدر أو بآخر لاضطهادات من النظم العربية الحاكمة». بيد ان المعاينة العلمية المحايدة لما عليه حال مجتمعاتنا العربية والإسلامية من حيث التطبيق والالتزام بحقوق الإنسان لا تعطي صورة سيئة أو خالية تماماً من هذا الالتزام. ذلك ان التاريخ العربي والإسلامي يؤكد تطبيق المنهج الشرعي الإسلامي بما يتضمنه من حقوق وحريات لم يصل إلى ادراكها أي نظام وضعي حتى الآن، تطبيقاً كاملاً في مجالي الأحوال الشخصية والروابط الأسرية وان اختلفت نسبة التطبيق ـ من مجتمع لآخر عربياً كان أم إسلامياً ـ بصدد مجالي الحكم والسياسة وهما ما يتدخل فيه الحكام ويتناولونه بالتقنين الوضعي تأثراً بالمناهج الديمقراطية الوافدة على الحضارتين العربية والإسلامية بمفهوم مغلوط لا ينسجم مع المباديء الطبيعية والالهية الحاكمة لهما. وهنا يجدر ان ننتهي بالسؤال التالي: هل ان الإسلام يرفض الديمقراطية كما ينادي البعض؟ وماهي أسباب ذلك الرأي بفرض حيدة القائلين به؟ بالنسبة للشق الأول من السؤال فإن الاجابة هي قول واحد خطأ ما ذهب إليه البعض من ان الإسلام يرفض الديمقراطية، ويعزي السبب في ذلك إلى ان الإسلام الحنيف بمبادئه السمحة ومن بينها «الشورى» انما يعد غاية تسعى الديمقراطية بصورها المختلفة للوصول إليها، فضلاً عن ان التطبيق السليم لمنهج الإسلام في الشورى انما هو الضمان الوحيد والسبيل المثالي لتجد الديمقراطية طريقها نحو التطبيق في المجتمع وحمايته مما يتعارض ومبدأ سيادة الارادة العامة للشعب أو للأمة فيه. وإذن فالإسلام على النقيض تماماً مما ذهب إليه البعض ليس رافضاً أو عائقاً في سبيل تطبيق الديمقراطية، وانما هو الملاذ الأول والأخير لها لكي ترى سبيلها إلى التطبيق على نحو ما ورد في تعاليمها وصورتها المثالية، كل ذلك شريطة التقيد بالمعنى الحقيقي والجوهر الصحيح للمبدأ الديمقراطي وليس اتخاذه مجرد شعار خال من المضمون أو واجهة يطبق من خلالها الديكتاتورية والاستبداد. ومن هنا فإن القائلين برفض الإسلام تطبيق الديمقراطية يصدرون في أسبابهم اما عن عدم الفهم الحقيقي لجوهر الإسلام ومضمونه الصحيح واما عن الخلط من جانبهم بين الإسلام واغراضهم والإسلام من كل ذلك براء .لها تطبقاً على مر العصور قديماً وحديثاً وحتى وقتنا الحالي. ويمكن ان نخلص من كل ذلك إلى ان الديمقراطية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي للدولة والحكم يعبر عن العلاقة القائمة فيما بين الحكام والمحكومين لا ضمان إلى تطبيقها وتحقيق أهدافها بغير وجود المجتمع الإسلامي الذي يغلف ذلك التطبيق بالمعايير الدينية والأخلاقية التي تفتقر إليها ديمقراطية العصر الذي نعيشه.