هكذا لفظ أوسلو أنفاسه الأخيرة، خطأ عرفات الأساسي عدم الربط بين المفاوضات ووقف الاستيطان يتحدث ران كوهين أحد أقطاب حركة «ميريتس» واليسار الإسرائيلي عن أوسلو والاستيطان قائلاً: لم تشطب مسيرة أوسلو ولو مستوطنة واحدة من الخريطة الجغرافية لكنها نجحت في رفع المستوطنات كموضوع للجدل العام، وإذا كان من الممكن الإشارة إلى إنجاز مركزي للانتفاضة الشعبية المسماة بانتفاضة الأقصى فان هذا الإنجاز يكمن في اعاده مسألة المستوطنات إلى جدول الأعمال العام في إسرائيل، ولو قمنا بعملية إحصائية بسيطة وسطحية في الأرشيف المبرمج لصحيفة «هآرتس» لتجسد ذلك بصورة جليه : ففي عامي 1996و1997 ذكرت كلمه «المستوطنات» في الجريدة نحو 30 مرة بالمتوسط في الأسبوع، وفي 1998 انخفض عدد ذكرها إلى 24 مرة في الأسبوع، وفي 1999 استمر هذا الرقم بالهبوط إلى أن وصل إلى 22 مرة، وفي الثلاثة أرباع الأولى من عام 2000 أي حتى سبتمبر تواصل هذا الاتجاه وانخفض الرقم إلى 18 مرة في الأسبوع، ومنذ أن تفجرت الانتفاضة في مطلع نوفمبر وخلال الأسابيع الأربعة الأولى منها قفز هذا الرقم إلى 40 مرة، وفي الأسابيع الأربعة التي قفز إلى خمسين، يبدو لنا من خلال هذه النظرة أن خطوط مسيرة أوسلو قد شحذت كمسعى لإضفاء الضبابية على الوعي الجماهيري، فمن جهة فسرت إسرائيل الموافقة الفلسطينية على تأجيل البحث في المستوطنات إلى «التسوية الدائمة» ليس فقط على أنه شبه حظر على إخلاء المستوطنات قبل التسوية الدائمة، بل وكأنه تصريح لإسرائيل لتوسيعها بلا حدود، أما السلطة الفلسطينية فقد طلب منها أن تفرض هذا التوسع في الاستيطان على المواطنين الفلسطينيين، ذلك أن أي مقاومة فعالة مضادة للاستيطان ستكون بمثابة «عنف» ممنوع، ومن جهة أخرى، استخدمت إسرائيل في تعليقاتها المعادية للاتفاقات بقصد رفع المستوطنات عن جدول الأعمال اليومي السياسي العام، وكأن مشكلاتها قد حلت، واتضح أن عدد المستوطنين خلال مسيرة أوسلو قد تضاعف، وبمعنى آخر نجحت حكومات إسرائيل منذ 1993 في نقل مواطنين إسرائيليين إلى المناطق المحتلة بأعداد تماثل الأعداد التي نقلت إليها خلال الأعوام الـ 26 الأولى من الاحتلال. أوسلو مات في الأسابيع الأولى من الانتفاضة رفضت صحيفة «هآرتس» نشر مقالات انتقادية، وبعد مرور شهر على الانتفاضة، وعلى الرغم من حالة التشويش التي وصف بها اليسار في إسرائيل، بدأت تسمع أصوات «تعيد النظر» ودعت الكثير من هذه الأصوات بشكل مفاجئ وبصورة صريحة وواضحة وقاطعة إلى إخلاء المستوطنات. من الصعب معرفة السبب الذي حدا بهم إلى العودة والتحدث عن المستوطنات، ولكن ربما أنهم اقتنعوا في النهاية بحقيقة أن دعوات من قبيل «القضاء على دولة إسرائيل» (سواء عن طريق اقامه دولة ديمقراطية أو إسلامية لجميع مواطني البلاد، أو عن طريق قتل اليهود أو طردهم) لم تعد تسمع من قبل ناطقين فلسطينيين، وانما تخرج من داخل صندوق رنين الأيديولوجية الإسرائيلية لتبرير الاحتلال. لم تنحصر الدعوة إلى إخلاء المستوطنات في «المشوشين» اليساريين الذين كما ذكرنا آنفا أعادوا النظر في مواقفهم وطالبوا بشكل قاطع بالانسحاب من المناطق المحتلة فقط، بل تبعتهم مجموعة كبيرة من الشخصيات والكتاب والمفكرين غير اليساريين الذين أعربوا عن تأييدهم لمسيرة أوسلو من بينهم على سبيل المثال ديفيد جروسمان الذي نشر مقالا تحت عنوان «الآن من المستحيل التلعثم» وزئيف شطرنهل، موشيه شوكد، مناحيم كلاين، أبيعاد كلاينبرج، ميخائيل بن يئير المستشار الأسبق للحكومة الإسرائيلية، وقد بلغ هذا النهج ذروته في الدعوة التي وردت في عريضة نشرت في الصحافة بتاريخ 17/11/2000 وجاء فيها من بين ما جاء : ان حكومة باراك لم تفكك حتى ولو مستوطنة واحدة، بل استثمرت أكثر من حكومة نتانياهو في المستوطنات وتوسيعها، وإذا لم يوجد هنا عدم استقامة، فإنه يوجد عدم فطنة، ان إبقاء المستوطنات على ما هي عليه أو توسيعها تمنع أية إمكانية لمد خط حدود منطقي بين إسرائيل وفلسطين، ومعنى ذلك من الناحية العملية هو تخليد النزاع، اننا ندعو حكومة إسرائيل إلى الإعلان عن التجميد الفوري لبناء المستوطنات وإلى الاعتراف بخط الرابع من يونيو 1967 كأساس لتثبيت الحدود بيننا وبين الفلسطينيين كما يجب إخلاء الغالبية من المستوطنات. وتوسعت قائمة أسماء المعارضين للمستوطنات والاحتلال لدرجة أنها ضمت شخصيات محسوبة على المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وعلى سبيل المثال كتب زئيف شيف وهو من كبار المعلقين السياسيين الأمنيين في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 24/11/2000 مقالاً تحت عنوان «أوسلو مات يحيا الاحتلال!» عدد فيه «الأخطاء الإسرائيلية» في مسيرة أوسلو وأكد قائلاً : «فوق كل شيء كان التوسع المتواصل للمستوطنات القائمة وإقامة مستوطنات جديدة على حساب مصادرة الأراضي الفلسطينية استنتاجهم، بأن الأمل في إقامة دولة قابلة للعيش يتلاشى ببطء. كما وجدوا أنفسهم في حيرة مستحيلة، أيوافقون على الاحتلال الآخذ بالاتساع أم يسعون إلى قيام دولة مزدوجة القومية يعيشون فيها مع الإسرائيليين، أو أن يقيموا لأنفسهم كانتونات بائسة، أو أن ينتفضوا. يبدو أنه لم يحدث أبداً أن وجد تقارب كبير سواءً بين الأفكار أو التصورات بين معلق إسرائيلي كبير من قلب المؤسسة الحاكمة وبين مؤرخ فلسطيني راديكالي مثل رشيد الخالدي الذي أخبر توم سيف في العدد نفسه من صحيفة «هآرتس»، ما يلي: ان الخطأ الرئيسي الذي ارتكبه عرفات تمثل في أنه لم يشترط ربط المفاوضات بوقف الاستيطان، فمنذ أوسلو تضاعف عدد المستوطنين وأمسى قطع السيادة المقترحة للفلسطينيين بعيدة جداً عما يمكن وصفها كقاعدة للدولة، وأضاف يقول : ان الكثيرين جداً من الفلسطينيين توصلوا إلى نتيجة مفادها أنهم لن يحصلوا على شيء من سلام عرفات». لم تسمع من قبل الأحزاب التي تعتبر مناسبة للحكم، أي تلك الأحزاب غير «العربية» حتى الآن أية دعوة لإخلاء المستوطنات، وينسحب هذا القول أيضاً على حزب «ميريتس» الذي يلتزم بصمت مريع حيال مسألة المستوطنات، وهنا كما نرى نشأت قطيعة شديدة بين حديث الأحزاب السياسية المعتدلة وبين حديث أجزاء واسعة من الرأي العام الذي كان مؤيدا لها، قال باروخ كيمرلينج في مقال له نشر في صحيفة «هآرتس»: «ان مسيرة إسرائيل الاستعمارية اجتازت عتبة اللاعودة»، واضاف : «ان الأسئلة العديدة التي بقيت مفتوحة هي كم من الدم سيراق حتى ينفذ هذا الإدراك أيضاً إلى عقل القيادة السياسية وتستخلص النتائج الإيجابية المطلوبة»، وبودي أن اعرض هنا خطأ أكثر تشككاً، لا شك في أن عودة الدعوة إلى تفكيك المستوطنات إلى وعي الرأي العام تعتبر مهمة ومباركه، ولكن النضال بين الحديث السياسي والحديث العام لا ينطوي على أي ضمانه لانتصار الأخير. لسنا في السويد أما الكاتب الفلسطيني جمال زحالقة فيعالج موضوع الانتفاضة ببعدها العربي في الإعلام الإسرائيلي قائلاً : من بين أكبر مظاهرات التأييد التي نظمت في العالم العربي مع الانتفاضة الثانية المظاهرة الحاشدة التي جرت في الرباط، عاصمة المغرب، فقد شارك فيها أكثر من مليون ونصف المليون شخص، وحظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام العربية، كما أفادت المحطات الفضائية الشعبية التي تلتقط في كافة أرجاء العالم العربي وأيضاً في إسرائيل، حيث أن رئيس الحكومة الاشتراكي اليوسفي سار في مقدمة المظاهرة وإلى جانبه زعيم اليسار الراديكالي في المغرب اليهودي أبرهام تصرفاتي الذي أمضى سنوات كثيرة في السجن بسبب نشاطه السياسي المناهض للمؤسساتية. وقد أجريت خلال البث التلفزيوني مقابلة مع أدمون الملاح الذي قدم ككاتب يهودي مغربي، حيث أعرب فيها عن تعاطفه غير المحدود مع الانتفاضة وعن تأييده للسلام القائم على توازن بين حقوق اليهود وحقوق الفلسطينيين، من جهته تجاهل التلفزيون الإسرائيلي الذي يكثر من بث مقاطع مما تبثه المحطات الفضائية العربية، تجاهل هذه المظاهرة على الرغم من أنه بث تقارير واسعة عن المظاهرات الأخرى المؤيدة لانتفاضة الأقصى، التي جرت في أنحاء العالم العربي. من الصعب الاعتقاد بأن هذا التجاهل كان يعود لسبب فني، بل من المنطق الافتراض أنه نجم عن اعتبارات سياسية محضة، من المعروف أن ايهود يعارى و«تلامذته» ورفاقه في وسائل الإعلام الإسرائيلية يشكلون مصفاة تمر عبرها تطورات في العالم العربي إلى الجمهور الإسرائيلي، كما أنهم يعملون كإعلام مجند للمجهود الحربي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، فقد حاول يعاري وأمثاله إيجاد صورة عن الانتفاضة وكأنها موجهة ضد اليهود ومؤيدة عربياً من الخليج إلى المحيط، بيد أن مظاهرة الرباط لم تربط بهذه الصورة، ولهذا هم تجاهلوها بكل بساطة. هناك في وسائل الإعلام الإسرائيلية كما هي الحال في الحديث الإسرائيلي اليهودي تشويش مقصود يظهر النضال الفلسطيني ضد الهيمنة اليهودية في البلاد كنضال عربي عام ضد اليهود، وبهذا الصدد، أي فيما يتعلق بالكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل هناك تشويش آخر مقصود، يظهر النضال الفلسطيني للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي، كنضال للقضاء على دولة إسرائيل، وهذا، على الرغم من أن زعماء الانتفاضة الحالية صرحوا مراراً وتكراراً وفي كل مناسبة أنهم لا يناضلون ضد السلام وإنما من أجل السلام، فالانتفاضة ليست موجهة ضد الشعب في إسرائيل، وهي تنطوي على تمرد معلن ضد العنجهية الإسرائيلية وعدم تسليم الفلسطينيين بوضعهم المتدني في الحاضر وفي المستقبل، وتكمن المشكلة في أن مفهوم التفوق وحديث المنتصرين مطبوع عميق في الوعي الإسرائيلي، لدرجة أنهما تحولا إلى وضع يعتبر طبيعياً ومفهوماً بحد ذاته، ويعتبر أي اعتراض عليهما كأنه اعتراض على أنظمة العالم، ومساس بما يسمى «حنجرة المجتمع الإسرائيلي». وعن الانتفاضة والحرب الإسرائيلية ضدها والبعد الأوروبي الدولي يقول زحالقة: في مستهل ديسمبر 2000 عقد بنيامين نتانياهو مؤتمراً صحفياً في فندق الملك داود، حيث أعلن ترشيحه لرئاسة الحكومة، وصرح في بيانه الافتتاحي بأن الشرق الأوسط ليس اسكندنافيا وأن السلام الممكن فيه هو السلام الفاتر، وكرر زعمه، بأن هنا ليس أوروبا، وبأن جيراننا هم ليسوا السويديين (الهادئين، الحضاريين، محبي السلام، وحسن الجوار)، ان هذه المزاوجة الكلامية «سلام فاتر» ولكن ليس «اسكندنافي» هي حقاً أصلية، بيد أن الفكرة ذاتها تسمع في أحيان متقاربة وتتحول أحياناً إلى زعم كاسح في التقارير العامة في إسرائيل. الحكمة والحماقة قد يوجد من يقول ان هذه جملة غبية قالها إنسان ليس حكيماً، غير أن المسألة هنا ليست الحكمة والحماقة، ذلك أن الموقف الذي ذكرت فيه هذه الجملة يمثل ليس فقط نهج معسكر نتانياهو، ان الزعم بأن الشرق الأوسط ليس أوروبا أو بأن «جيراننا» ما العمل، أنهم ليسوا السويديين أو النرويجيين»، يسمع بين الحين والآخر، تنطوي مثل هذه المزاعم على وجبة دسمة من التعالي الورع، التغاضي والنسيان والإنكار، حاولوا التفكير بما كان سيحدث لو أن الصهاينة حاولوا إقامة دولة يهودية داخل وليس بجانب أرض غربية وعلى ذلك أجاب كبير الواقعيين الإسرائيليين المؤرخ يهوشغاط هركابي حيث قال : ان الأخلاق بالذات تؤيد موقف العرب، فلماذا يقبل شاب ولد في هذه البلاد، هو وأجداده، قرار تسليمها للغرباء، ألأنهم وصلوا إلى هنا؟ أم لأن الله قد وفى بعهده كما يزعم الإسرائيليون؟ ان الإسرائيليين لو حاولوا أن يأخذوا قطعة أرض من النرويجيين أو من الأمريكيين، لكانوا قد أبادوهم عن بكرة أبيهم، أما العرب فقد فشلوا في إحباط المشروع الصهيوني، وبذلك تجدهم مرغمين على قبول حكم التاريخ بأن تكون هنا دولة لليهود، ولكن طالما أنهم مدركون بأن إسرائيل ترفض حتى أية تسوية من جانبهم مؤسسة على ترك المناطق التي احتلت في 1967، فإن إحساسهم بالظلم والسخط سيتفاقم جداً، بحيث يتفاقم الاستعداد للقتال حتى الرمق الأخير. ان النهج للواقع السياسي والتاريخي المنقط بمخرج «هنا ليس أوروبا»، يعشش في الرؤى السياسية لإسرائيل يمينيين ويساريين، مثل هذا النهج لن يفضي بطبيعة الحال إلى السلام لا فاتراً ولا حاراً، وحتى لو تجاهلنا للحظة محو تاريخ البلاد وأوروبا في القرن العشرين الذي ينطوي عليه هذا النهج نجد أن هنا دعوة للمحافظة على التفوق والهيمنة الإسرائيلية من خلال أسباب تتعلق بعدم الثقة بالعرب عامة والفلسطينيين بخاصة زد على ذلك أن هذا النهج يضع حاجزاً حتى أمام واقعية إسرائيلية جديرة باسمها، لأنها في الأصل موجهة نحو تجاهل الواقع باسم مبدأ الواقع المزعوم. فرضت الانتفاضة الأولى على قوات الأمن الإسرائيلية إدارة القتال من بيت لبيت داخل المدن الفلسطينية، وهذا بحد ذاته شكل دافعاً إسرائيلياً رئيسياً لاتفاق أوسلو، المبني على انسحاب إسرائيل من التجمعات السكانية الفلسطينية للتخلص من ضرورة إدارة القتال من بيت لآخر، تمثل المنطق الإسرائيلي في أوسلو بتخفيف ظروف الاحتلال للمحتل حتى يكون في المستطاع التوصل إلى محادثات حول التسوية الدائمة من دون تهديد بمواجهات واسعة مع السكان الفلسطينيين المدنيين، كان من الممكن تسويق اتفاقات أوسلو في إسرائيل وفي العالم كوضع لا تهيمن فيه إسرائيل على السواد الأعظم من السكان الفلسطينيين، وعلى هذا الأساس كان بالإمكان إشاعة الوهم بأن الأمر يتعلق بوضع نهاية للنزاع أو ما شابه ذلك، غير أن الفلسطينيين استمروا بشعور نير المحتل الأجنبي الوحشي على أجسادهم. الوعي الكاذب ان عملية تشويه الحقائق ترافق المحللين على طول الطريق، كما أن صناعة الأكاذيب تعمل ساعات إضافية، والقمع متواصل على مدار الساعة، وكما أن المجرم بحاجة إلى محامٍ محنك من أجل أن يظهر بريئاً، فإن كل يوم احتلال بحاجة إلى كتائب من وحدات الجيش المتحركة ومسوقي الأكاذيب، وذئاب خاطفة للدموع. سواء أكانت هناك تسوية أم لم تكن فإن الطريق إلى السلام الحقيقي والمصالحة التاريخية يحتاج إلى جرافات عملاقة تزيل أكوام اللغة الكاذبة التي تراكمت على مدى أعوام، كسواد يهودي موهوم بني على حساب أبناء الأرض الفلسطينيين. ان الفصل بين الكذب المتفق عليه والوعي الكاذب عملية مؤلمة، ولكنها ممكنة، حيث تبدو الآن تصدعات في سور حماقة الدم والكذب والدموع، ويتوجب توسيعها لتدمير هذا السور.