قبل عقد من السنوات، في اوج حرب الخليج الثانية، طرح الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش الاول فكرة او مصطلح «النظام العالمي الجديد» باعتباره بديلا لنظام القطبية الثنائية ومرحلة الحرب الباردة. وقد سارع البعض الى تلقف هذا «المصطلح» في حينه مبشرا بمرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تكون اكثر امنا واستقرارا وتفتح آفاقا ارحب للرخاء الاقتصادي والتعاون بين الدول والمجتمعات. وتعزز هذا الطرح بعدما اكتمل انهيار الاتحاد السوفييتي وتحولت جهورياته السابقة الى مرتع للمافيات و«تجار الشنطة» واصبح السعي وراء المساعدات الغربية بديلا للتنافس السابق بين الشرق والغرب. ومع ان السنوات العشر الماضية لم تشهد «نظاما»، بل مزيدا من الحروب والاضطرابات، ولم يكن فيها جديد بالنسبة لرغبة الدول الاقوى وسعيها الدائم للهيمنة على الدول الاضعف، الا ان عهد بوش الثاني الذي لم يكمل عامه الاول بعد، قد اكد اكثر ان ما بشره به «الاب» لم يكن الا شعارا مزيفا او أملا كاذبا في احسن الاحوال. فمنذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي والعالم كله في حالة حرب شاملة، وان كانت ضد مجهول او مشبوه غير معلوم المكان بالتحديد. غير ان انتشار جرثومة الجمرة الخبيثة الذي بدأ في الولايات المتحدة ليمتد بعد ذلك الى مختلف ارجاء المعمورة، قد وضع العالم كله في حالة رعب غير مسبوقة، فالعدو شبح متجول والمصدر غير معروف والنتائج كارثية بكل المعايير. وهكذا تحول «النظام العالمي» المأمول! الى «رعب عالمي» حقيقي، لم يعد احد بمنأى عنه في اي مكان، ولا يميز بين ضحية واخرى او بين عسكري ومدني! لقد فقد العالم توازنه، بعد ان اختلفت المعايير واختلت موازين القيم، واصبحت كل غاية مهما كان نوعها، تبرر جميع الوسائل لتحقيقها! ان ما يحتاجه العالم اليوم ليس مزيدا من الحروب والتنوع في وسائل الدمار الشامل، وانما نحتاج الى نظام قيمي عالمي، تحكمه العدالة وتسوده المساواة بين الجميع .. والا فإن الآتي سيكون اعظم وأسوأ بالتأكيد. عبد الله اسحاق