يبدو واضحا ان افغانستان مقبلة على عهد الوصاية الدولية السافرة بعد ان سقطت عمليا حكومة طالبان، على اثر القصف العسكري الامريكي الذي قوض امكانيات الحكومة، وشرد قياداتها، وادخلها كهوفا لن تتمكن من داخلها ان تمثل سلطة تحكم شعب الافغان. تغيير موازين القوى ان ايام طالبان كقوة مهيمنة على افغانستان قد ولت، وستتغير موازين القوى بشكل حاسم، حيث ستتحول طالبان الى قوات عصابات تطاردها الحكومة الجديدة، وتطاردها القوات الاجنبية الغازية، وتطاردها حليفتها السابقة باكستان، ولكنها لن تلقي السلاح حتى وقت طويل، فطالبان ليست قوة محدودة يمكن سحقها بحملات عسكرية سريعة، فهي حركة ايديولوجية عنيفة لها امتداداتها في كل من باكستان، والهند، والجمهوريات الاسلامية بآسيا الوسطى والشيشان، مما يعني ان الصراع معها قد يتسع ليشمل الاقليم بأسره، ولكن طال الزمن ام قصر فإن النهاية ليست في صالح طالبان التي لم تأل جهدا طوال العام الحالي، في تأليب الاقليم الآسيوي بأسره. وبانحسار ظل طالبان فستفقد افغانستان الميزة الوحيدة لحكم طالبان، وهي ميزة الاستقرار فسلطة طالبان القوية كانت هي التي التي سحقت قوات المعارضة السياسية، وقادت في النهاية الى انهاء عهد زراعة وتجارة المخدرات، وبزوال طالبان عن الحكم، ستعود كل تلك الرزايا الى افغانستان، اذ ليس ثمة مؤشر واحد يشير الى ان الحكومة القادمة ستتمتع بمثل ما كانت تتمتع به تشكيلة طالبان الحاكمة، من التجانس والوحدة الايديولوجية، وبساطة التصور والبرامج، فالنزاع الداخلي هو مآل الوضع القادم لا محالة، ويمكن تأكيد ذلك بمجرد القاء نظرة الى قطبي القيادة الجديدة وهما قطبان متنافران اشد ما يكون التنافر، وظلا يتحاربان لاكثر من عشرين عاما، وهما القطب الاسلامي الذي يقوده برهان الدين رباني، والقطب الذي يقوده الجنرال الشيوعي سابقا عبد الرشيد دوستم. كان رباني من اوائل قادة الجهاد ضد الشيوعيين وذلك منذ ان كان طالبا بالجامعة، وكان عبدالرشيد دوستم احد اعتى اركان الآلة العسكرية الشيوعية لنظام كابول المدعوم بالروس، وطالت الحرب بين الطرفين حتى بعد ان بدل دوستم مواقفه واصبح يقود جيشا لاثنيته الاوزبكية ويوجهه لحرب المجاهدين، والآن فالناظر الى خريطة الصراع يرى امرا عجيبا اذ ان كلا من هذين القائدين قد غير تحالفه السابق، فالبروفيسور الاسلامي ذي التاريخ العريق في حرب الروس، اصبح يتحالف معهم علنا، وكأنه ما كان عدوهم في يوم من الايام، اما الجنرال الماركسي، صنيعة الروس، فقد اشهر الآن تحالفه مع القوات الامريكية التي تقصف افغانستان وتستعد لاجتياحها، وكأنه ما كان يوما ما عدوا للامريكان ايام الجهاد. الاقطاب المتحركة كيف يمكن لهذين الغريمين القديمين ان يتحالفا وهما لا يجمعهما شيء سوى عداء طالبان، ويفرقهما كل شيء بعد ذلك، واكثر ما يفرقهما هو السعي نحو السلطة، حيث يراقب كل منهما خطوات صاحبه بقلق وارتياب فدوستم لا يفتأ يعلن انه على بعد خطوات من مزار شريف وانه قد استقبل اخيرا جنرالات الجيش والاستخبارات الامريكيين لييسروا له ذلك المسعى ويحققوه له، وهو يطمئن الامريكان بأنه خير من يوثق به لتحطيم قوة طالبان واعتقال ابن لادن، ولا يتردد في ان يقدم لهم افضل خدمة اعلامية يطلبونها، بتأكيده ان القصف الامريكي الاخير لم يصب مدنيا افغانيا واحدا بأذى! هذا ما كان من امر دوستم الذي يؤكد دائما انه سياسي متمرس مثلما انه عسكري متمرس، وتلك ميزات يفتقدها برهان الدين رباني، الذي لايطرح نفسه الا على انه غريم طالبان، وانه يمثل قوة اسلامية معتدلة وبناء على ذلك كانت روسيا تؤيده كما كانت ايران تؤيده لنفس السبب، ولكنه سيخسر الآن دعم الجميع، وسيخسره بعد ان تستفرغ طاقته في القتال ضد طالبان، واذا كانت روسيا، ترفض الطلب الامريكي بتمثيل عناصر طالبان المعتدلة في السلطة الجديدة، فما الذي سيحدو بها لقبول تمثيل قوة رباني في تلك السلطة لا شك ان موقف رباني سيكون مهزوزا جدا، وحظوظه ستتضاءل في قسمة السلطة، التي لم تتضح اقدارها بعد، ولكن اتضحت ملامحها حيث ان المطلوب هو ان تتشكل حكومة علمانية صارمة تصفي بالعنف تراث طالبان وتستأصله من الجذور. وهذا لن يتهيأ لحكومة يشترك فيها حزب رباني او اي من الاحزاب الاسلامية الاخرى. علمانية البديل ان علمانية البديل قد لا تحرص عليها ايران او باكستان ولكن ستحرص عليها كل الحرص كل من روسيا والهند وطاجيكستان، واذا كانت امريكا قد ابدت عدم ممانعتها في تمثيل طالبان في السلطة الجديدة، على اساس ان يأتي التمثيل من بعض عناصر طالبان المعتدلة، فان ذلك يمكن ان يفهم بحسب بواعثه، فأمريكا تراهن بذلك على شق قوة طالبان كهدف رئيسي، ولذلك تحاول ان تغري بعض عناصر طالبان المعتدلة بالانشقاق عن سلطة الملا محمد عمر، كما انه امل يراود امريكا، في ان تقوم بعض عناصر طالبان بالمساعدة في اعتقال ابن لادن، والملا عمر وآخرين، ولذلك تحاول ان تفتح لهم طريقا بتلك الدعوة وتأمل امريكا ان يؤدي عدم تمنعها عن التعاون مع عناصر طالبان المعتدلة، الى تحسين صورتها في العالم الاسلامي واعطاء دليل على عدم دخولها في حرب استئصالية للاسلام، وقد كانت دعواها بأنها ليست في حرب ضد الاسلام، واحدة من اهم العناصر الاعلامية الاولى في خطاب الحرب. ان الامريكيين اكثر واقعية من الآخرين، فوجود حكومة افغانية بغطاء اسلامي يسير يعتبر في المنظور الامريكي افضل من وجود حكومة علمانية سافره ويحاول الامريكيون ان يمهدوا للحكومة المرتقبة بقوة احادية من الامم المتحدة تحكم افغانستان، وتدعمها قوة عسكرية من دول اسلامية، تكون بذلك الشكل مقبولة لمواطني افغانستان المشهورين بكراهيتهم لرؤية القوات غير الاسلامية في بلادهم وقد كان ذلك احد اهم الدروس التي استخلصها المخططون الامريكان من تاريخ المعضل الافغاني، ولكن ماتزال امريكا في انتظار دول اسلامية سوى تركيا تتبرع بانجاز ذلك الدور لها وقد لا تجد من يقوم به. وتواجه امريكا مشكلة اخرى من قوات التحالف الشمالية التي تضغط من اجل ان تكثف امريكا من قصفها الجوي لافغانستان حتى تقضي بالكامل في اسرع وقت ممكن على القوة العسكرية لطالبان، ويبدو ان هنالك ازمة ثقة بين امريكا وقوات التحالف الشمالية التي تستعجل الوصول للسلطة وتخشى ان يستخدمها الامريكيون لتحقيق اهدافهم ثم يعطوا السلطة لغيرهم وكما صرح المتحدث الرسمي باسمهم في واشنطن فان القوات الشمالية تخشى ان تقوم الولايات المتحدة بابرام اتفاق مع باكستان تشكل على ضوئه اركان الحكم الجديد. الخاسر الاكبر وهنالك دوافع كثيرة تدفع بباكستان لمراجعة حساباتها الاستراتيجية الحرجة، فهي الخاسر الاكبر من إزاحة نظام طالبان الذي كان يواليها، ومن وقوع الحكومة الافغانية القادمة في تحالف مع غرماء باكستان، وعلى رأسهم الهند وروسيا، وهنا ستجد باكستان نفسها في وضع استراتيجي سييء الاوضاع اذ ان السند الوحيد الوثيق الذي ظلت تحتفظ بصداقته قد طاح. يضاف الى ذلك اللطمة الاخرى التي تأتي باستيلاء المعارضة على الحكم في بنجلاديش، وهي معارضة موالية للهند، وازاء ذلك فان وضع باكستان الاقليمي قد يضعف. ولعل محاذيرا مثل تلك هي التي دفعت بالجنرالات الذين عزلوا اخيرا لرفع اصواتهم بالاحتجاج والانذار من غير ماجدوى، فللجنرال الحاكم حسابات اخرى من غير هذا المنظور ولعله مايزال يأمل ان ينفذ كولن باول وعده باشراك جناح اسلامي طالباني معتدل في السلطة القادمة في افغانستان، وهو وعد حتى لو نفذ فلن ينفذ الا بنحو جزئي وشكلي ولن يكون للجناح الطالباني اي اثر يذكر في توجيهه السلطة القادمة. ان البديل القادم لما تتمخض عنه دورة الاحداث بعد، ولكنه في اغلب الاحتمال سيكون تشكيلا مهزوزا معاديا لطالبان، وتتعادى فصائله على نفس الاسس التوزيعية الاثنية القديمة، وهكذا فان افغانستان موعودة بأيام حروب اهلية ستطول وفي اثنائها ستتصاعد احداث عنف اخرى ربما ترتكب معظمها فلول طالبان وهي تفر امام التحالفات المتناقضة التي لا تجمعها الا ارادة استئصالها عن الوجود. د. محمد وقيع الله