لن يتطلب الامر سوى طائرة خاصة صغيرة وليس طائرة نفاثة تجارية مختطفة. ويستطيع احد المعاونين ان يسقط بصورة عرضية حقيبة من الجراثيم البكتيرية التي تتخذ شكل المسحوق اثناء الطيران بدلا من ان يضطر الى اخضاع حمولة الطائرة من الركاب. وبمقدور الفريق المنفذ لهذه العملية ان يهبط بسلام ويكون في البيت في موعد العشاء بدلا من ان ينتهي به الامر في جحيم انتحاري يسمى هذا النوع من التحرك بالارهاب البيولوجي، ويقول الخبراء انه سيكون من الاسهل بكثير تنفيذه واكثر احتمالا للحدوث في غضون السنوات القليلة المقبلة من النسخة المكررة للعمليات الارهابية التي وقعت في نيويورك وواشنطن مؤخرا، ومن الممكن لسحابة صغيرة من البكتيريا او الفيروسات ان تصيب بصمت وسهولة عشرات الالوف من الاشخاص متسببة في عمليات انتشار قاتلة للجمرة الخبيثة او الجدري او وباء رئوي او اي من عشرة امراض اخرى قاتلة. والضحايا المصابون بأمراض معدية يمكنهم ان ينقلوا جراثيم المرض الى آلاف آخرين قبل حتى ان يعرف الاطباء حقيقة ما يجري. وعلاوة على ذلك، فان الارهاب البيولوجي قد يثير اضطرابات سياسية اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الذعر الذي احدثته الأوبئة سريعة الانتشار تاريخيا. يقول مايكل اوسترهولم، مدير مركز جامعة مينسوتا لبحوث الامراض المعدية والسياسة: ان الاحداث التي وقعت في نيويورك وواشنطن كانت مآسي تجاوزت ما كان يتصوره اي شخص في السابق، لكن قدرة الارهاب البيولوجي تعتبر اكبر بكثير من حيث الخسائر البشرية وايقاع الفوضى. وسيكون اقل وضوحا من ناحية التمثيل التصويري، فهو بدون ألسنة لهب وانفجارات، ولكنه اكثر غدرا بكثير، فأي شخص مصاب بالسعال قد يكون سلاحا. ومن نواح كثيرة، فان الأمة تعتبر اقل استعدادا للارهاب البيولوجي من استعدادها للأعمال الارهابية التقليدية. وقد وثق تقرير لمكتب المحاسبة العامة في اكتوبر من عام 1999 وجود ثغرات هائلة في نظام الأمة لحماية نفسها من الهجمات البيولوجية. وقد وجد المفتشون نقصا في اللقاحات والأدوية، ومخازن مليئة بعقاقير انتهت مدة صلاحيتها واجراءات امن متراخية في الاماكن التي تخزن فيها عقاقير خطرة. استعدادات غير كافية وخلص تقرير نشر في يناير 2001 وأعد من قبل مراكز الوقاية والسيطرة على الامراض في اتلانتا الى نتيجة مفادها ان البنية التحتية للصحة العامة في الدولة غير كافية للكشف عن حادثة ارهاب بيولوجية والاستجابة لها. واشار تقرير لمكتب المحاسبة العامة نشر في مارس 2001 الى ان 20% من اللوازم الدوائية والطبية للأمة والمحتفظ بها من قبل مكتب الاستعداد للطواريء الفيدرالي لهجوم ارهابي بيولوجي مخزنة في قبو تبلغ درجة الحرارة فيه 95 درجة فهرنهايت ولا يحتوي على اجهزة تكييف للهواء. وفعالية الادوية لا يمكن ضمانها الا اذا حفظت مبردة على درجة حرارة تقل عن 86 درجة فهرنهايت. لقد جرى ادخال بعض التحسينات منذ ذلك الحين. ومع ذلك فان الامة الامريكية والعالم يعتبران غير مستعدين لمكافحة انتشار واسع لامراض فتاكة كالطاعون، حسبما قال نورمان كانتور، الاستاذ الفخري في جامعة نيويورك واحد الباحثين حول مرض الطاعون. واضاف نورمان: سيكون هناك بعض التحسن عن العصور الوسطى، ولكن ليس بذلك التحسن الكبير. الارهاب البيولوجي تاريخيا ان الارهاب البيولوجي ليس بالأمر الجديد، فقد قام البرابرة في القرن الرابع عشر برمي جثث مصابة بالطاعون فوق اسوار المدن المحصنة لنشر العدوى القاتلة في اوساط اعدائهم، وفي عام 1763 قام الانجليز في فورت بيت ببنسلفانيا بتقديم بطانيات محملة بجراثيم الجدري لهنود كانوا مخلصين في ولائهم للفرنسيين، وفي وقت قريب يعود الى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، اكتشف مفتشو الاسلحة التابعون للأمم المتحدة ان العراق قام بتخزين رؤوس حربية تحتوي على جراثيم الجمرة الخبيثة والمادة السامة التي تسبب التسمم الشبيه بالتسمم الغذائي. وقد كشف العلماء الروس ان الاتحاد السوفييتي السابق انتج كميات كبيرة من جراثيم الجمرة الخبيثة التي ترقى لمرتبة الاسلحة، كما ان «اوم شنريكيو»، وهي طائفة دينية يابانية اطلقت غاز الاعصاب المعروف باسم السارين في مترو الانفاق بطوكيو في عام 1995، وقامت بمحاولات تجريبية عديدة لنشر عناصر بيولوجية. بل ان اعضاء من الطائفة ذهبوا الى زائير لتعلم المزيد من فيروس الايبولا القاتل. وقد حظرت معاهدة دولية تتعلق بالاسلحة البيولوجية تم التوقيع عليها من قبل 143 دولة تطوير وانتاج وتخزين الاسلحة البيولوجية منذ عام 1975، لكن غياب اي نظام تحقق رسمي لمراقبة الاذعان للمعاهدة قد حد من فاعليتها وفقا للأمم المتحدة. وعلى اي حال فان الارهابيين لايتقيدون بالقوانين او القواعد المرعية، وهناك خمس دول على الاقل معروفة برعايتها للارهاب الدولي سبق ان حصلت على القدرة على انتاج اسلحة بيولوجية بحسب الخبراء العسكريين الامريكيين. وعلى الرغم من هذه القدرات الا ان الاستعداد الامريكي تراجع وذلك يعود في جانب منه الى ان الارهاب البيولوجي كان يعتبر مستبعدا تماما. وتساءل المتشككون قائلين: من سيقدم على مثل هذا العمل؟ لكن الهجمات الاخيرة في نيويورك وواشنطن قوضت على نحو خطير مثل هذه الضمانات المنطقية. ان الهجمات البيولوجية يمكن ان يكون الرد عليها اصعب بكثير من الهجمات الارهابية التقليدية فمن جهة، تعتبر سرية اكثر من كونها علنية، فلن يعرف احد لايام ان هجوما من هذا النوع قد وقع، وذلك يشكل مشكلة عويصة لمرض مثل الجمرة الخبيثة. فثمانون في المئة من الاشخاص المصابين عن طريق استنشاق الجراثيم يموتون في غضون ايام اذا لم يعالجوا. وما ان تظهر اعراض المرض، وهي الحمى والطفح الجلدي واحتقان الرئتين، حتى يكون الوقت قد فات على وجه العموم. وهناك مشكلة اخرى، وهي ان خط الدفاع الاول ضد هجوم بيولوجي لن يكون متمثلا في الشرطة وموظفي الاطفائية، المدربون بشكل خاص للتعامل مع الحالات الطارئة المتعلقة بالسلامة العامة، وسيكون المدافعون هم الاطباء المحليون وطواقم المستشفيات، ومعظمهم تلقوا القليل من التدريب في مجال القدرة على التعرف على حالات تفشي الامراض غير الاعتيادية والاستجابة لها بسرعة. والامراض المعدية، بخلاف التفجيرات تواصل الانتشار لفترة طويلة بعد الهجوم الاولي، فالجدري، على سبيل المثال، يتم نشره بسهولة عن طريق السعال والعطس. وكان هذا المرض قد اعلن عن استئصاله في عام 1980 لكن قوارير مملوءة بالفيروس تم حفظها ومكان وجود البعض منها غير معروف، ولم يعد التطعيم يطبق. مما يترك جيلا كاملا معرضا للهجوم ولم يتبق في التخزين سوى جرعات قليلة من اللقاح القديم. وفي تمرين فيدرالي اجري قبل اكثر من اربعة اشهر، تم اكتشاف 24 حالة محاكاة لمرض الجدري في المستشفيات الامريكية كجزء من عملية تقويم للاستعداد الامريكي لارهاب بيولوجي. وبعد اقل من اسبوعين على اكتشاف تلك الحالات، اشارت النماذج الحاسوبية الى انه لو كان التمرين حقيقيا، لكان 15000 شخص حملوا المرض ولتوفي 1000 شخص آخرين،وكان «الوباء» لا يزال ينتشر لدى انتهاء التمرين وتنبأت النماذج الحاسوبية باندلاع اعمال شغب ونهب مع نفاد الامدادات من اللقاح. لقد ادلى مسئول سابق في وزارة الدفاع بشهادة امام الكونجرس بعد التمرين قال فيها ان «هذا سيشل الولايات المتحدة اذا ماقدر له ان يحدث». وكانت مبادرة لمكافحة الارهاب البيولوجي تقدمت بها ادارة كلينتون، ويتم الاشراف عليها بشكل مشترك من قبل مراكز الوقاية من الامراض والسيطرة عليها ومعاهد الصحة الوطنية ـ كانت قد سرعت من عملية تطوير تقنيات وقائية من بينها اجهزة تشخيصية محمولة لحامض الدي ان ايه، والتي قد تساعد في التعرف على جراثيم قد تمطر الولايات المتحدة من السماء. لكن اوسترهولم وآخرين يقولون ان ميزانية المبادرة البالغة 300 مليون دولار ماهي الا جزء يسير مما هو مطلوب لحماية الامة في السنوات المقبلة. ويذكر ان مراكز الوقاية من الامراض والسيطرة عليها قد سبق لها ان تعاقدت مع شركتين تعملان في مجال التقنية الحيوية لتصنيع وتخزين 40 مليون جرعة من لقاح الجدري. لكن الدفعات الاولى التي يمكن استخدامها من قبل المدنيين لا يتوقع ان تكون جاهزة قبل عام 2004. بقلم: ريك ويس ـ كاتب في صحيفة واشنطن بوست _ ترجمة: ضرار عمير