حالة من الهيستيريا تسيطر حاليا على الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى بعد إكتشاف العديد من حالات الإصابة بمرض الجمرة الخبيثة الفتاك ، وإذا كانت أمريكا لم تستطع حتى الآن ورغم التحقيقات والإجراءات التي تقوم بها أن تحدد من يقف وراء انتشار هذا المرض، وبذلك فتح الباب على مصراعيه للتكهنات والتوقعات فهناك من يرى أن جماعات أمريكية متطرفه تقف وراءه ، في حين يؤكد آخرون أن بن لادن متورط في القضية وخاصة بعد تهديده للولايات المتحدة من خلال شريط الفيديو الشهير ، في الوقت نفسه تحاول بعض الأوساط الغربية الصاق هذه التهمة بالعراق على اعتبار أن ذلك مبرر معقول ومقبول لتوجيه ضربة له خلال المرحلة القادمة من الحرب الأمريكية ضد الإرهاب (الملف) التقى لواء د. جمال الدين مظلوم الخبير الاستراتيجي ومستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية وأحمد إبراهيم محمود الخبير بوحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات لالقاء الضوء حول أنواع الحرب البيولوجية ، ومن الذي يقف وراء إنتشار مرض الجمرة الخبيثة والجهات المستفيدة من التصعيد، وهل يمكن القول ان حربا بيولوجية قد بدأت ومؤشراتها الجمرة الخبيثة أم أن هناك تضخيما إعلاميا للحدث لتوظيفه لأغراض ومآرب سياسية. نتائج أكيدة بداية يقول لواء د. جمال الدين مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن تطورات الأحداث فيما يتعلق بإنتشار مرض الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول من أستراليا وإنجلترا وفرنسا ، وكندا والأرجنتين وحتى البرازيل وكينيا وفي نفس التوقيت ، هذا الإنتشار من الممكن ان يشير إلى أن هناك حربا بيولوجية تتم حاليا ، قد يكون نطاقها بسيطا حتى الآن ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم إلى أين ستسير الأمور في الفترة المقبلة وخاصة في التوتر الموجود على الساحة العالمية في الوقت الراهن. ويضيف لواء د. جمال الدين مظلوم: أن هناك صعوبة في معرفة من يقف وراء إنتشار هذا المرض الخطير وخاصة أن الولايات المتحدة حتى الآن لم تستطع أن تتوصل من خلال تحقيقاتها وأبحاثها ومتابعتها سواء داخل الولايات المتحدة أو في الخارج ، الى نتائج أكيدة حول مصدر هذا المرض، وبالتالي فالإحتمالات مفتوحة في المستقبل لحدوث تطورات فيما يتعلق في هذا الأمر وإذا كانت أمريكا لم تستطع أن تتوصل إلى مصدر هذا المرض فإن هذا لم يمنع من ترديد بعض الأوساط الغربية لتكهنات حول وجود شك في دولة مثل العراق بأن تكون هي التي تقف وراء هذا المرض وقد فسر البعض ذلك بأنه محاولة منهم لالصاق التهمة بالعراق حتى يكون ذلك مبررا لتوجيه الضربات اليه في فترة لاحقة. وعن رأيه في إحتمالات أن يشهد القرن الحالي حربا بيولوجية بمفهومها الواسع في ظل إمتلاك العديد من هذه الأسلحة وهذه التكنولوجيا ومنها روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل ، ودول أخرى ولكنها لا تعلن عن طبيعة هذا النشاط ، ولذلك فهذه النوعية من التكنولوجيا والأسلحة لاشك سيكون لها دور مهم في حروب هذا القرن كما كان للسلاح النووي دوره في القرن الماضي عندما ساهم في إنهاء الحرب العالمية الثانية عندما القت الولايات المتحدة قنابلها النووية على المدن اليابانية. وفيما يتعلق بضرورة تبني الأمم المتحدة لقوانين صارمة تحرم تصنيع هذه الأسلحة المدمرة التي تفتك بالإنسانية وتؤثر على البيئة يقول لواء د. جمال الدين مظلوم: تحريم هذه الأسلحة تم بالفعل وهناك بروتوكول جنيف عام 1925 حظر إستخدامها ولكن خلال الفترة الماضية لم تبد الولايات المتحدة إهتماما على أساس أنها متطورة جدا في هذا المجال وهذا يفيدها في مسألة الإحتفاظ بالقوة العسكرية الأكبر على مستوى العالم ، وأن كنت أعتقد أنه وبعد هذه اللطمة التي تلقتها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وهذا الهلع الذي يصيبها الآن بسبب موضوع الجمرة الخبيثة فإنها ستعمل خلال الفترة القادمة لأن تكون هناك مواجهة حاسمة لهذا الخطر الذي اتضح أنه لا يوجد أحد بعيد عنه سواء كانت دولا كبيرة أو صغيرة. ترسانات ضخمة ومن جانبه يرى أحمد إبراهيم الخبير في وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات أن انتشار ميكروب الجمرة الخبيثة فى بعض مدن الولايات المتحدة، ثم انتشاره فى عدد من الدول الأخرى، أدى إلى انتشار حالة من الذعر والهلع، ليس فقط فى الولايات المتحدة، ولكن أيضا فى العديد من دول العالم، بل ان هذا الأمر دفع بعض المحللين إلى القول ان هذا التطور يعنى أن الحرب البيولوجية قد بدأت على امتداد الساحة الدولية. وعلى الرغم من ذلك، فإن من غير المعروف على الإطلاق من الذى يقف وراء هذا الهجوم، هل هو أسامة بن لادن؟ أم اليمين المتطرف الأمريكى؟ أم أى جهة أمريكية أو دولية أخرى تسعى إلى استغلال الحرب الجارية فى أفغانستان من أجل تحقيق أهداف خاصة بها. ويضيف أنه إذا كان انتشار بكتيريا الجمرة الخبيثة يندرج فى إطار الحرب الأفغانية الحالية، فإن ذلك سوف يكون بمثابة المرة الأولى فى تاريخ الحروب الحديثة التى يتم فيها شن حرب بيولوجية بالمعنى الكامل للكلمة. وهذا أمر طبيعي في ظل قيام غالبية دول العالم عموما، والدول الكبرى خصوصا، فى تطوير ترساناتها فى مجال الأسلحة البيولوجية منذ عشرات السنين، كما اهتمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى السابق بتطوير قدراتهما بشكل هائل فى هذا المجال، وامتلكتا ترسانات ضخمة من الأسلحة البيولوجية، فى إطار سباق التسلح الضارى بينهما طيلة فترة الحرب الباردة، بدءا من نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية ثمانينيات القرن الماضى. فيما يتعلق بأنواع الأسلحة البيولوجية يقول أحمد إبراهيم محمود: الأسلحة البيولوجية تتنوع ما بين ثلاث فئات هى: البكتيريا (وأشهرها الجمرة الخبيثة والجمرة المتموجة والكوليرا والطاعون) والفيروسات (واشهرها الجدرى) والتوكسينات ـ السموم البكتيرية (وأشهرها البوتيولينوم والريسين). وقد اشتهر ميكروب الجمرة الخبيثة (الانتراكس) بصفة خاصة خلال التسعينيات، حينما أبدى العراق اهتماما خاصا به، وكان هذا الميكروب أحد مجالات الخلاف الرئيسية بين العراق وفرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة. فترات متباعدة ويشير إلى أنه ورغم الاهتمام العالمى الواسع بالأسلحة البيولوجية، فإنه لم يتم إستخدامها فى الحروب والصراعات المسلحة، وإنما كانت هناك بعض الاستخدامات المحدودة لهذا الميكروب فى فترات متباعدة، وربما كان من أبرزها حينما قام أحد العملاء الألمان خلال الحرب العالمية الأولى فى الولايات المتحدة بتحضير ما يقرب من لتر من ميكروب الجمرة الخبيثة وغيرها، ثم أعطاه لبعض العمال لحقن آلاف من قطع الماشية المتجهة إلى قوات الحلفاء فى أوروبا، وأشارت بعض التقارير وقتها إلى أن ذلك تسبب فى إصابة مئات الجنود من هذا الميكروب. وحول رأيه فيمن يقف وراء إنتشار هذا المرض يقول أحمد إبراهيم محمود: حتى الآن تتوزع المسئولية عن انتشار مرض الجمرة الخبيثة بين كل من أسامة بن لادن أو جماعات محلية أمريكية، ولكل بديل من هذين البديلين أسبابه: ففيما يتعلق باتهام أسامة بن لادن بالمسئولية عن الهجوم بالجمرة الخبيثة، فإنه يستند على ما يتردد من أنه من الممكن أن يكون أسامة بن لادن قد نجح فى الحصول على أسلحة بيولوجية أو نووية أو إشعاعية، حيث تردد أن تنظيم القاعدة يحاول منذ عام 1993 الحصول على أسلحة دمار شامل (نووية، أو كيماوية، أو بيولوجية، أو إشعاعية) من المافيا الروسية، كما تشير بعض التقارير إلى أن بن لادن يمتلك مخابئ سرية متطورة محصنة، وأن فنيين تابعين له ربما يحاولون تطوير أسلحة من هذا النوع لاستخدامها ضد الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن ما يقلل من قوة هذا الاتهام أن تصنيع بودرة الجمرة الخبيثة تعتبر مسألة معقدة للغاية، ولا توجد إمكاناتها إلا فى الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. فمن المعروف أن تصنيع سلاح بيولوجى من بكتيريا الجمرة الخبيثة يحتاج أولا إلى الحصول على البكتيريا، ثم طحنها وتحويلها إلى مسحوق أبيض ناعم، وتعتبر مرحلة الطحن هى الخطوة الأصعب، والتى لا تتوفر إلا لعدد محدود للغاية من الدول، أما البديل الثانى، فهو يتمثل فى إمكانية أن تكون بعض الجماعات المحلية فى الولايات المتحدة هى التى تقف وراء انتشار بكتيريا الجمرة الخبيثة، وهو اتهام يستند على بعض السوابق الهامة، حيث كان مكتب التحقيقات الفيدرالية فى الولايات المتحدة قد ألقى القبض على عدة مجموعات محلية كانت قد قامت بتحضير بعض الأنواع من الأسلحة البيولوجية لاستخدامها فى بعض المدن الأمريكية، وذلك خلال الفترة ما بين 1972 ـ 1983. ولا يتفق أحمد إبراهيم محمود مع بعض التحليلات التي ترى أنه ربما تكون بعض الأجهزة الأمريكية هى التى تقف وراء هجوم بكتيريا الجمرة الخبيثة، حتى تخلق لنفسها ذريعة من أجل استخدام أسلحة الدمار الشامل فى حربها فى أفغانستان، وهو احتمال قد يبدو بعيدا، حيث أن مثل هذا السلوك يفتقر إلى أدنى درجة من المسئولية، كما أن انكشاف مثل هذا الأمر يمكن أن يؤدى إلى تداعيات سياسية بالغة الخطورة فى الولايات، وأقلها انهيار مصداقية الإدارة الأمريكية بالكامل. القاهرة ـ مكتب «البيان»: