خطر الاصابة بالجمرة الخبيثة اصاب الولايات المتحدة الامريكية ومعظم الدول الاوروبية بحالة من الهلع وسط تصاعد المخاوف من احتمالات هجوم جرثومي ينفذه الارهابيون ضد التجمعات السكانية او في سدود المياه او قطارات الانفاق . ورغم الجهود المبذولة لتطويق المرض الا ان الاصابات تتزايد يوميا محدثة مزيدا من الذعر والقلق وفقدان الثقة في الاجهزة الحكومية التي تتغنى دائما بقدراتها على التنبؤات بالمخاطر وردعها وحول بدايات هذا المرض الخطير يقول الخبير في الاسلحة البيولوجية مايكل ريد بأن البريطانيين أجروا في 1942 اختبارا بنشر مرض الجمرة الخبيثة على جزيرة صغيرة غير مأهولة في اسكتلندا ما ادى الى ابادة قطيع من الماعز وحظر زيارة هذه المنطقة لنحو نصف قرن. ومن الملفت ان بريطانيا بدأت في فبراير 1943 ابحاثها في هذا المجال، بعد سنوات على توقيع بروتوكول جنيف في 1952 الذي يحظر استخدام الاسلحة الكيميائية والبيولوجية. وفي الواقع لم يكن البروتوكول يحظر الابحاث على هذه الاسلحة ولا انتاجها وأضاف ريد انه في اكتوبر 1940 انشئت دائرة بورتون داون للابحاث رسميا وركزت بريطانيا ابحاثها على اسلحة بيولوجية يمكن رشها بواسطة بخاخات ترمي اولا الى القضاء على حيوانات الماشية. وفي 1924 في حين كانت الحرب العالمية الثانية في اوجها ولم تكن نتائجها محسومة بعد، امر ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني في حينها باجراء اختبارات على الحيوانات. ووقع الاختيار على جزيرة جرينارد الصغيرة على الساحل الغربي لاسكتلندا بين اولابول وجيرلوش في ميحط خلاب غير مأهول. ونقلت مقاتلة ولنجتون قنبلة صغيرة القيت على جرينارد حيث جمع قطيع من الماعز. ونشرت جرثومة الجمرة الخبيثة على الجزيرة بكاملها وبعد ثلاثة ايام نفقت اولى الخراف. وبحسب الوثائق الرسمية التي نشرت بعد اربعين عاما تبين ان الاختبار كلل بالنجاح. واستنتج العسكريون والباحثون ان اسلحة تحمل جراثيم الجمرة الخبيثة قد تستخدم ايضا ضد السكان وتجعل مدنا غير قابلة للسكن فيها لعدة اجيال. وفور الانتهاء من التجربة منع الوصول الى الجزيرة حتى 1968 عندما قررت الحكومة البريطانية اطلاق عملية معقدة ومكلفة لاستئصال المرض قدرها 500 الف جنيه استرليني في حينها. وتم رش 820 طنا من مادة فورمالدهيد السامة المطهرة التي مزجت بمليوني طن من مياه البحر على الجزيرة في حين رفعت اطنان من التربة من على سطح الارض في بعض المناطق ووضعت في حاويات احكم اغلاقها. وللتحقق من عودة الوضع الى طبيعته وانعدام مخاطر تفشي المرض نقل قطيع من الماعز الى الجزيرة ووضعه تحت رقابة هيئة مستقلة. وفي 25 ابريل 1990 توجه وزير الدفاع السابق مايكل نوبرت الى جرينارد ليرفع رمزيا آخر لافتة تحظر دخول الجزيرة. الا ان الامر لم يقنع الجميع وابدى عالم الآثار الشهير البروفيسور برايان موفات شكوكا حول فعالية عملية التطهير. واشار الى ابحاث اخرى اجريت على بقايا جرثومة الجمرة الخبيثة بقيت حية عدة من السنوات. وفي الخمسينات والستينات اثناء الحرب الباردة اجرى البريطانيون تجارب اخرى غير مؤذية وسرية للغاية لتقييم اثار هجوم بيولوجي محتمل على السكان. وكشفت صحيفة ذي جارديان البريطانية في عددها 19/10/2001 انه في 1936 و1946 نشر اخصائيون في مترو لندن مسحوقا شبيها بمسحوق الجمرة الخبيثة لا يشكل تهديدا على السكان. وكانت نتائج التجربة مخيفة لان الجزيئات الصغيرة التي نشرت في محطة توتينج برودواي جنوب العاصمة انتقلت حتى محطة كامدن تاون على بعد نحو 61 كلم شمالا. كازاخستان هل جاءت الجمرة من كازاخستان؟ يقول الخبير النمساوي الكه فيندش عن مصدر جراثيم الجمرة الخبيثة التي ما زالت تثير الرعب في الولايات المتحدة وفي أوروبا وغيرها من مناطق العالم بأنها جاءت من كازاخستان، الجمهورية الإسلامية ـ السوفييتية السابقة. وعلى الرغم من أن المصادر الأمريكية لم تؤيد أو تنفي ذلك، لكن الخبير ذهب إلى العهد السوفييتي السابق الذي حضر الأسلحة البيولوجية والكيماوية في مختبرات اختار لها وسط آسيا، وفي صحارى كازاخستان بالذات كما قام الاتحاد السوفييتي بإجراء تجاربه الذرية في منطقة سمي بالاتنس فكازاخستان التي تقدر مساحتها كمساحة أوروبا وعدد نفوسها حوالي 5،15 مليون شخص، وعلى الرغم من أن الجمهورية تعود للمسلمين لكن الروس وغيرهم من القوميات السلافية استوطنوها حسب خطة سوفيتية يمثلون اكثر من خمسين بالمئة من سكانها، والكثافة السكانية فيها جدا قليلة. اختار الجيش الأحمر تلك المنطقة لإنشاء معامله ومختبراته لإنتاج الأسلحة البيولوجية والكيماوية في مناطق تمتد من الاورال وانتهاء بصحارى منطقة شرق بحر الخزر «قزوين» وكانت البحوث تجرى على إنتاج جراثيم الطاعون والجمرة الخبيثة التي تكون قادرة على قتل الملايين في فترة قصيرة، حسب رأي التلفزيون الروسي. لقد عرف الجيش الأحمر بأن الأسلحة البيولوجية هي ارخص من الأسلحة الذرية ولكنها لا تقل عنها تأثيرا. كما قام أيضا بتجاربه في منطقة «سمي بالاتينسك» على الأسلحة الذرية التي ما زال مواليد المنطقة يولدون مشوهين من جرائها وقال الخبير النمساوي ان حكومة ألمانيا الديمقراطية السابقة كانت تقوم بتطعيم جنودها من مرض الطاعون والجمرة الخبيثة قبل أن يذهبوا لإجراء تمارين في تلك المنطقة. وكان الجنود الألمان يوقعون على شهادة بعدم بوح أي معلومات عن المنطقة أو التمارين التي يجرونها. وذهب اكثر من خبير بأن جراثيم الجمرة الخبيثة هربت من هناك وبيعت في السوق السوداء لمن أراد اقتناءها، لكن الخبراء الروس رفضوا الفكرة وأكدوا بأن الاتحاد السوفييتي السابق انتج الجراثيم للأسلحة الجرثومية وحفظها مجمدة في المختبرات ولذلك من الصعب على الجماعات الإرهابية إعادة تنشيطها وهي في حالة بودرة في ظروف بيئية عادية وجاء في المقال ان اثر الجمرة الخبيثة التي أصابت عددا من المواطنين الأمريكان يشير إلى جزيرة فزراجدينيا أي الانبثاق، جزيرة في بحيرة الاورال، التي يتفق اسم جزيرة الأموات عليها اكثر، حيث أجرى الاتحاد السوفييتي السابق تجاربه فيها على الأسلحة الجرثومية على القردة والأحصنة والخراف وفي العام 1993 تركها الجيش الروسي لكنه قام بإعدام الجراثيم التي أجرى تجاربه عليها بمسحوق الكلور وتركها في براميل حديدية رماها في البحيرة في مناطق غير عميقة، لم تمض فترة وبتأثير الأمواج طافت أعداد منها ووصلت للساحل ومن الذين يعرفون الأحوال في وسط آسيا، يعتقد الخبير النمساوي بأن الحركة الإسلامية الاوزبكية التي تتعاون مع حركة طالبان منذ عام 1996 لربما وجدت الطريق إلى تلك المستودعات لان إحدى الرسائل التي حوت بودرة تحوي على جراثيم الجمرة الخبيثة والتي وصلت إلى الولايات المتحدة جاءت من كازاخستان، لكن السلطات الأمريكية لم تؤكد صحة ذلك. اولويات التحقيقات تتركز اهتمامات المسئولين الأمريكيين وخبراء مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية في تحقيقاتهم المتعلقة بقضية الرسائل المفخخة بمسحوق الأنثراكس جرثومة الجمرة الخبيثة حول مسألة رئيسية: هي أن هذه الرسائل المفخخة الموجهة إلى عدة شخصيات أمريكية هي عملية اختبار تمهيدية تسبق تنفيذ هجوم جرثومي إرهابي كبير في الولايات المتحدة والثانية أن الجهة التي تقف وراء موجة الرسائل هذه يمكن أن تكون الشبكة السرية القيادية التي قادت ووجهت ونسقت في الساحة الأمريكية عملية خطف الطائرات الأربع التي ضربت نيويوك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الماضي. وقد تبين للمحققين الأمريكيين، أن الرسائل المفخخة بمسحوق الأنثراكس التي تم توجيهها إلى سياسيين وأعضاء في الكونجرس وإعلاميين وكتاب وشخصيات مختلفة في الساحة الأمريكية، هي في الحقيقة من مصدر واحد ومن نوع واحد ومن إنتاج جهة واحدة، وليس مستبعداً أن يكون تم توجيه رسائل مفخخة مثل هذه إلى الرئيس بوش وعدد من كبار المسئولين الأمريكيين وإلى دوائر حكومية مختلفة، وإن كانت السلطات الرسمية لم تعلن شيئاً عن ذلك، وقد أحدثت موجة الرسائل هذه حالة من القلق والذعر في أمريكا خصوصاً أنه تم إخضاع الآلاف لفحوصات طبية. ويجمع الخبراء على أنه لدى المحققين الأمريكيين قناعة بأن موجهي هذه الرسائل المفخخة ليسوا من الهواة بل إن جهة منظمة تعرف ما تريد وماذا تفعل هي التي تقف وراء هذه العملية ذلك أن الحصول على مسحوق «الأنثراكس» هذا والتمكن من استخدامه في هذا الشكل ليس في متناول أشخاص عاديين ووفقاً للخبراء الأمريكيين في شئون مكافحة الإرهاب فإن عدداً محدوداً من العلماء الأمريكيين ينتجون هذا النوع من المسحوق لكن هناك في المقابل دولاً عدة تمتلكه أو تنتجه أو تنتج موادا جرثومية أكثر خطورة منه بينها دول عربية وآسيوية وأجنبية عدة. كما أن تنظيم «القاعدة» يملك القدرة على إنتاج أو امتلاك هذا النوع من المواد الجرثومية. وهناك مخاوف في القيادة الامريكية من احتمال شن هجوم جرثومي على مدينة أمريكية أو موقع أمريكي يرتاده عدد كبير من الأشخاص، وأحد الاحتمالات الواردة في هذا المجال قيام إرهابيين بخطف طائرة لرش المحاصيل الزراعية واستخدامها لرش مدينة أو منطقة أو موقع مهم في الولايات المتحدة بمادة الأنثراكس هذه بعد تقوية مفعولها مما سيؤدي إلى إصابة آلاف الأشخاص بمرض جرثومة الجمرة الخبيثة.. اعداد: د. جمال المجايدة