انطلقت الرسائل الملوثة ببكتيريا الأنتراكس منذ يوم 18 سبتمبر الماضى من مكاتب البريد في بعض مدن ثلاث ولايات أمريكية هى نيوجرسي وفلوريدا وجورجيا لتصيب تسعة أفراد بمرض الجمرة الخبيثة، بينما وصلت حالات التعرض للبكتيريا دون ظهور أعراض المرض إلى 37 حالة في الولايات المتحدة ونحو 9 حالات في الأرجنتين والبرازيل وكينيا والمغرب وجزر فيجي وإيطاليا حتى بداية هذا الأسبوع وقد جاءت أغلب الإصابات المرضية عن طريق الجلد بينما حدثت وفاة واحدة نتيجة استنشاق مسحوق بكتيريا الانتراكس، ولم يتعرض أحد للإصابة عن طريق الجهاز الهضمى. وجزم وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية تومي طومسون بأن حالات التعرض والإصابة ببكتيريا الأنتراكس في نيويورك ونيفادا وفلوريدا وفيلادلفيا تشكل عملاً إرهابياً يستخدم النظام البريدى في إحداث التأثيرات البيولوجية على عدد محدود من الأفراد، ومشاعر الفزع والقلق لدى قطاعات كبيرة من الشعب الأمريكى وقد استند طومسون في تقديراته إلى أن التلوث البكتيرى الذى تم تحليله معملياً قد أثبت أن نوع البكتيريا المستخدم في كافة الرسائل الملوثة واحد وهو Bacillus Anthrax وقد تم تخليقه في أحد معامل الميكروبيولوجيا المتقدمة، ويتميز بشكله العضوي، وبأنه وحيد الخلية، وسريع التكاثر في الدم. وتوجد معامل الميكروبيولوجيا المتخصصة في عدد صغير من الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية إلى جانب معامل «بورتون داون» في المملكة المتحدة ومعامل «باستير» في فرنسا. وبالقطع فإن تنظيم القاعدة أو غيره من المنظمات المتطرفة لا يملك القدرة على إنتاج أو تخزين أو طحن مسحوق بكتيريا الأنتراكس حتى يمكن استخدامه في إعداد الرسائل المفخخة بهذا العامل البيولوجى الخطير. وهنا قد يكون مفيداً أن نتذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت برنامجها للتسلح البيولوجى عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، ويهتم مركز فورت دترك ومعهد الأمراض المعدية بالجيش الأمريكى USAMRID ومعمل الينوى العسكرى ببحوث وتخليق بكتيريا الأنثراكس، وبكتيريا الطاعون، وبكتيريا كلوستديم بوتيولينم Clostidium Botulinum التى تنتج سم بوتيولينم وهو أخطر أنواع العوامل البيولوجية على الإطلاق. ويشمل البرنامج البيولوجى الحربى في الولايات المتحدة كذلك بحوث استخدام فيروس الايبولا، وفيروس الجدرى، وفيروس الحمى الصفراء. ويسجل التاريخ القريب أن الإرهاب البيولوجى قد بدأ في الولايات المتحدة عام 1984 حين استخدمت جماعة يمينية متطرفة في ولاية أوريجون الأمريكية ميكروب السالمونيللا Salmonella الذى يؤثر بشدة على الجهاز الهضمى، وكانت الطريقة المستعملة هى نشر مسحوق السالمونيللا على بوفيه السلاطات في عدد من المطاعم في وقت واحد، ولقى المئات مصرعهم وأصيب بضعة آلاف بالتسمم وأسعفوا بالعلاج الطبى المؤهل. وفى العام التالى 1995 استطاعت المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI القبض على جماعة يمينية متطرفة أخرى في شمال ولاية أركنسو ولديها مخزون من غاز الدم كلوريد السيانوجين الذى كانت تجهزه لتستخدمه في إحدى محطات مترو الأنفاق قبل حادث نفق مترو طوكيو الشهير الذى نفذته جماعة أوم شينريكيو اليابانية بعشر سنوات، والذى استخدمت فيه يوم 20 مارس 1995 غاز الزارين مما أدى إلى وفاة 12 شخصاً وإلى إصابة خمسة آلاف وخمسمائة فرد. أما البريطانيون فلهم تاريخ قديم مع الجمرة الخبيثة، فقد أجرت مؤسسة البحث الميكروبيولوجى البريطانية في بورتون داون تجارب عديدة على بكتيريا باسيلوس برشها فوق جزيرة «جرونارد» الاسكتلندية في أثناء الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين حظر على الجمهور الاقتراب من هذه الجزيرة حتى الآن، ذلك لأن خطر العدوى لا يزال قائماً في الجزيرة نتيجة قوة الاحتمال والبقاء التى تمتاز بها خلايا الجمرة الخبيثة التى تتحوصل في التربة والطمى وتبقى حية وفعالة لأجيال طويلة متصلة. وقد ثارت شبهات حول تورط ضباط مخابرات سابقين ينتمون إلى روسيا الاتحادية أو إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية في تدبير خطة الرسائل الملوثة بالأنثراكس في الولايات المتحدة، واستعاد البعض حادث تسرب بكتيريا الجمرة الخبيثة من بعض المعامل الروسية عام 1979 مما أدى إلى مصرع 68 شخصاً وإصابة المئات، كما أثيرت حكاية إرسال خطاب ملوث ببكتيريا الأنتراكس من ماليزيا إلى الولايات المتحدة، الأمر الذى نفته الحكومة الماليزية !!! وتنبه ريتشارد باتلر رئيس فريق يونيسكوم التابع للأمم المتحدة الذى استكمل تدمير ذخائر العراق الكيميائية والبيولوجية بعد حرب الخليج الثانية ، ومارس التجسس النشط على العراق لصالح المخابرات المركزية الأمريكية CIA ، واستغل الفرصة ليتهم العراق بالتورط في الإرهاب البيولوجى ضد الولايات المتحدة مدعيا أن العراق يملك خبرة إنتاج بكتيريا الأنتراكس ، وبكتيريا التسمم الغذائى وسم Aflatoxin ، وتقنية تعبئتها في رؤوس الصواريخ من طراز الحسين وقنابل الطائرات ودانات المدفعية ومولدات الايروسول بأحجامها المختلفة . وبغير شك فإن باتلر يعلم جيداً أن يونيسكوم قد دمرت كافة إمكانيات العراق البيولوجية من ناحية ، وأن حكومة بغداد تسعى حالياً للتقارب مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى ، وتخشى ضربها في إطار الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، لكن حقد باتلر الدفين على العراق والعرب عموماً وراء ادعاءاته الكاذبة والمغرضة. إدارة أزمة الجمرة الخبيثة اعتبر الرئيس الأمريكى جورج بوش أن بلاده مهددة بالإرهاب البيولوجى والكيميائى بصورة قد تتزايد مع استمرار الحملة الأمريكية في جنوب آسيا ضد أفغانستان ولخدمة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة ، ولذا فقد بادر بتعيين ديل كلاين مساعدا لوزير الدفاع للبرامج النووية والبيولوجية والكيميائية ، وطلب من الكونجرس اعتماداً إضافياً قيمته 1.5 مليار دولار لمقاومة الإرهاب البيولوجى والكيميائى مما يعادل عدة أضعاف الاعتماد الذى سبق أن أقره الكونجرس لهذا الغرض وهو 345 مليون دولار. ووافق بوش على التقديرات الطبية بعدم جدوى تطعيم المواطنين في مناطق التعرض لبكتيريا الأنتراكس ، وهذا قرار صائب لأن لقاح الجمرة الخبيثة يعطى في 6 جرعات متتالية على مدى 18 شهراً ، ونسبة نجاح التطعيم تقع في حدود 90 - 93% ، كما أن أغلب حالات الإصابة بالمرض قابلة للعلاج بالمضادات الحيوية مثل عقار Ciprofloxacin خلال خمسة عشر يوماً. ومع ذلك وحرصاً على إرضاء الرأى العام طرحت الإدارة الإمريكية مليونى لقاح للوقاية من المرض كدفعة أولى من بين عشرة ملايين طعم تقرر إنتاجها خلال الفترة المتبقية من العام الميلادى الحالى ، وفى الوقت ذاته حذرت المواطنين الأمريكيين من بعض الأعراض الجانبية التى تلازم التطعيم، وهونت من خطورة المرض، وأكدت أن إصابات الماشية والأغنام به لم تتجاوز 61 حالة عام 2000 ولم تنتقل العدوى للإنسان في أى منها. لكن التقدير الأخطر للسلطات الصحية الأمريكية كان احتمال تحول العناصر الإرهابية إلى استخدام فيروس الجدرى. وللجدرى تراث قديم في الولايات المتحدة ، فلقد تسبب في الفترة من عام 1517 إلى عام 1530 في وفاة مليونى هندى أمريكى ، وكذلك فمن بين أولى الحالات المسجلة عن استخدام الحرب البيولوجية في التاريخ إهداء أدوات وبطاطين ملوثة بفيروس الجدرى لزعماء الهنود الحمر في أمريكا الشمالية كى تساعد على نشر المرض بينهم خلال القرن الثامن عشر الميلادى. وقد اتهمت اليابان في الحرب العالمية الثانية بالقيام بهجمات بيولوجية محدودة ضد الصين خلال الفترة بين عامى 1940 ، 1944 باستخدام الكوليرا والباراتيفود والجمرة الخبيثة ، مثلما اتهمت الولايات المتخدة ذاتها باستخدام الريش الحامل لبكتيريا الأنتراكس خلال الحرب الكورية في بداية الخمسينيات. ولا يزال معهد نيس تسيوناه للأبحاث البيولوجية في إسرائيل يهتم بالهندسة الوراثية لبكتيريا الأنتراكس ويشترك معه في بحوثها قسم التكنولوجيا البيولوجية في معهد التخنيون في حيفا وقسم الميكروبيولوجيا في جامعة تل أبيب. وبالنظر إلى خطورة مرض الجدرى الذى توقف التطعيم به في الغرب منذ عام 1980 ، وإلى الصعوبة الحادة في العلاج من هذا المرض ، فقد قررت الوكالة الاتحادية لمكافحة الأمراض المعدية في الولايات المتحدة إنتاج 45 مليون جرعة لقاح ضد مرض الجدرى على الفور ، وسرعة تطعيم القوات المسلحة الأمريكية بهذا اللقاح، وإعداد خطة قومية لتطعيم المواطنين به في طول وعرض الولايات المتحدة الأمريكية. ويتفق هذا الاجراء الأمريكي مع ما طلبته منظمة الصحة العالمية من دول العالم بشأن ضرورة توفير المصل الواقي من الجدري لمواطنيها والاستعداد لاجراء عمليات تطعيم جماعية كاجراء وقائي ضد مخاطر وباء الجدري الذي يقضي في المتوسط على 30% من اجمالي المصابين به. تناقض أمريكي اليوم تشن الولايات المتحدة حملة كبرى تحشد لها قوى التحالف متعددة الجنسيات ضد الارهاب الدولي، ولخدمة المصالح الأمنية الأمريكية، وتدعو دول العالم لمساندتها ضد مخاطر الارهاب الكيميائي والبيولوجي®. وبالأمس القريب رفضت الولايات المتحدة ذاتها التصديق على بروتوكول اضافي لتطوير معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية المبرمة عام 1972، والتي انضمت اليها 143 دولة حتى الآن. وبررت واشنطن رفضها للبروتوكول البيولوجي بأسباب أمنية وزعمت أنها لا تستطيع قبول مخاطر التفتيش المفاجئ على معاملها ومصانعها للتحقق من الالتزام الأمريكي بأحكام معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية، وبذلك أحبطت الادارة الأمريكية الجهود التي بذلت في اطار الأمم المتحدة لمواجهة أخطار الحرب والارهاب باستخدام الأسلحة والعوامل البيولوجية، تلك الجهود التي بدأت عام 1994، واستمرت سبع سنوات متتالية والآن تواجه الولايات المتحدة موقفا عصيبا لم تتوقعه منذ بضعة شهور، ونتمنى أن يدفعها الى تغيير موقفها من التعاون الدولي في مواجهة الارهاب بوجه عام، والارهاب الكيميائي والبيولوجي بصفة خاصة، والى تفعيل دور الأمم المتحدة المنشود في هذا المجال الحيوي للأمن الجماعي. بقلم: لواء. أ.ح / صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط