خلافاً للقاعدة القضائية التي تقول «ان كل مجرم هو بريء حتى تثبت ادانته» فان القاعدة التي تهيمن على تفكير الامريكيين حالياً مفادهاً «ان كل مواطن مصاب بالجمرة الخبيثة الى ان يثبت العكس». واذا كانت تفجيرات «سبتمبر مازال يكتنفها الغموض الشديد في كثير من جوانبها» فان قصة «الجمرة الخبيثة» تفوق في مبالغتها كل ما ابدعه الخيال في افلام هوليوود، ويكفي ان اول ضحاياها وهو روبرت ستيفنز مات ـ حسب تصريحات وزير الصحة الامريكي ـ نتيجة شرب مياه من نهر ملوث قبل ان يتم القول انه مات بالجمرة. حالة الذعر التي انتقلت من مكاتب البريد الى كبريات المؤسسات الاعلامية ومنها الى الكونجرس ما ادى لاغلاقه، نهاية بوصولها قبل يومين الى البيت الابيض نفسه، هذه الهيستيريا تشير الى اننا بصدد لعبة كبرى قد لا نكتشف كل تفاصيلها الا بعد عشرات السنين، على غرار ما حدث في قضية مقتل الرئيس الامريكي الاسبق جون كنيدي عام 1963 والتي لم يتم كشف تفاصيلها وخباياها الحقيقية حتى هذه اللحظة. واذا كان ثمة من خيط رئيسي في كل قصة الجمرة التي يستشفها كل العالم الآن، فهو التضارب والتناقض الفادح في المعلومات والتحليلات. هناك فريق يقول ان اجهزة الامن والمخابرات الامريكية هي التي اخترعت القصة منذ بدايتها لاهداف متعددة اهمها الهاء المواطنين بقضية كبرى كي تبعدهم عن فشل بلادهم العسكري في افغانستان حتى الآن، ولاخفاء فشل هذه الاجهزة في التنبؤ بتفجيرات سبتمبر. ايضاً يضيف هذا الفريق ان ربط انتشار المرض بتنظيم القاعدة او دولة مثل العراق قد يعطي لواشنطن في مرحلة لاحقة امكانية استخدام اسلحة دمار شاملة ضد قواعد طالبان والقاعدة اذا فشلت اسلحتها التقليدية في انجاز الهدف. وضد بغداد في وقت لاحق، وهو الهدف الذي يسعى انصار اسرائيل الى تحقيقه بكل الوسائل. لكن هذا الربط الذي حاول ان يتبناه نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني واجه ضربة قاضية عندما اعلن الرئيس بوش نفسه في الصين ان المصدر قد يكون داخلياً في اشارة للشبهات القوية التي تتهم اليمين الامريكي المحافظ الذي يسعى للانتقام من وسائل الاعلام الكبرى ومؤسسات الدولة العملاقة التي ينظر اليها هذا اليمين باعتبارها تنشر الرذيلة وتبيح الاجهاض وتبتعد بالشعب عن الدين. لكن المفارقة ان اجهزة الاعلام التي يفترض ان تكون وسيلة تهدئة للامريكيين في مثل هذه الكوارث، تحولت الى اداة للفزع، وهكذا فان كميات صغيرة من الدقيق اوأي محلول طبي ابيض اللون قد يكلف الخزانة الامريكية مليارات الدولارات. واذا كان البعض يستبعد تورط اجهزة الامن الامريكية في فيلم الجمرة لاعتبارات متعددة، او تورط تنظيم القاعدة باعتبار ان ما حدث يحتاج لامكانيات ضخمة مالية ولوجستية وعلى دراية كاملة بالمجتمع الامريكي، هذا البعض وتطبيقاً للقاعدة الامنية «فتش عن المستفيد من الجريمة» لا يستبعد دوراً محتملاً لمنظمات يهودية صهيونية متحالفة مع اليمين المحافظ. والسبب ان غالبية الامريكيين والاوروبيين ربطوا بين هجمات البرجين وهجمات الجمرة، وهكذا تحصد اسرائيل كل المكاسب!! عماد الدين حسين