يمكن النظر إلى الموقف الأمريكي الجديد تجاه القضية الفلسطينية، وتأثير الحرب ضد الإرهاب عليه من خلال جانبين، أولهما الجانب الإيجابي لهذا الموقف، والآخر الجانب السلبي. أولاً:الجانب الإيجابي: وأهم عناصر هذا الجانب هي: ـ أن الموقف الأمريكي الذي عبر عنه بوش فيما يخص الدولة الفلسطينية قد مثل تحولاً كبيرًا عن مواقفه ومواقف إدارته السابقة والتي كانت ترى ضرورة عدم الانغماس في قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي مثلما كان الأمر في عهد كلينتون، وترك الأمر لكي ينضج على نار هادئة، ولعله من سخريات الأحداث أن بوش كان قد أصدر تصريحات قبل أحداث سبتمبر بأيام قليلة اعتبرت مؤيدة بشكل سافر لإسرائيل، حيث قال: إن الإسرائيليين لا يمكن أن يتفاوضوا في ظل الإرهاب داعيًا الرئيس عرفات إلى بذل جهد أكبر في مواجهة ما أسماه بالإرهاب، فإذا به يتحول إلى موقف مغاير تمامًا بعد ذلك بأيام. ـ المواقف الرسمية الأمريكية والأوروبية ليست وحدها التي طالها التغيير بخصوص القضية الفلسطينية، ولكن المواقف الشعبية والإعلامية أيضًا، وهذا ما يتضح من كم المقالات والتعليقات الصحفية التي نشرتها الصحف الأمريكية والأوروبية خلال الفترة الأخيرة والتي تدعو إلى ضرورة مراجعة الولايات المتحدة لسياستها في الشرق الأوسط بحيث تصبح أكثر عدلاً وأقل انحيازًا لجانب إسرائيل. ـ الموقف الأمريكي من الدولة الفلسطينية جاء في إطار موقف عام اتسم بالمرونة تجاه العرب خلال الفترة القصيرة الماضية، وأهم مظاهره هي: ـ عدم الاعتراض على رفع العقوبات عن السودان من قبل الأمم المتحدة ، وتطور العلاقات بين البلدين بشكل ملموس. ـ عدم اعتراض واشنطن كذلك على احتلال سوريا لمقعد في مجلس الأمن على الرغم من أنها قد وقفت ضد هذا الأمر في الدورة السابقة، على الرغم من أن إسرائيل قد طلبت منها الاعتراض. ـ هناك موقف أوروبي عام يؤكد على ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية، أي أنه ليس مجرد موقف أمريكي فقط، حيث قام الرئيس ياسر عرفات بزيارة بريطانيا والتقى مع بلير، وهناك تكهنات حول لقاء مرتقب له مع بوش سيكون، في حال حدوثه، الأول منذ وصول الرئيس الأمريكي إلى البيت الأبيض، وقد نادى وزير الخارجية البلجيكي ورئيس المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي في دورته الحالية بإقامة دولة فلسطينية، وتشير الأنباء إلى مساع لتسمية مبعوث أوروبي جديد للشرق الأوسط ومبعوث أمريكي جديد أيضًا خلفًا للمبعوث السابق في عهد إدارة كلينتون دينس روس. ـ ذكرت صحيفة الجارديان في 13/10/2001 أن هناك مبادرة أمريكية بالفعل حول عملية السلام في الشرق الأوسط، أهم عناصرها المقترحة هي: ـ تسوية إقليمية تتضمن إعادة جميع أراضي الضفة الغربية إلى السيطرة الفلسطينية. ـ دولة فلسطينية مستقلة واعتراف متبادل بين إسرائيل وهذه الدولة مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ـ السيادة المشتركة على القدس باعتبارها عاصمة مشتركة. ـ يشير البعض إلى نقطة أخرى ذات علاقة بما سبق وهي أنه على اعتبار أن شارون يعد عقبة أساسية أمام أي تسوية معقولة في المنطقة، فإن ذهابه سوف يوفر بيئة مناسبة نسبيًا للتوصل إلى هذه التسوية، ووفق بعض التحليلات فإن شارون قد اقترب من النهاية حيث انسحب حزبان يمينيان متشددان من الائتلاف الحاكم الذي يرأسه، فيما يبدى حزب العمل، المشارك في الائتلاف، رغبة واضحة في اتباع أسلوب مختلف في التعامل مع الفلسطينيين يقوم على استئناف عملية التفاوض. جوانب سلبية بخلاف الجوانب الإيجابية السابقة، فإن التصريحات الأمريكية والأوروبية حول الدولة الفلسطينية، يمكن النظر إليها بعين أخرى، واعتمادًا على السوابق التاريخية، واستقراءً لواقع التطورات في المنطقة والعالم، ووفق ذلك يمكن الإشارة إلى عدة نقاط أساسية هي: ـ حرص الرئيس الأمريكي وهو يعلن تأييده لإقامة دولة فلسطينية، على القول بأن هذا الإعلان هو جزء من موقف ثابت وسابق دون أن يدلي بأي تفاصيل عن: شكل الدولة ،ومساحتها، ووقت ظهورها للحياة. الخ وهذه كلها أمور أهم من الإعلان الأمريكي ذاته. وتشير المصادر إلى أن ما أعلنه بوش كان جزءًا من خطة كان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول سوف يطرحها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية في سبتمبر، إلا أن الرغبة الأمريكية في حشد تأييد العرب لحربها ضد الإرهاب قد عجلت من الإعلان حول الدولة الفلسطينية أي أن هذه الخطة كانت معدة سلفًا قبل الهجمات الإرهابية، وبالتالي فإن ما عبر عنه بوش بشأن الدولة الفلسطينية ليست له علاقة بالتطورات اللاحقة لـ 11 سبتمبر إلا من حيث توقيت الإعلان فقط. ـ لقد أعلن بوش أنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، وهذا إن كان جديدًا بالنسبة لبوش ذاته، فإنه ليس جديدًا بالنسبة للمبادئ والقواعد التي قامت على أساسها عملية السلام منذ عام 1991، حيث كان معروفًا أن هدف هذه العملية النهائي هو إقامة دولة فلسطينية، إضافة لذلك فإن بوش لم يحدد شكل هذه الدولة وحدودها كما سبقت الإشارة، كما لم يشر إلى أنها ستقوم وفق مرجعية مؤتمر مدريد وهي قرارا مجلس الأمن رقما 242، 338. إن الإعلان عن تأييد إقامة الدولة الفلسطينية ليس جديدًا، فشارون نفسه يوافق على إقامتها ولكن بشرط أن تكون منزوعة السلاح وتراقب إسرائيل حدودها، وهذا ما أعلنه بالفعل تعليقًا على تصريحات الرئيس الأمريكي. ـ ثمة أمر أساسي أشار إليه ألان فيليبس في صحيفة تليجراف يوم 13/10/2001، هو أن الرئيس الأمريكي ليس مطلق اليدين في تنفيذ وعوده حتى لو كان يقصدها تمامًا وينوى الالتزام بها، فهناك اللوبي اليهودي القوى والمؤثر داخل كل أروقة صنع القرار في الولايات المتحدة والذي سيحول دون اتخاذ أي خطوات يرى أنها تضرب أمن إسرائيل وفي ذلك قال فيليبس في عام 1956 كان باستطاعة الرئيس الأمريكي أيزنهاور إصدار الأوامر إلى القوات الإسرائيلية والفرنسية والبريطانية بالانسحاب من سيناء، ولكن الوقت تغير الآن، فمشاعر التأييد المؤيدة لإسرائيل قوية داخل الكونجرس، حيث يضمن الأصوليون المسيحيون مع اللوبي الصهيوني الحصول على شبه إجماع بالنسبة للقرارات المتعلقة بإسرائيل. وهنا لابد من الإشارة إلى أمرين: الأول: أن إسرائيل سعت وتسعى بكل جهدها لمواجهة أي تداعيات سلبية لتصريحات الرئيس بوش، يساعدها في ذلك اللوبي اليهودي في أمريكا وأوروبا، وقد سافر إلى واشنطن عشرات المبعوثين الإسرائيليين لمناقشة هذا الأمر. حتى أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قد أكد أن بلاده لن تبيع إسرائيل، من أجل مقاومة الإرهاب أوإرضاء العرب والمسلمين. الثاني: ان العرب، على الجانب الآخر، لم يستثمروا التغير في موقف الإدارة الأمريكية بشكل مناسب، حتى أن الأمين العام للجامعة العربية قد بدأ في التفكير في زيارة واشنطن بعد أكثر من شهر من أحداث 11 سبتمبر، وهذا نابع من عدم الاتفاق العربي، سواء من خلال الجامعة أو أي أُطر أخرى، على موقف موحد تجاه الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ـ التصريحات الأمريكية والبريطانية بشأن الدولة الفلسطينية تدخل في باب وعود الحرب التي تتأثر بظروف هذه الحرب وغالبًا ما لا تجد فرصة للتنفيذ بعد انتهائها، والتاريخ مليء بالأمثلة على ذلك وخاصة فيما يتعلق بعلاقة الغرب مع العرب والعالم الإسلامي، هذه الأمثلة عددها روبرت فيسك في صحيفة الإندبندنت البريطانية في 17/10/2001 في الآتي: ـ وعدت بريطانيا في القرن التاسع عشر بتقديم المساعدة للمقاتلين الأفغان إذا تمكنوا من صد الروس، إلا أن هذا لم يحدث، ووعدت الولايات المتحدة ببرنامج لإنعاش وإصلاح وتنمية أفغانستان إذا تمكن المجاهدون الأفغان من هزيمة الاتحاد السوفييتي، ولكن الذي حدث هو أنها نفضت يديها من الملف كله، وتركت أفغانستان تتجاذبها قوى متصارعة حتى وصلت إلى ماوصلت إليه. ـ في عام 1990، وعد بوش الأب بنظام عالمي جديد به شرق أوسط آمن وخالٍ من الأسلحة النووية، ولكن بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، انطلقت عملية السلام ولم يكتب لها السلام بسبب تخاذل واشنطن في الضغط على إسرائيل، وظلت الترسانة النووية الإسرائيلية كما هي، وأكد روبرت فيسك أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى في وعود بوش وبلير بشأن الدولة الفلسطينية. ـ على عكس ما يمكن أن يكون باديًا، فإن إسرائيل هي مستفيد رئيسي من أحداث 11 سبتمبر والحرب ضد الإرهاب حيث: ـ يمكن أن تجد إسرائيل في الظروف الحالية فرصة لتصفية حساباتها مع دول مثل سوريا وإيران وباكستان من خلال ضرب المواقع العسكرية بها، وقد أشارت مصادر باكستانية بالفعل إلى أنها تتحوط من ضربة إسرائيلية للمواقع النووية بها. ـ ولد ما حدث في الولايات المتحدة موقفًا دوليًا ضد ما تسميه الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل بالإرهاب الإسلامي، وكل توجه لمقاومة المد الإسلامي يحقق مصالح إسرائيل في المقام الأول. ـ لم يتجاوز التغير في الموقف الأمريكي ـ الأوروبي من القضية الفلسطينية حدود التصريحات والبيانات اللفظية، في الوقت الذي تستغل فيه إسرائيل الظروف الحالية في تدشين واقع جديد على الأرض في فلسطين، ولا شك في أن عودة سياسة اغتيال الناشطين الفلسطينيين بعد توقف لفترة، إنما يشير إلى أن تل أبيب تنفذ استراتيجية محددة للاستفادة من الظروف الدولية الحالية بصرف النظر عن إعلانات واشنطن أو حتى تحذيراتها. ـ من الأمور المثيرة للدهشة، أنه في الوقت الذي تحدثت فيه الولايات المتحدة عن تأييدها لإقامة دولة فلسطينية، أكدت على أن الحملة ضد الإرهاب لن تتوقف عند حدود أفغانستان، وأنها ستشمل دولاً وجماعات أخرى في المنطقة، وهذا معناه أن دولاً عربية يمكن أن تتعرض للهجوم، وكذلك بعض الجماعات مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. ويشير كل ما سبق إلى أن القضية الفلسطينية سوف تواجه خلال الفترة القادمة واقعًا أكثر صعوبة مما واجهته بعد حرب الخليج الثانية بالنظر إلى عدة اعتبارات أهمها: ـ التوتر الذي لحق بعلاقات واشنطن مع بعض الدول العربية بسبب مواقفها التي اعتبرتها، سلبية أو مترددة، من التحالف الدولي ضد الإرهاب، وخاصة مصر والسعودية، وتعكس تعليقات الصحافة الأمريكية ذلك الأمر بوضوح، إضافة إلى أن الولايات المتحدة لم تترك لدول العالم المختلفة مجالاً للحياد حيث أكد جورج بوش أنه على كل دولة أن تختار إما أن تكون مع التحالف أو مع الإرهاب كما سبقت الإشارة. ـ على الرغم من تصريحات بوش حول الدولة الفلسطينية، فإن كل المؤشرات تؤكد أن أهمية إسرائيل في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة سوف تزيد خلال الفترة القادمة. فلن تغادر واشنطن أفغانستان أو دول آسيا الوسطى بعد انتهاء حملتها وإنما ستبقى بالقرب من إيران ومنابع النفط في بحر قزوين وفي الفناء الخلفي لروسيا، وفي منطقة آسيا الوسطى تعتمد واشنطن على إسرائيل وتركيا في مساعدتها ومساندتها سواء في مواجهة إيران أو روسيا. ـ من أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية الكونية خلال الفترة القادمة، مواجهة ما تسميه بـ «التطرف الإسلامي»، وفي هذا الصدد تحرص إسرائيل دومًا على أن تقدم نفسها على أنها عنصر أساسي في هذه الاستراتيجية ولديها الخبرة والحافز والقدرة على التحرك. وقد أشارت الأنباء إلى أن ضباط استخبارات إسرائيليين قد ذهبوا إلى بعض الدول الإسلامية في آسيا الوسطى بالفعل بمجرد أن بدأت أمريكا هجماتها ضد أفغانستان. ومعنى ما سبق أن إسرائيل سوف تزيد أهميتها لدى الولايات المتحدة، فيما تتعرض الأخيرة لضغوط داخلية لإعادة النظر في علاقاتها العربية وخاصة مع مصر والسعودية. وفي الإجمال لا يمكن النظر إلى حديث بوش وبلير عن الدولة الفلسطينية إلا باعتباره وعود حرب سوف تتبخر بعد انتهائها. الأبعاد الأمنية الداخلية والخارجية بالإضافة إلى التداعيات السياسية والاستراتيجية لحوادث الإرهاب في الولايات المتحدة ثم الحرب ضد الإرهاب على العالم العربي، فإن لها تداعياتها الأمنية العديدة ذات البعدين الداخلي والخارجي، وكما هو الحال بالنسبة للتداعيات السياسية، فإن منطقة الخليج، هي الأكثر تأثرًا من الناحية الأمنية في إطار العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام وذلك لاعتبارات داخلية وخارجية عديدة. أولاً قضية العداء بين الإسلام والغرب: على الرغم من أن الرئيس الأمريكي جورج بوش قد حاول السيطرة على تداعيات تصريحاته ذات الطابع الديني عن الحرب ضد الإرهاب سواء من خلال التقرب إلى المسلمين في أمريكا، أو من خلال التأكيد على أن الإسلام هو دين السلام وأن الحرب مع الإرهاب وليس مع الإسلام ـ على الرغم من ذلك ـ فإن حوادث الإرهاب في أمريكا، واتهام ابن لادن فيها فضلاً عن شخصيات وجماعات إسلامية مرتبطة به، قد أكد الإدراك الموجود أصلاً في الضمير الغربي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وهو أن الإسلام هو العدو الأساسي للحضارة الغربية بعد انتهاء الشيوعية، وعلى الرغم من محاولات الغرب للإيحاء بأن الحرب ليست ضد الإسلام، فإن الحقيقة غير ذلك، وهذا ما تؤكد عليه عدة مواقف وأمور، أهمها: ـ بعد بوش، قال رئيس الوزراء الإيطالي بيرولسكوني إن الحضارة الغربية المسيحية متقدمة عن الحضارة الإسلامية التي تتسم بالتخلف والركود، وعلى الرغم من أنه قد أكد على أن حديثه قد فسر خطأ، وإنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام، فإنه رفض تقديم اعتذار للمسلمين. ـ قالت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر ان المسلمين لم يدينوا ما حدث في الولايات المتحدة بشكل كاف، وأشارت إلى أن ركاب الطائرة التي صدم الخاطفون بها البرجين والبنتاجون سمعوا من قال لهم أنهم سيموتون وكان بينهم أطفال، على المسئولين المسلمين أن يقولوا أن ذلك أمر مخجل، لم أسمع ما يكفي من الادانات من قبل رجال الدين المسلمين، وكانت تاتشر قد أكدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن الإسلام هو العدو الجديد للغرب بعد انتهاء الشيوعية. ـ قضية عداء الإسلام قضية راسخة في الوجدان الغربي منذ حروب الفرنجة في القرن الحادي عشر حسب التسمية العربية، فيما أطلق عليها الغرب اسم الحروب الصليبية، وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية استخدمت تعبير الحرب الصليبية وكان يرددها الجنرال ايزنهاور كثيرًا، وهناك بعض المفكرين الغربيين الذين يحددون الشرق الأوسط بأنه دائرة الحضارة الإسلامية. ـ أشار البعض إلى أن التحرك الأمريكي ضد الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر يستند إلى تقرير تم إعداده في عهد الرئيس الأسبق ريجان عام 1984، وأن هذا التقرير هو أول أوراق يقرؤها الرئيس بوش في أعقاب حادث الثلاثاء الأمريكي الأسود، وقرر الرئيس منذ اللحظة الأولى أن يجعل عنوان الملف ذا طابع ديني انطلاقاً منه لتسمية الحرب الدائرة حالياً بذات المسمى، ولكن مستشاريه تدخلوا في الوقت المناسب ورأوا أن هذه التسمية تعنى التصريح المباشر بالحرب بين الإسلام والمسيحية مما جعله يعدل عن هذه التسمية نهائياً. ويؤكد هذا التقرير في مجمله على فكرة أن الإسلام عدو للغرب، ومن هذا المنطلق يقوم على فرضيتين هما: ـ الأولى: أن هناك عداءً مباشرًا بين الإسلام والديمقراطية الغربية وخاصة الأمريكية. ـ الثانية: أن إدارة الصراع مع الإسلام يجب أن تتجاوز صراع الحضارات، لأن هذا الصراع سيؤدى إلى خسارة أمريكا، ويقسم العالم إلى حضارة غربية وأخرى إسلامية يمكن إن يحسم الصراع بينهما لصالح حضارة ثالثة مثل الصينية أو البوذية أو اليهودية ... الخ، ويقترح التقرير هنا أن تتم إدارة هذا الصراع من خلال توجيهه إلى الإسلام مباشرة متجاوزًا مفهوم الحضارة الإسلامية، أي تفتيت العالم الإسلامي إلى دول وتصنيف هذه الدول بأنها أشد عداء وأقل عداء، وبين هاتين المجموعتين ستقع مجموعات أخرى متباينة من الدول الإسلامية، وفي كل مرحلة فإن الولايات المتحدة يجب أن تقود الصراع مع دولة أو دولتين، ولا يزيد العدد على ثلاث دول، وأن تعمل أيضًا إما على تحييد باقي الدول الإسلامية ليستمر هذا التحييد لفترة طويلة، أو أن تعمل على ضم بعض الدول الإسلامية في معاركها ضد الدول الإسلامية المستهدفة. ـ في إطار التفكير الغربي حول حرب شاملة ضد الإرهاب تحدث البعض عن مارشال للعقل في العالم العربي في إشارة إلى خطة مارشال لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. والمقصود بهذه الفكرة التي دعا إليها دينيس ماكشين وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية، أن يقوم الغرب بتصدير ثقافته إلى العالم الإسلامي لتحل محل كل ما هو إسلامي، طالما أن الإسلام يشجع على الإرهاب وفق الرؤية الغربية. ويشير البعض إلى أن الصراع المقصود غربيًا بين الإسلام والغرب سوف يكون بين الإسلام العربي والغرب، وهذا ما تؤكد عليه مواقف الدول الإسلامية غير العربية من الحرب ضد الإرهاب مثل إيران وإندونيسيا وباكستان وغيرها. ثانيًا التداعيات الأمنية الداخلية: لما حدث في الولايات المتحدة، ومن ثم الحرب ضد الإرهاب والتطورات المصاحبة واللاحقة لها، تداعياته الأمنية العديدة على الأوضاع الداخلية في الدول العربية من حيث: ـ الاستقرار الداخلي وسلامة الجبهة الداخلية. ـ العلاقة بين الحكومات والقوى السياسية والمجتمعية. ـ العلاقة بين القوى والتيارات السياسية داخل الدول العربية. ـ حركة الانفتاح الاقتصادي والسياسي، داخليًا وخارجيًا. ـ الهوية الحضارية والثقافية. ويمكن إيضاح ما سبق من خلال الإشارة إلى عدة نقاط رئيسية هي: ـ بروز التيارات المتطرفة: ما من شك في أن أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية وما تبعها من تطورات، لها تأثيراتها المباشرة، قصيرة وبعيدة المدى، على التيارات الإسلامية، بمختلف توجهاتها، في العالم العربي، من حيث علاقاتها بالحكومات العربية وعلاقة الأخيرة بها، وعلاقاتها ببعضها البعض وبغيرها من القوى والتيارات السياسية فضلاً عن العالم الخارجي. ولهذا تحدث البعض عن نهاية الإسلاميين في العالم العربي، بينما تحدث البعض الآخر عن مرحلة جديدة من التطرف الإسلامي كرد فعل على اتهام الإسلام بالإرهاب وتقييد وملاحقة التيارات الإسلامية في العالم، خاصة في ظل أمرين: الأول: هو إدانة كل التيارات الإسلامية لمهاجمة أفغانستان، وفهمها لهذه الحرب على أنها ضد الإسلام. الثاني: الفتاوى العديدة التي صدرت من بعض علماء الإسلام مؤكدة على تحريم تأييد أمريكا في حربها ضد دولة إسلامية وبعض هذه الفتاوى أعلن الجهاد ضد الولايات المتحدة. وأكد البعض على أن هناك مخاوف في الدول العربية من دفع الحركات الإسلامية المتطرفة إلى البروز من جديد خاصة في المناطق التي تعيش على وقع الأزمات والتداعيات مثل الأراضي الفلسطينية والجزائر وآسيا الوسطى. ـ خطر الاحتقانات السياسية الداخلية، وذلك في ظل عدة أمور هي: ـ أظهرت تفجيرات نيويورك وواشنطن مدى نمو وتطور التيار الإسلامي المتطرف في بعض الدول العربية، حيث أن كل المتهمين عرب ومسلمون، وسيدفع ذلك إلى تعاظم البعد الأمني في تعامل بعض الدول العربية مع التفاعلات السياسية الداخلية، مما سيوجد حالة من الاحتقان السياسي داخلها الذي ستختلف حدته من دولة لأخرى. ـ وجهت الولايات المتحدة اتهاماتها للجمعيات الخيرية الإسلامية في الدول العربية، بأنها مصدر غير مباشر لتمويل عمليات الإرهاب، وطلبت من دولها ضرورة مراقبتها وخاصة فيما يتعلق بمصادر تمويلها، وأوجه الصرف الخاصة بها. وتبدو خطورة هذا الأمر من اعتبارين: الأول: هو كثرة الجماعات الخيرية الإسلامية في العالم العربي. الثاني: تمثل هذه الجماعات جزءًا أساسيًا من المجتمع المدني أو الأهلي في منطقة الخليج ودول مجلس التعاون تحديدًا، ومن شأن التضييق عليها أن يضر بحركة هذا المجتمع، ويدخله في صراعات مع السلطات الحكومية. ـ على خلفية المطالبة بمراقبة نشاط الجماعات الإسلامية والخيرية، في الدول العربية، يمكن أن تحدث بعض الصراعات بين الإسلاميين والليبراليين في هذه الدول، مما يضر بالأمن والسلام الاجتماعيين بها، ولعل المثال البارز هنا الكويت التي يتمتع فيها الإسلاميون بنفوذ كبير، سواء في مجال العمل الخيري الاجتماعي، أو العمل السياسي، حيث طالب بعض الليبراليين بها باتخاذ إجراءات رقابية ضد الجمعيات الخيرية الإسلامية مما دعا وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد إلى طمأنة الإسلاميين بأن الحكومة لن تغلق الجمعيات الخيرية وسيقتصر التوجه الحكومي على إعادة تنظيم الفروع غير المرخصة بإشراف وزارة الشئون الاجتماعية والعمل كما أدى الحديث الصحفي الذي أدلى به وزير الإعلام والنفط السابق الشيخ سعود ناصر الصباح والذي طالب فيه الحكومة الكويتية بالشدة تجاه الإسلاميين، إلى سجال سياسي واسع بين الليبراليين والإسلاميين على الساحة الكويتية. ـ اتجهت بعض الدول العربية إلى تشديد قوانين العقوبات بها في إطار المواجهة التشريعية للإرهاب، إلا أن هذا التشديد طال بعض الحريات وخاصة حرية التعبير. ـ إعادة النظر في مظاهر الانفتاح الداخلي والخارجي التي تميز بعض الدول العربية، بسبب الاتهامات التي وجهت إلى بعضها بأن الانفتاح الكبير على الخارج هو أحد الأسباب التي تشجع على تحرك العناصر الإرهابي بسهولة. ـ بالإضافة إلى ما سبق، يمكن الإشارة إلى عدة تداعيات أمنية خاصة بمنطقة الخليج تحديدًا، إضافة إلى نصيبها من التداعيات الأخرى التي سبقت الإشارة إليها، أهم هذه التداعيات هي: ـ هناك عدد كبير من القوات الأمريكية في الخليج، من المحتمل أن يتعرض لبعض العمليات الإرهابية، كما حدث للمدمرة كول في اليمن عام 2000، مما سينعكس على الأمن والاستقرار في المنطقة كلها. ـ احتمالات توجيه ضربات عسكرية إلى دولتين من دول المنطقة أو إحداهما، وهما العراق وإيران، وفي حالة حدوث ذلك سوف ينعكس على الأمن الداخلي لدول مجلس التعاون. ـ أشار البعض إلى احتمالات طلب الولايات المتحدة من بعض دول الخليج تسليم بعض رعاياها لمحاكمتهم بها بتهمة الضلوع في تفجيرات نيويورك وواشنطن، خاصة وأن أغلبية المتهمين الذين شملتهم القائمة الأمريكية من الخليج، وقد آثار أحد المحللين في هذا الصدد عدة تساؤلات أساسية هي: ماذا لو قدمت الولايات المتحدة قائمة بأسماء مواطنين يقيمون في دول مجلس التعاون وطالبت بتسليمهم لمحاكمتهم بها؟ وبموجب أي قانون سوف يحاكمون وتحت أي تهمة؟ وهل هناك اتفاقات حول تبادل المتهمين؟ وهل سيؤخذ في الاعتبار مفهوم سيادة كل دولة على أراضيها؟ وما موقف القانون الدولي من ذلك؟ أم أنها ستكون عملية انتقائية؟. ـ نظرًا للقرب الجغرافي لمنطقة الخليج من مسرح الأحداث في أفغانستان، فإنها ملجأ محتمل للاجئين الأفغان الفارين من الحرب، وما يستتبع ذلك من مشاكل اجتماعية وأمنية عديدة. ـ بمنطقة الخليج ملايين المسلمين الآسيويين العاملين في قطاعات مختلفة، ولا شك سوف تنعكس الحرب في أفغانستان عليهم وعلى سلوكهم، خاصة وأن معظمهم من باكستان والهند، وهذا يرتب مسؤوليات كبيرة على أجهزة الأمن في دول مجلس التعاون. والسؤال المهم الآن هو: ما هي الاستراتيجية العربية المقترحة لمواجهة هذه التداعيات؟ من العرض السابق يتضح أن العالم العربي يقع في بؤرة التأثير والتأثر في إطار الحرب ضد الإرهاب، إلا أن تعاطيه مع الأمر لم يرق إلى مستوى التحدي الذي يمثله خاصة في ظل غياب الرؤية الإسلامية والعربية الواحدة. ومن هذا المنطلق تجدر الإشارة إلى عدة ملاحظات أساسية هي: ـ ليس مطلوبًا أو ممكنًا تحدى الولايات المتحدة خاصة في ظل التأييد العالمي الواسع لها في حربها ضد الإرهاب، ولكنه ليس مطلوبًا أيضًا الاستجابة لكل مطالبها وتفسيراتها وتصوراتها بشأن الأمور والقضايا المختلفة، أو الوقوف على الحياد، لأن ما يحدث منذ 11 سبتمبر لا يحتمل الحياد بشأنه لسبب أساسي هو أنه يمس المصالح العربية في الصميم، ولم يستطع العرب الوصول إلى موقف توازني موحد يحقق مصالحهم وفي الوقت ذاته لا يجرهم إلى صدام مع أمريكا. ـ من الضروري تعامل العرب مع هذه الأحداث من منطلق استراتيجي شامل قصير ومتوسط وبعيد المدى، وعدم الاقتصار على التعاطي الوقتي مع الأحداث، أو أخذ جانب رد الفعل المتأخر على تطوراتها. فما يشهده العالم الآن هو صراع، علني وخفي، بين عدة استراتيجيات تسعى كل منها إلى الدفاع عن مصالح محددة أو الترتيب لواقع جديد يحقق أهدافها، فيما تغيب الاستراتيجية العربية ـ الإسلامية، على الرغم من أن أرض العرب والإسلام هي المسرح الأساسي لهذا الصراع. ـ من الضروري كذلك أن تقوم المؤسسات الدينية الرئيسية في العالم العربي والإسلامي، بدورها في صياغة خطاب ديني إسلامي ينفي عن الإسلام تهمة الإرهاب، ويصحح الكثير من المفاهيم أمام العالم، فقد أثبتت أحداث 11 سبتمبر، أنه على الرغم من المراكز الإسلامية العديدة المنتشرة في أنحاء مختلفة من أوروبا وأمريكا وآسيا، فإن الأمريكيين والأوروبيين لا يعرفون شيئًا عن الإسلام، وبالتالي يصدقون كل ما يقال لهم عنه، ولعل نفاد نسخة المصحف المترجم في فرنسا بعد أيام من أحداث الولايات المتحدة، يؤكد على هذا الأمر، ولكنه يشير إلى أن شعوب العالم أصبحت الآن مهيأة أكثر من أي وقت مضى لأن تعرف وتسمع وتقرأ عن الإسلام، ولكن المهم هو ما هو الذي ستقرأه وتعرفه وتسمعه خاصة وأن الخطاب الديني الإسلامي لم يكن منسجمًا خلال الفترة القصيرة الماضية في التعاطي مع حوادث أمريكا والتحالف الدولي ثم حرب أفغانستان؟ وهنا يمكن عقد مؤتمر دولي إسلامي تحت رعاية منظمة المؤتمر الإسلامي يضم علماء الإسلام لصياغة خطاب موحد تجاه التطورات الجارية. ـ إن أكثر مظاهر الخطر التي يمكن أن تنتج من أحداث الولايات المتحدة والحرب ضد الإرهاب تنبع من أسلوب تعامل الحكومات العربية مع التيارات الإسلامية بها، وأسلوب التعامل بين التيارات الإسلامية وغيرها من التيارات الأخرى، وهذا يقتضي وضع الوحدة الوطنية وسلامة النسيج الداخلي فوق كل اعتبار في كل دولة عربية على حدة، سواء من قبل الحكومات أو التيارات السياسية. ـ على الجامعة العربية دور كبير في تنسيق المواقف العربية، وكذا منظمة المؤتمر الإسلامي بالنسبة للمواقف الإسلامية، ومن الممكن في هذا الصدد عقد اجتماع مشترك بين الجامعة ومنظمة المؤتمر الإسلامي لصياغة خطاب سياسي إعلامي واحد للعرب والمسلمين. ـ الملاحظة الأخيرة في هذا الشأن هي أنه في ظل تباين واختلاف المواقف الرسمية العربية الذي يحول دون اتفاقها على موقف واحد، وكذلك بالنسبة لمواقف الدول الإسلامية ـ فإن المسئولية ملقاة على عاتق المؤسسات والجهات غير الحكومية مثل المعاهد ومراكز الدراسات العربية والإسلامية الموجودة في الدول الإسلامية والعربية أو في أمريكا وأوروبا، فضلاً عن دور المؤسسات الدينية والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى في تصحيح صورة الإسلام وتقليل خسائر العرب والمسلمين إذا كان من الصعب تفاديها تمامًا.