ظل الافغان لسنوات يقولون لبعضهم بعضا «لا يمكن أن تسوء الأمور أكثر من ذلك»، كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي يواسون بها أنفسهم إزاء قسوة الحياة في أفغانستان.غير أن الأمور ازدادت سوءا بالفعل. فحتى قبل هجمات 11 سبتمبر الماضي التي فجرت الغارات الامريكية الحالية على بلادهم، كان أطفال الافغان يموتون جوعا وأصدرت الامم المتحدة منذ أمد بعيد تحذيرات من كارثة وشيكة. وفضلا عن تحملها أوزار 22 عاما من الحرب، فإن أفغانستان تمر حاليا بموجة جفاف تعتبر الاسوأ منذ 30 عاما. وقد دفع ذلك ـ مقترنا بالسياسات العقائدية المتصلبة لحركة طالبان الحاكمة والقصف الجوي الامريكي ـ أفغانستان إلى شفا الانهيار. وتحذر منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة (فاو) من أن المجاعات الجماعية قد باتت وشيكة في أفغانستان، وتقول أن ثلث سكان الدولة ـ أي نحو 5.7 ملايين شخص ـ في وضع بائس. ومع تقديم منظمات وهيئات الاغاثة أقصى ما بوسعها من إمدادات غذائية ومساعدات إلى ما يقدر بثلاثة ملايين لاجئ أفغاني في باكستان المجاورة، فإنه من الصعب للغاية عليها توفير مساعدات للمحتاجين داخل أفغانستان. وطالما استمر القصف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد أفغانستان، فإنه سيكون أيضا من الصعوبة بمكان على هيئات الاغاثة التفاوض مع طالبان للحصول على مرافقين لضمان توصيل المعونات بسلام. بدأت محنة أفغانستان عام 1979 عندما غزت قوات الاتحاد السوفييتي السابق الدولة. وشنت الجماعات الاصولية الاسلامية في البلاد، «المجاهدون»، التي سلحها الغرب حرب عصابات أدت إلى انسحاب السوفييت عام 1989. غير أن الاسلحة التي كانت أرسلت إلى تنظيمات المجاهدين الفضفاضة هذه ظلت في أفغانستان واستخدمت في ذلك الوقت للاطاحة بنظام نجيب الله المدعوم من موسكو وفي حرب أهلية لاحقة أودت بحياة 50 ألف مدني بين عامي 1992 و1994. لكن طالبان طردت المجاهدين من معظم أنحاء أفغانستان وسقطت العاصمة كابول تحت سيطرتها عام 1996. وبينما كان المجاهدون يتلقون دعما من الغرب، فإن حركة طالبان أصبحت مصدر قلق حقيقياً للغرب: حيث يتم ضرب السيدات اللاتي لا ترتدين الحجاب ولا يسمح للفتيات بالذهاب إلى المدارس وتقطع يد السارق ويرجم الشواذ جنسيا حتى الموت. وأصبحت البلاد في حالة فوضى. وكانت طالبان مستعدة لقبول معونات الطوارئ لكن المجتمع الدولي لم يكن مستعدا لتقديمها لان ذلك كان يعني التعاون مع طالبان ـ نظام الحكم غير المعترف به إلا من ثلاث دول في العالم حينذاك. وانقسم المجتمع الدولي إلى فريقين بشأن ما إذا كان يتعين تقديم مساعدات لسكان الدولة المخربة المحتاجين. فقد كان البعض يعتقد أن المعونات ستساعد على غلبة القوى الاكثر ليبرالية، فيما رأى البعض الاخر أن أي مساعدات ستدعم وتحصن نظام حكم بربريا. وكأن الحرب لم تكن كافية، فقد هز زلزالان قويان أفغانستان عام 1998 وأسفرا عن مقتل نحو عشرة آلاف شخص. ثم اجتاحت البلاد موجة جفاف مدمرة العام الماضي. وقال لاجئ وصل إلى مخيم بالقرب من مدينة هيرات بغربي أفغانستان في مايو الماضي، أنه لم يتبق لديه سوى 20 كيلوجراما فقط من القمح من محصول عام 1999. وأضاف أنه زرع محصولا جديدا في ربيع عام 2000 لكن الجفاف أتى عليه. هذه قصص متداولة على نطاق واسع في أفغانستان. ويقول الخبراء إن البلاد تدفع الان ثمن قرار الغرب عدم تزويدها بمساعدات للتنمية. وتقول ايليان دوتويث رئيس مكتب الامم المتحدة في كابول إن حقيقة عدم وصول معونات الطوارئ إلا إلى نقاط معينة تدفع المواطنين للنزوح عن قراهم. وتضيف «ولوقف ذلك، فإنه سيتعين علينا توصيل المساعدة (للمحتاجين) في أماكنهم وإصلاح أنظمة الري وتوفير البذور». د.ب.أ
