منذ ما يقارب العقدين من الزمن كتب «جون ج. تايلور» في كتابه «عقول المستقبل» يقول عن الانسان: «من المؤكد ان المستقبل يخبيء له انجازات أخاذه...»، غير ان الانجازات الاخاذة كانت دائما تفرز الجانب السلبي الذي يمثل الدمار، ورغم ان الذي يكتشف الكثير من المعطيات العلمية لا يفعل ذلك عادة الا لاستخدامها في الاغراض السلمية، الا ان القضية تأخذ بعد ذلك أبعادا اخرى حينما يقع هذا المخترع أو ذاك في دائرة «الصراع على البقاء»، ومن ثم يتحول الى وسيلة لتحقيق الغلبة ولو بانهاء وافناء الآخر... «أوبنهايمر» و«انشتاين» لم يضعا في حسبانهما وهما يكتشفان انشطار الذرة أو يطوران تلك الابحاث، ان حصيلة ذلك البحث سيدمر الحياة في مدينة كبيرة مثل «هيروشيما».. المشكلة الكبرى التي يتخبط فيها العالم هي عدم وجود قانون عالمي عادل يستوعب الجميع، وبالتالي يكون مانعا من استعمالات كارثية لأطنان من المواد الجرثومية والنووية التي تهدد العالم في كل لحظة. تحريم استخدامها في القوانين الدولية والحقيقة ان اختلال النظام العالمي، واختلال موازين عدالته وقوانينه هو الذي أفرز عقيدة التجاوز لهذا النظام ومقدراته، فمثلا عملت امريكا في طريق تجسيدها لمظلتها الدفاعية الصاروخية البالستية على تجاوز معاهدة «IBM» الموقعة عام 1972، إن مثل هذا التجاوز سيفتح الباب بالتأكيد لتجاوزات اخرى تقوم بها أطراف شتى، وحينها يصبح الذي يحكم العالم هو الفوضى والمصلحية الانانية. واليوم تبدو الصور جلية في ظهور بوادر وارهاصات، بل وبدايات حرب بيولوجية خطيرة.. فمن سيقنع مستعملي هذه المواد الفتاكة بأن هناك قرارات ومواثيق دولية تحرّم استعمالها؟!! ثم هل سيقبل هؤلاء بالخضوع لهذه المواثيق وهم يرون غيرهم ينتهكها ويضرب بها عرض الحائط؟!! لقد استعملت أمريكا وبريطانيا في حرب الخليج وحرب يوغسلافيا وغيرها مواد ممنوعة ومنها «اليورانيوم المنضّب» وظهرت آثار ذلك الاستعمال في الحالات الكثيرة للاصابة بالسرطان. إن سقوط ما قد نسميه بـ «العقد العالمي» هو الذي يمثل اليوم الهاجس الأكبر المفتوح على كل الاحتمالات السيئة، والأمم المتحدة التي كان من المفروض ان تكون ممثلة لهذا العقد أصبحت في نظر الكثيرين مجرد مبرر لسياسات الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا، وهو ما ألقى بظلاله على القضايا العالمية الأولى ومنها القضية الفلسطينية، الأمر الذي كان له أثر كبير على النفسية العربية والاسلامية التي لم تعد لها ثقة بهذه المنظمة ولا بقراراتها.. العالم اليوم يخطو خطوات نحو صراع أكيد لا محتمل، قد يأخذ أشكالا عدة، أهمها «حرب الشمال والجنوب» التي يسميها البعض «صراع الحضارات»، ولابد ان هذا الصراع سيتحول في مرحلة ما من مراحله الى استحلال الممنوعات لاحراز حسم، أو للرد أو الدفاع... وهو ما يعني دخول أسلحة ممنوعة الى ميدان المواجهة، ومن تلك الاسلحة «المواد الجرثومية». إن الحديث عن حرب جرثومية هو ذات الحديث عن فتح بوابة جهنم على العالم، لأن هذه الحرب قد تبدأ منضبطة، تستهدف جهة ما لكنها سرعان ما تنتشر بالعدوى وبغيرها من الوسائل، واذا كان «العالم قرية واحدة» فإن الوباء المعدي سيصيب الجميع. ومرة اخرى تظهر هنا أخطاء وتقديرات آلاف الدراسات الصادرة طيلة سنوات ماضية والتي انصبّت على استشراف المستقبل. إذ ان هذه الدراسات تناولت امكانية استعمال مواد وأسلحة عدة في حرب عالمية ثالثة محتملة، لكنها استبعدت «المواد البيولوجية»، ولقد كانت تلك الدراسات تجتمع على ان أفتك وأنجع الاسلحة التي ستكون أسلحة المستقبل هو «الليزر» والذي بدأت قصة الولايات المتحدة الامريكية معه عام 1973، حين استطاعت تدمير خمسة صواريخ وهي في حال انطلاق الى أهدافها باستعمال هذه الاشعة. غير ان الاسلحة الجرثومية فاجأت الجميع عقب أحداث 11 سبتمبر مما ظهرت آثاره في مرض الجمرة الخبيثة. حرب عالمية ثالثة لقد حذّر مستشار الأمن القومي الأسبق زبيجينيو بريجنسكي من حرب عالمية ثالثة خلال عشر سنوات نتيجة ما أسماه «سياسات أمريكية غبية»، أما وسيلة هذه الحرب فقد استشرفها «جيمس آدامز» في كتابه «الحرب العالمية المقبلة» الصادر عام 1998. وتأتي خطورة الحرب البيولوجية والتي تتجاوز خطورة الحرب الذرية حسب المختصين من كون المختبرات العلمية استطاعت الذهاب بعيدا في الابحاث في هذا المجال. ودائما يكون الدمار وليدا للبحث والمعرفة، وهو ما يذكرنا بقول «روبرت بن وارين»: «إن غاية الانسان هي المعرفة، لكن يظل هناك شيء واحد لا يستطيع ان يحدده، فهو لا يستطيع ان يعرف ما اذا كانت المعرفة ستقتله، أما انها ستنقذه. وهو سيُقْتَل، حسنٌ، ولكن لا يستطيع ان يعرف هل سيُقتل بسبب المعرفة التي حصل عليها، أم بسبب المعرفة التي لم يحصل عليها، وما هي المعرفة التي ستنقذه اذا ما حصل عليها». لقد عرفت الجيوش منذ القديم ما سُمي بزرع الأمراض الفتاكة في الحروب، غير ان هذه التقنية أصبحت اليوم تخضع لمعطيات تحكم كبيرة. وتنقسم الجراثيم المستعملة في الحروب الى أنواع، منها الفيروسات والبكتيريا والريكتسيات والفطريات. وفي دراسة صادرة عن الأمم المتحدة ظهر ان العنصر البيولوجي يمكن ان يغطي مساحة تقدر بـ 100 ألف كيلومتر، وتستمر فاعليته لعدة أيام. وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية جاء ان مادة «الانتراكس» التي تؤدي الى الاصابة بالجمرة الخبيثة اذا تم نشرها من طائرة في ليلة باردة فإنها تؤدي الى مقتل 3 ملايين شخص، بالمقارنة مع مليوني شخص في حالة انفجار قنبلة هيدروجينية، وهناك أنواع عدة من الحرب الجرثومية أهمها استعمال التقنية الحيوية وكذا الاسلحة الوراثية. الفاعل لا يظهر مشكلة العالم مع معطيات الحرب البيولوجية اليوم ان الفاعل لا يظهر كما هو الحال في الحروب التقليدية، واستعمال الاسلحة النارية، وبامكان أي شخص ان يضيف نسبة من مادة «دوستر دميم بيتولين» الى مياه الشرب في مدينة تعدادها 100 ألف نسمة ليقتل بذلك ما يصل الى أكثر من 70 ألف نسمة، و«أمبولة» واحدة من بكتيريا «توميريا» تكفي لقتل 50 ألف شخص. ان التكنولوجيا لم تعد حكرا على الدول، فلقد صار بامكان المنظمات وهيئات وجماعات وأشخاص امتلاك أخطر وسائل الفتك والدمار، فاذا ما أضيف سهولة استعمال هذه الوسائل، مع عدم انضباط بمواد واتفاقيات القوانين الدولية، فإن الأمر سيكون أشد سوءا وخطورة على بني البشر، وسيظهر ان الذي يحمي البشر حتى في تلك الدول التي تسمي نفسها عظيمة، ليس هو المظلات الدفاعية الصاروخية ولا دوريات الطائرة التي تملأ مجالها الجوي، بل فقط وفقط ان تعرف ان للآخرين ثقافات وقضايا يجب ان تُحترم والا تحولوا في سبيل الانتقام لأجلها الى وسائل تأتي على الأخضر واليابس. الحرب البيولوجية لا تكمن مواجهتها الا في وجوب اقامة عالم يعمه العدل والاحترام، لكي يعمه بعد ذلك شيء اسمه، السلام. بقلم: محمد جربوعة ـ كاتب وصحفي جزائري مقيم بدمشق