انعكست أحداث 11 سبتمبر بشكل درامي على مناطق كثيرة في العالم، من بينها المنطقة العربية، وكانت العلاقات الأمريكية ـ العربية، تمر بظروف يمكن وصفها بالمتوترة نظراً لتوتر الوضع في الشرق الأوسط وعجز المنطقة العربية عن ايجاد حل مع كل الاتفاقات الموقعة. ونجد ان هذه الأحداث ارتبطت بعد لأي وجهد بالعرب ورسمت صوره مشوهة للعرب، وارتبط الفعل الدرامي بهم وبدينهم ككل مرة يتوجه فيها الغرب لتسويغ وجوده وضرورته في المنطقة. قسمت هذه الأحداث العالم الى معسكرين لاثالث لهما مثلما قسمته الى أحلاف ومستويات أخرى سياسية منها درجات ارهابية ومنها دول مصالح، ومنها دول اتجاهات. ما هي أبعاد هذه الأحداث والحرب ضد الارهاب، السياسية والأمنية، وكيف يمكن مواجهتها، أو على الأقل التقليل من أخطارها على مستقبل أمن واستقرار دول المنطقة؟ كيف نقرأ الأبعاد الأمنية والسياسية والحملة ضد الارهاب على العالم العربي، وعلى منطقة الخليج العربي بالذات، وعلى القضية الفلسطينية وتداعياتها في المنطقة؟ هل يمكن عد هذه الحملة أو القضية قضية «عداء للعرب والاسلام» فعلاً، وبأي منظار ينظر لها؟ ما هي المواقف الرسمية العربية ولماذا تباينت، ما ظروف هذه المواقف وهذا التباين؟ جاءت أحداث 11 سبتمبر وكانت العلاقات بين العرب وأمريكا تمر بتوترات ظاهرة بسبب الموقف الأمريكي من اعتداءات إسرائيل على الفلسطينيين، حتى أن ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز رفض دعوة بوش لزيارة واشنطن. وقد زادت هذه الأحداث وما تلاها من تطورات من حدة الأزمة في العلاقات العربية ـ الأمريكية على أكثر من مستوى كالأتي: ـ القائمة التي نشرتها جهات التحقيق الأمريكية للمتهمين في الحادث، معظمها من العرب إضافة إلى بعض المسلمين من جنسيات غير عربية، وقد انعكس هذا الأمر على طبيعة التغطيات الصحافية الغربية للأحداث، فاتسمت، في بعضها، بالنزعة العدائية ضد العرب، كما انعكس على طبيعة ونوع المطالب أو الطلبات الأمريكية من العرب في إطار التحالف والحرب ضد الإرهاب فقد كان لافتًا للنظر ـ أنه على الرغم من أن واشنطن قد طلبت من جميع حلفائها المساعدة والاشتراك في التحالف الدولي ضد الإرهاب، فإن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأدنى التقى ببعض السفراء العرب في أمريكا بشكل خاص وعرض عليهم سبعة مطالب أمريكية في إطار دورهم في التحالف الدولي ضد الإرهاب. إضافة لذلك قام وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بجولة في المنطقة شملت مصر والسعودية وسلطنة عمان، قبل بدء الهجوم على أفغانستان بأيام، في محاولة للحصول على تعاون عربي أكبر في هذا المجال، خاصة وأن السعودية قد أعلنت على لسان وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل أنها لن تسمح باستخدام القواعد الأمريكية في أراضيها لضرب أفغانستان وقالت مصر إنها لن تشارك بأي قوات عسكرية في الحرب ضد الإرهاب. ـ بالإضافة إلى أن أغلب المتهمين من العرب، فإن هناك دولا عربية معرضة للاستهداف في الحرب مثل العراق وسوريا ولبنان والسودان وليبيا، وذلك في ظل أمرين: الأول: تأكيد الرئيس الأمريكي وغيره من المسئولين الأمريكيين على أن الحرب ضد الإرهاب لن تتوقف عند حدود أفغانستان، ولكنها سوف تشمل دولاً ومنظمات أخرى تدعم الإرهاب من وجهة النظر الأمريكية. الثاني: ان قائمة الدول التي ترى واشنطن أنها ترعى الإرهاب تضم عدة دول عربية هي «سوريا، السودان، ليبيا، العراق»، وتضم قائمة المنظمات التي تمارس الإرهاب من وجهة نظر واشنطن العديد من المنظمات العربية والإسلامية على رأسها حزب الله في لبنان، منظمتا الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين وغيرها. وهناك العديد من الأصوات داخل أمريكا تدعو إلى معاقبة كل من له صلة بالإرهاب وفق الرؤية الأمريكية، ولذلك يقول المسئولون الأمريكيون أن هذه الحرب ستكون طويلة وممتدة. وبالنظر إلى التحسن الذي حدث في علاقات أمريكا مع كل من السودان وسوريا خلال الفترة الأخيرة من خلال عدم الاعتراض على رفع العقوبات عن الأولى في الأمم المتحدة ، وعدم الاعتراض على حصول الثانية على مقعد غير دائم في مجلس الأمن على الرغم من إجهاضها لذلك في مرة سابقة، والمحاذير المحيطة بأي اعتداء على ليبيا، فإن العراق، إضافة إلى لبنان «حزب الله» هما الهدفان المحتملان لأي ضربات عسكرية أمريكية تتجاوز أفغانستان، إذا ما قررت الولايات المتحدة توسيع نطاق الحرب. ـ ومن الأمور ذات العلاقة بأزمة العلاقات العربية الأمريكية، على ضوء الحرب ضد الإرهاب أن الولايات المتحدة على الرغم من إعلانها أنها تتفهم حدود الذي يمكن أن تقوم به بعض الدول العربية في مساندة التحالف ضد الإرهاب، فإن مواقف هذه الدول سيكون لها تأثيرها على علاقاتها مع واشنطن خلال الفترة القادمة، فقد كانت تصريحات الرئيس الأمريكي واضحة في هذا الشأن وهي أنه من ليس مع التحالف فهو مع الإرهاب، وهذا معناه أن الدول العربية التي عارضت التحالف أو رفضت المساهمة فيه هي في صف الإرهاب وفق المنظور الأمريكي، وأنها سوف تعاقب بشكل أو بآخر على موقفها. خاصة وأن أمريكا قد قسمت دول التحالف إلى أربعة أقسام هي: ـ الدول الضالعة مباشرة بالعمليات الحربية وهي بريطانيا ، فرنسا، إيطاليا، واستراليا، وكندا. ـ الدول المشاركة في تقديم التسهيلات اللوجيستية، والمعلومات الاستخبارية وهي إسرائيل ، باكستان ، الهند، بنجلاديش، أسبانيا، طاجيكستان ، أوزبكستان، تركمانستان، كازاخستان، دول حلف الأطلسي الثماني عشرة. ـ الدول محدودة التأييد ومتعاطفة وهي روسيا، الصين، اليابان ، تركيا، المملكة العربية السعودية، الكويت، الجزائر، سلطنة عمان، الأردن، قطر، الإمارات. ـ دول مشمولة بمظلة الإرهاب وهي أفغانستان ، إيران، العراق ، سوريا، لبنان ، اندونيسيا، وليبيا. ـ تتعرض بعض الدول العربية لحملات انتقاد وتشويه من قبل الصحافة الأمريكية، وخاصة السعودية ومصر. فعلى الرغم من زيارة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي لواشنطن في 18/9/2001، وإعلان السعودية استنكارها لما حدث من أعمال إرهاب في الولايات المتحدة ووقوفها معها ضد الإرهاب، وقطعها لعلاقاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان ـ على الرغم من ذلك فإن بعض الصحف الأمريكية والبريطانية قادت حملة تحريض ضد الرياض حتى أن بعضها وصف السعودية بأنها الحليف المتردد واتهمتها صحف أخرى بأنها شجعت على تمويل منظمة القاعدة وابن لادن، وأنها لاتتعاون بشكل كاف مع الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب. أما بالنسبة لمصر، فقد عارضت فكرة التحالف الدولي ضد الإرهاب ، على أساس أنها سوف تقسم العالم مع أو ضد التحالف، وطالب الرئيس المصري حسنى مبارك بمؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، وعلى الرغم من زيارة وزير الدفاع الأمريكي لمصر وتأكيده على تفهم بلاده لموقفها وحساسية هذا الموقف، فإن الإدارة الأمريكية قدمت أحد عشر تحفظًا على تصريحات الرئيس مبارك، وتقود بعض الصحف الأمريكية حملة ضد مصر في هذا الصدد ما أوجد حالة من الحرب الإعلامية بين البلدين. غياب الموقف العربي الموحد ومما يزيد من عمق المشكلة التي تواجه العالمين العربي والإسلامي عدم وجود موقف موحد، وغلبة الطابع القطري على مواقف الدول العربية والإسلامية المختلفة، حتى أن أحد المسئولين الباكستانيين برر موقف حكومة برويز مشرف الخاص بقبول كل المطالب الأمريكية، بعدم مساندة أي دولة عربية أو إسلامية لباكستان أو حتى نصحها باتخاذ موقف معين. وهنا يمكن الإشارة إلى عدة مؤشرات أساسية هي: ـ تباين المواقف العربية سواء تجاه ما حدث في 11 سبتمبر أو التحالف ضد الإرهاب أو الهجمات ضد أفغانستان، فقد انتقدت كل الدول العربية ما تعرضت له أمريكا من إرهاب باستثناء العراق، وبخصوص التحالف الدولي، فقد عارضته مصر، فيما وافقت عليه دول عربية أخرى داعية إلى حل القضية الفلسطينية. وبالنسبة للضربات ضد أفغانستان، عمدت الدول العربية إما إلى عدم التعبير عن موقفها صراحة، أو الحديث بلغة دبلوماسية عن ضرورة عدم التعرض للمدنيين ورفض استهداف أي دولة عربية بالهجمات. وهنا فإن ما يلفت النظر أمران: ـ الأول على الرغم من أن العرب معنيون، ربما أكثر من غيرهم، بكل التطورات الحادثة بدءًا من 11 سبتمبر، فإنهم لم يعقدوا اجتماعًا مشتركًا واحدًا على أي مستوى لتنسيق مواقفهم، وعندما اجتمع وزراء الخارجية العرب فإنهم اجتمعوا على هامش اجتماع وزراء الخارجية المسلمين في الدوحة يوم 10/10/2001 بعد شهر من أحداث نيويورك وواشنطن، والتنسيق الجماعي العربي الوحيد الذي يمكن القول أنه كان متعاطيًا مع تطور الأحداث هو اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون في 23/9/2001، وإن كان قد جاء بعد فترة طويلة من الحادث، وبعد عدة اجتماعات أوروبية على مستويات مختلفة للتعاطي مع الأمر، وحتى اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية، فقد جاء بيانه الختامي مكررًا ولا يحمل جديدًا ولم يتضمن أي انتقاد للضربات ضد أفغانستان. الثاني: الغريب في الأمر أن بعض الكتاب العرب حاولوا الدفاع عن مواقف دول عربية معينة في مواجهة مواقف دول أخرى، مما زاد من واقع الخلاف أو الاختلاف القائم بين هذه المواقف. ـ لم يتوقف الأمر عند حد الخلاف العربي ـ العربي، وإنما تعداه إلى خلاف عربي ـ إسلامي، وخلاف إسلامي ـ إسلامي. ولعل هذا ما يتضح من مواقف الدول الإسلامية الرئيسية غير العربية مثل باكستان وإيران وإندونيسيا وماليزيا. ـ فقد أيدت باكستان الولايات المتحدة بشكل كامل وقطعت علاقاتها مع طالبان، حيث تجد طهران في القضاء على حركة طاليبان السنية تحقيقًا لمصالحها في وصول المعارضة الشيعية إلى الحكم في أفغانستان. ـ وذهبت رئيسة أكبر دولة إسلامية وهي إندونيسيا إلى واشنطن للتعبير عن دعم بلادها لأمريكا في الحرب ضد الإرهاب. ـ انتقدت إيران الهجمات على أمريكا، إلا أنها عارضت بشدة الانضمام إلى التحالف، وأدانت بشدة أيضًا الضربات ضد أفغانستان، وإن كانت قد أغلقت حدودها معها بناء على طلب أمريكي لإحكام الحصار على حركة طالبان حيث تجد طهران في القضاء على حركة طالبان السنية تحقيقًا لمصالحها في وصول المعارضة الشيعية إلى الحكم في أفغانستان. ـ ماليزيا بدورها انتقدت الضربات ضد أفغانستان، وقالت إن الأبرياء هم الذين يقتلون. ولعل هذا هو الذي حال دون انعقاد أي اجتماع إسلامي إلابعد شهر من حدوث هجمات نيويورك وواشنطن، وبالتالي فقد أي تأثير له خاصة وأنه جاء بعد بدء الحرب ضد الإرهاب بالفعل. ـ الفجوة بين المواقف الرسمية والشعبية في البلدان العربية، وهذا ما تفسره المظاهرات التي اندلعت في كثير من هذه الدول احتجاجًا على ضرب أفغانستان، وعلى الرغم من خطورة الموقف، فإن أياً من الدول العربية لم يدعو إلى عقد اجتماع طارئ للبرلمان لمناقشته، أو فتح حوار عام حول الموضوع، هذا في الوقت الذي حرص فيه بوش، الرئيس الأمريكي، على أن يوضح للشعوب الإسلامية أنه لم يكن يقصد المعنى الذي فهم من استخدامه لكلمة «كروسيد» والتي تعنى الحروب الصليبية. ـ غياب التفكير الاستراتيجي العربي في التعاطي مع تطورات الأحداث على الساحة الدولية منذ 11 سبتمبر 2001، وسيطرة أو غلبة التفكير قصير المدى وذي الطبيعة القطرية البحتة وقد نقل عن وزير الخارجية القطري قوله في ختام اجتماعات وزراء خارجية الدول الإسلامية بالدوحة في10/10/2001 إن هذا اللقاء قد عالج حدثًا ولم يناقش استراتيجية!! ـ غياب دور الجامعة العربية في العمل على إخراج موقف عربي موحد من خلالها على الرغم من أن الأمر كان من الخطورة بمكان بحيث يحتاج إلى قمة عربية طارئة، وقد جاء غياب الجامعة العربية على الرغم من أمرين: الأول: ما حدث في الولايات المتحدة يعد ضربة مؤلمة لجهود تكوين لوبي عربي إسلامي في الولايات المتحدة يوازي اللوبي اليهودي أو ينافسه في خدمة المصالح العربية والإسلامية، ويتضح مقدار الخسارة في هذا الصدد من أن هذا اللوبي كان في طريقة للتشكيل بالفعل وممارسة دوره على الساحة السياسية الأمريكية، إضافة إلى أن الإدارة الأمريكية ذاتها كانت قد بدأت تأخذ هذا اللوبي في الاعتبار ولا تحاول تجاهل مطالبه، هذا فضلاً عن أن من ضمن استراتيجيات الجامعة العربية لتطوير العمل العربي المشترك على الساحة الدولية تدعيم دور الجاليات العربية في الولايات المتحدة وأوروبا. كما جاءت الهجمات الإرهابية على واشنطن ونيويورك في الوقت الذي كان فيه العرب يستعدون لتنفيذ خطة عربية أقرها مجلس وزراء الإعلام العرب لتحسين صورة العرب في الخارج في مواجهة الدعاية الصهيونية وفي ظل مشاعر العداء المشتعلة في الغرب ضد ما هو مسلم أو عربي، فإن هذه الخطة تعرضت لضربة شديدة وأصبحت غير ذات معنى. الثاني: خطر تفكيك النظام الإقليمي العربي، فقد أشار البعض إلى أنه كان من أهداف عملية السلام التي قادتها الولايات المتحدة انطلاقًا من مؤتمر مدريد عام 1991، إقامة نظام إقليمي شرق أوسطي يحل محل النظام الإقليمي العربي، وعلى الرغم من العقبات التي واجهت هذا المسعى، فإن واشنطن لم تتخل عن هدفها، وبالتالي فإن من ضمن أهداف التحالف الدولي الجديد ضد الإرهاب هو استكمال ما لم يستكمل من هياكل النظام الإقليمي شرق الأوسطي، ولكن حدود هذا النظام سوف تختلف عن حدوده التي طرحت في إطار عملية السلام فقد كان الهدف في البداية هو ربط العرب بإسرائيل، ولكن الهدف الآن هو توسيع نطاق النظام ليشمل أفغانستان والقوى المحيطة بها بدءًا من باكستان وإيران ودول آسيا الإسلامية مع مشاركة غير مباشرة من ثلاث قوى مجاورة لهذا النظام هي الهند والصين وروسيا، وهكذا يرتبط أمن الشرق الأوسط بمفهومه الواسع بأمن وسط آسيا وجنوب شرق آسيا، لتكون كل هذه الكتلة الممتدة من اليابان شرقًا وحتى حدود المغرب غربًا، ومن الحدود الجنوبية لروسيا وشمال تركيا شمالاً حتى القرن الإفريقي وحدود الصحراء الأفريقية جنوبًا، تحت الضبط والسيطرة الأمريكية من الناحية الفعلية. التوجهات الأمريكية تجاه آسيا وتداعياتها العربية يؤكد الخبراء على أن الولايات المتحدة سوف تستغل الحرب ضد الإرهاب لتحقيق هدف مزدوج هو: القضاء على طالبان وابن لادن من ناحية، وبسط سيطرتها على منطقة آسيا الوسطي من ناحية أخرى، هذه المنطقة التي كانت تتوق إلى السيطرة عليها منذ فترة طويلة وقد جاءتها الفرصة، وبالتالي فإنها لن تغادر المنطقة بعد الإفراغ من حملتها ضد ابن لادن، حيث ان هناك هدفا اقتصاديا اساسيا وهو الوصول لبترول بحر قزوين وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعدت تقريرًا حول استراتيجيتها العسكرية على المستوى الدولي، انتهت من بعض أجزائه قبل هجمات 11 سبتمبر، وأتمت باقي التقرير بعدها. وقال مسئول كبير في البنتاجون ـ أورد التقرير كلامه ـ إن حرمان العدو من الملاذ هو من بين الأهداف المهمة للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في آسيا. والسؤال هنا هو: ماذا يعني ذلك عربيًا؟ وللإجابة هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى عدة نقاط رئيسية هي: ـ سوف يعني بقاء أمريكا في آسيا تراجع النفوذ العربي في منطقة آسيا الوسطي، وتحديدًا في الدول الإسلامية، وخاصة النفوذ السعودي، فضلاً عن التواجد الإيراني، لصالح النفوذ الإسرائيلي والتركي، وقد سعت تركيا وإسرائيل بالفعل إلى التواجد بالمنطقة ومنافسة الوجود الإيراني والسعودي بقوة، وحققا نجاحات كبيرة في هذا الصدد. ـ التواجد العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى عند منابع النفط في بحر قزوين، يمكن أن يقلل من الأهمية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية لمنطقة الخليج بالنسبة للولايات المتحدة فيما يتعلق بمصادر الطاقة، خاصة احتمالات التقارب مع إيران وتقارب الأخيرة مع جيرانها. وسوف يتضح هذا الأمر بوضوح إذا ما نجحت أمريكا في إحداث تغييرات سياسية حقيقية في العراق في أي مرحلة من مراحل الحرب ضد الإرهاب، هذا فضلاً عما سبقت الإشارة إليه وهو أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر الإسلام الشيعي خطرًا عليها، وإنما الإسلام السني هو الخطر، ومصدر الأخير الأساسي هو آسيا. ـ في ظل الحديث عن مقاومة الأصولية الإسلامية في آسيا، سوف يبرز الدور الإسرائيلي بقوة بالقرب من الخليج، خاصة وأن إسرائيل قد دأبت على تقديم نفسها للولايات المتحدة على أنها عنصر أساسي في مقاومة المد الأصولي الإسلامي في آسيا، وقد أشارت الأنباء بالفعل إلى أن ضباطًا إسرائيليين قد وصلوا إلى قيرغيزستان وأوزبكستان، لمساعدتهما على مواجهة أي تحركات أصولية مناوئة لهما من الداخل. ـ اتهمت بعض دول الخليج مثل السعودية وقطر والإمارات، بأنها مصدر غير مباشر لتمويل بعض الجماعات الأصولية في آسيا، وأن هناك بعض الجماعات الخيرية الخليجية على اتصال بهذه الجماعات الأصولية، وهذا يعني أن دولاً خليجية سوف تتعرض لضغوط خلال الفترة القادمة في هذا الشأن. إضافة لما سبق فإن تغيرًا بدأت ملامحه في الظهور في السياسة الأمريكية تجاه شبه القارة الهندية، يقوم على التقارب مع الهند وباكستان معًا بعد الموقف الباكستاني المؤيد لواشنطن في حربها ضد الإرهاب وهذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تسعى إلى تسوية مشكلة كشمير ولكن في إدراكها أنها أحد معاقل الإرهاب، وبالتالي ستكون تسوية غير مستقرة، فضلاً عن أن دعم الحكومة الباكستانية لواشنطن سيترتب عليه اضطرابات داخلية شديدة وربما انقلابات عسكرية وكل هذا يحدث بالقرب من منطقة الخليج التي يعمل بها ملايين الباكستانيين والهنود، ومطلوب من دول مجلس التعاون التعاطي مع كل هذه التطورات الجديدة. فكيف كان صدى الأحداث منذ بدايتها على العالم العربي وقضيته الفلسطينية وإسرائيل؟ في ظل مطالبة العرب بمواجهة الإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وتأكيدهم على أنه مالم تحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً فلن ينتهي الإرهاب من العالم،حاولت واشنطن أن تلعب بمهارة في التعاطي مع مطالب الطرفين، فأبدت بعض المرونة تجاه الدول والقضايا العربية مما أدى إلى اصطدامها مع إسرائيل التي أكدت على لسان آرييل شارون أنها لن تسمح بأن تكون الحرب ضد الإرهاب على حساب مصالحها في العلاقة مع العرب، وشبه بوش برئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشيمبرلين الذي تخاذل أمام هتلر عندما احتل يوغوسلافيا قبل الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى موقف بوش المرن تجاه القضية الفلسطينية. وقد أنتج الموقف الأمريكي الجديد من قضية الصراع العربي الإسرائيلي اتجاهين فكريين في العالم العربي: الأول: نادى باستثمار العرب للظروف والتعامل معها من منطلق مصلحي مثلما فعلت باكستان، طالما أنه لا يمكن لأحد أن يرد أمريكا عما تريد فعله، وذلك في ظل: ـ سعي أمريكا إلى التقرب من المسلمين، حتى أن بوش قد زار المركز الإسلامي في الولايات المتحدة ، وأكد احترامه للإسلام. ـ بروز بعض الأصوات داخل أمريكا التي تنادي بموقف عادل للولايات المتحدة في الصراع بين العرب وإسرائيل لتفادي تعرض مصالحها للخطر في الداخل والخارج. وأورد أحد الكتاب العرب أن إسرائيليًا كان يصور حطام مركز التجارة العالمي، وعندما عرف بعض الأمريكيين هويته انهالوا عليه ضربًا قائلين لم يحدث كل هذا إلا بسببكم. مشيرًا إلى الدلالات المهمة لهذه الحادثة مع أنها فردية. ـ الأمر لم يتوقف عند الولايات المتحدة وإنما امتد إلى دول أخرى مثل بريطانيا وإيطاليا حيث ميز وزير الخارجية البريطاني جاك سترو بين الإرهاب والعمليات الفدائية الفلسطينية ضد إسرائيل مما أدى إلى إغضاب المسئولين الإسرائيليين، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لم يقدم أي اعتذار عما حدث على الرغم من تهديد شارون بعدم استقبال سترو في إسرائيل مرة أخرى. وحتى رئيس الوزراء الإيطالي بيرلوسكوني الذي أثار ضجة بسبب تصريحاته التي اعتبرت عنصرية وعدائية ضد الإسلام، قال أمام مجلس الشيوخ في 109/2001 إن هناك ضرورة لتطبيق خطة مارشال على فلسطين، لأن إحلال السلام في العالم سيكون صعبًا للغاية مادامت المواجهات ممتدة في الشرق الأوسط، إن شغلنا الشاغل يجب أن يكون فلسطين. وأضاف إننا نريد سلامًا عميقًا بين الغرب والإسلام كما أكد رئيس الوزراء البريطاني أكثر من مرة على تأييده لإقامة دولة فلسطينية. الثاني: شكك في جدوى أي مشاركة عربية إلى جانب أمريكا في التحالف الدولي ضد الإرهاب متسائلاً: لماذا تورطنا الولايات المتحدة في حروبها؟ ، ومشيرًا إلى أن التجارب السابقة تؤكد أن واشنطن تسعى إلى كسب التأييد في أوقات الأزمات إلا أنها لا تلتزم بوعودها ومواقفها بعد ذلك، وموقفها من عملية السلام التي انطلقت بعد حرب الخليج الثانية هو مثال على ذلك.