تحدث الرئيس بوش إلى الأمريكيين عقب شهر من أحداث الهجمات الانتحارية على واشنطن ونيويورك ليقول إن المسئولين عنها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، وهم مطاردون الآن، ومنح بوش نظام طالبان الحاكم في أفغانستان فرصة أخيرة لتسليمهم، وإلا فسوف يتحمل العواقب الوخيمة. وفيما واصلت طالبان التحدي، اتسمت ردود الأفعال تجاه الغارات الجوية الأمريكية بالاتزان والاعتدال على تنوعها، وقال الرئيس بوش ان الحملة ستكون «مستمرة وشاملة»، ولا هوادة، وحذر وزير دفاعه دونالد رامسفيلد من أن الضربات الجوية وحدها لن «تقتلع طالبان»، أو تقتل «ابن لادن»، وكرر رأي ادارته القائل بأن هذه ما هي إلا الحلقة الأولى في صراع طويل الأمد، ربما يتعدى يوماً ما حدود أفغانستان. وفي ظل هذا الموقف، فإن المصادر المتطابقة ترى أن الخوف والقلق هو من عناصر الخلايا النائمة والراقدة التي ما تزال خارج دائرة المراقبة وقد تتمثل مهمتها في القيام بهجوم بأسلحة دمار شامل «كيماوية أو جرثومية» انتقاماً من العمليات العسكرية الأمريكية المتوقعة في جبال أفغانستان. وجاء الاستنفار العام في الولايات المتحدة كما في أوروبا بتوسيع دائرة الاشتباه في العناصر التي قد تكون مرتبطة بتنظيم (القاعدة) الذي يضم 30 حركة أصولية متنوعة الهويات والمشارب. أسلحة غير تقليدية ورغم ان المواجهة في مرحلة « وجهاً لوجه » مقتصرة على الولايات المتحدة، إلا أن تحدي تلك المصائب لا يكتمل إلا بتعاضد العالم أجمع. فقد أثارت تداعيات الهجوم الذي تعرضت لها الولايات المتحدة الشهر الماضي الحديث وبكثافة عن مخاوف اندلاع حرب بيولوجية في أماكن متفرقة من العالم، لا سيما الولايات المتحدة وحلفائها، في ظل وجود تقارير عن احتمال وجود هذا السلاح لدى من تعتبرهم واشنطن المسئولين الرئيسيين عن هجمات سبتمبر الماضي. وقد عيّن الرئيس بوش مؤخراً (دين كلاين) البروفيسور في جامعة تكساس مساعداً لوزير الدفاع للإشراف على البرامج النووية والكيماوية والبيولوجية وذلك في ظل تعزيز الادارة الأمريكية دفاعاتها ضد هجوم بيولوجي أو كيماوي عقب الهجمات التي تعرضت لها في نيويورك وواشنطن، لا سيما بعد تسجيل اصابات عديدة بمرض الجمرة الخبيثة (انتراكس) داخل الولايات المتحدة وخارجها. وكشفت مذكرة تم تداولها بصورة سرية في دوائر الاستخبارات الأمريكية، ان الأخطار التي تتربص بالمجتمع الأمريكي نتيجة تعرضه لأسلحة كيماوية وجرثومية يمكن أن تتركز على النقاط التالية: 1ـ خلط مجموعة من المركبات الكيماوية البدائية والقاتلة التي يمكن رشها على مقابض الأبواب ومن خلال نظم التهوية أو وسائل ووسائط أخرى. 2ـ استهداف بعض المطارات التي يحسبها الإرهابيون اهدافاً سهلة الاختراق . 3ـ امكانية نشر الذعر والهلع عن طريق ترتيب لانفجارات متتالية ومتكررة لإرباك المسئولين عن التحقيقات. 4ـ الانتظار ثلاثة أو أربعة أشهر قبل الهجوم التالي حتى يصاب الناس بتشوهات. نظام دفاعي وبات مؤكداً لدى تلك الدوائر أن هناك ما يشير إلى ان المنظمات الإرهابية ومن يؤمها تعمل على تدريب عناصر لاستخدامات أسلحة الدمار الشامل، وحصلت على أسلحة كيماوية وبيولوجية من خلال شبكات تهريب أوسع في مناطق عديدة في العالم، وان ذلك قد لا يخفى على أجهزة المخابرات الأمريكية التي تمتلك معلومات دقيقة عن الشعبة الكيماوية والجرثومية لدى بعض المنظمات الإرهابية، حيث كان «ريتشارد كلارك» قد تسلمّ هذا الملف طوال ولايتي الرئيس الأمريكي السابق «كلينتون»، و قد سرب بعد تفجير المدمرة كول في مياه عدن ان «ابن لادن» ركز في الفترة الأخيرة على تدريب عناصر وحصل على أسلحة ذات التوجه «الكيماوي والبيولوجي» ، من خلال شبكات اقامها في دول إسلامية في آسيا الوسطى وبالتعاون مع مخابرات حركة طالبان الناشطة في تلك المناطق ولها نشاطات مكثفة في هذا المضمار. وإزاء تلك المخاطر غير التقليدية، طرح كلارك ضرورة اقامة نظام دفاعي يقي الولايات المتحدة من أخطار تتجاوز الخيال مثل الهجوم «الجرثومي والكيماوي» وحنى الالكتروني الذي يستهدف انظمتها المعلوماتية، وقد يتخذ أسلوب المباغتة، وأشار إلى ان هناك من يعدون أساطيل الكترونية لمهاجمة الولايات المتحدة وان خطورة التهديدات تأتي من خارج الحدود. ومن جانب آخر، يذكر «توم ريدج»، مدير مكتب البيت الأبيض لأمن الوطن ان مكافحة الإرهاب الجرثومي هي الشاغل الأول للحكومة الأمريكية للفترة المقبلة، وذكر أيضاً انه لم تظهر أدلة موثوق بها على وجود صلة بين المخاوف الحالية في الهجمة الجرثومية وانتشار «الجمرة الخبيثة» وشبكة القاعدة التي يتزعمها ابن لادن. وتتوجه الادارة الأمريكية إلى طمأنة الشعب الأمريكي ازاء أي تهديدات إرهابية محتملة بالأسلحة الكيماوية والجرثومية، وقد أعمدت الحكومة الأمريكية إلى تخفيف أهمية هذا الأمر، ولكن بجانب ذلك هناك رأي يرى ان العديد من المسئولين الأمريكيين قد اعتبروا ان اعتداء إرهابيا بالأسلحة الكيماوية أو الجرثومية ضد الولايات المتحدة ومناطق اخرى في العالم يبقى ممكنا، ونصحوا الرعايا الأمريكيين اتخاذ الحيطة والحذر الشديد مع اجراءات ملموسة بغية التأهب لمواجهة هذا النوع من الهجمات. وبهذا يتعزز الوضع بمعادلة «الرعب المتبادل» أسلحة نووية ونيوترونية في مقابل هجمات جرثومية وكيماوية، الأمر الذي حدا باصدار تحذير من جهاز الـ «اف.بي.آي» بامكان استخدام طائرات مماثلة في هجمات سامة وقاتلة، حيث ان المسئولين الفيدراليين اكتشفوا ان اكثر من 20 شخصا حصلوا على رخص لنقل المواد الكيماوية زوراً، وان آخرين درسوا قيادة طائرات رش المبيدات، ولديهم معلومات حول هذا الموضوع، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة ودول اخرى في العالم عرضة لهذا التهديد المتنامي. تهديد السلام العالمي وللأمم المتحدة رؤية في الموضوع تشكلت باختصار في اعتقاد الأمين العام كوفي عنان أمام الجمعية العمومية التي تضم 189 دولة، بعد ان بدأت في مناقشة حول الإرهاب: (إن الخطر الأكبر يأتي من مجموعة لا دولة لها وحتى في شخص ما يمتلك سلاحا نوويا أو بيولوجيا أو كيماويا). وأشار مساعد وزير الدفاع الأمريكي الجنرال «راندل ويست» إلى خطورة استخدام هذا النوع من السلاح البيولوجي ممثلا في انتشار بكتيريا الجمرة الخبيثة «حاليا» في عدد في المناطق في العالم باعتبارها السلاح المرغوب فيه لأنها بسيطة وقليلة الثمن ومتوفرة في السوق السوداء، ويقف العالم اليوم وقفة رعب حيال الابواب التي تفتح بوجه تصدير المواد السامة والمواد النووية، الامر الذي يهدد السلام العالمي ويغذي الإرهاب ويجعله اقدر على التدمير، فبعد ان افاق العالم من صدمة اكتشاف مرض الايدز، انتشر مرض الايبو والوادي المتصدع، وما ان انتهى من محاولة تطويقه حتى استشرى مرض جنون البقر، وما ان بدأ ينهض حتى وجد نفسه في مواجهة مخيفة مع الانتراكس او الجمرة الخبيثة والتي قد لا تكون آخر المطاف. وبهذا احتل الإرهاب البيولوجي الذي خصصت له وسائل الاعلام العديد من البرامج صلب تصريحات كبار المسئولين الأمريكيين، لاسيما وزير الصحة (تومي تومسون)، حين وضح الاجراءات المهمة التي اتخذت لمواجهة الوضح وبان الولايات المتحدة على استعداد لمواجهة نتائج اي هجوم إرهابي بيولوجي مهما كانت طبيعته وان اجهزته قادرة على تسليم معدات طارئة إلى جميع انحاء البلاد، ونصبت وزارة الطاقة الأمريكية بصورة سرية اجهزة لكشف المواد الكيمياوية في احدى محطات المترو في العاصمة واشنطن ولكشف اي عناصر سامة مشيرة إلى ان البرنامج سيعمم في انحاء البلاد وسيستخدم في اماكن اخرى مهمة، كذلك فان رئيس الاكاديمية الوطنية للعلوم (بروس البرتس) طمأن المسئولين الأمريكيين في تعبئة العلماء ضد الابعاد الجديدة للإرهاب البيولوجي ولكن وزير العدل الأمريكي (جون اشكروفت) اكد حقيقة ان التهديدات لا تزال قائمة موضحا ان مامن سبب يدعو إلى الاعتقاد بان جميع المتورطين قضوا في الهجمات الانتحارية مشيرا إلى امكان وجود آخرين في البلاد مستعدة للقيام بشيء ما. ولأهمية الموضوع، فان الأسلحة البيولوجية كانت قد استخدمت عبر التاريخ وباختصار شديد، فاول عملية معروفة في استخدام أسلحة كيماوية على نطاق واسع كانت حين استخدمت الجيوش الالمانية هذه الأسلحة لمهاجمة الخنادق الفرنسية في بلجيكا في 22 ابريل 1915 حيث استخدمت فيها المقذوفات السامة «حسب ماذكرته منظمة الصحة العالمية» ثم قررت المانيا خلال الحرب العالمية الاولى استخدام غاز الكلورين الذي كانت تمتلكه لمحاولة الخروج من جمود الخنادق والتغلب على مشكلة نفاذ دخائرها بسبب الحصار البحري الذي فرضته القوات الحليفة، فعمد الجيش الالماني لنشر كميات من غاز الكلورين في حاويات مضغوطة في الجو باتجاه خطوط العدو، وتعتبر تلك اول تجربة عالمية لأسلحة دمار شامل، وفي عام 1917 استخدم غاز الخردل لاول مرة واطلق الغاز في اول الامر بواسطة قذائف مدفعية ثم بواسطة طائرات حيث استخدم في روسيا عام 1919، كذلك استخدم اليابانيون ايضا أسلحة كيمياوية بين 1937 ـ 1942 مثل غاز الخردل، اضافة إلى استخدامات عديدة لهذا السلاح، واستمر الامر كذلك حيث استخدمت دول اخرى بعضاً من غازات مسببة لداء السلمونيل وغاز السارين، وورد في تقارير منظمة الصحة العالمية ان اي استخدام للأسلحة الكيمياوية او البيولوجية لم يسجل رسميا منذ عام 1995 حتى اكتوبر الجاري. وان التهديد باعمال إرهابية بواسطة أسلحة كيمياوية وبيولوجية والذي اصبح هاجسا للجميع قد يواجه باتخاذ اجراءات ملموسة واحترازية ولكن المشكلة التي ستواجه الدول الكبرى ومعها شركات صناعة الأسلحة وما تحتاجه الحروب والازمات من ان نزاعات وكوارث المستقبل وحروبه قد لا تحتاج إلى الجيوش التقليدية والطائرات والبوارج الحربية، وبهذا فان الرعب سينشر قانونه. بقلم: نوار عبدالوهاب القيسي ـ كاتبة عراقية