يواجه العالم حاليا حرب الفقراء الجرثومية والبكتيرية التي لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، بلا صوت ولا صورة، اثارت الذعر في قلوب الأمريكيين وانتقلت عدوى الخوف الى الدول الأوروبية وبعض من الدول العربية. فالحرب هي الحرب لكل الدول الغنية والفقيرة كل يحارب بوسائله الدفاعية المتاحة التي تحقق الانتصار والحاق الهزيمة بالجانب الآخر وثبت مؤخرا ان الأسلحة البيولوجية هي خطر الفقراء القادم الذي سيجتاح العالم وذلك بعد انتشار باكتيريا الانتراكس المسببة لمرض الجمرة الخبيثة في أمريكا وعندها تأكد بالفعل ان العالم سيتعرض لأخطر الهجمات البيولوجية عبر تاريخ تصنيعها، أكدت أمريكا أنها تتعرض لواحدة من أخطر الهجمات البيولوجية. وترسانة الحرب البيولوجية لا تحتاج الى مجهود ضخم ولا أموال طائلة وعن ذلك يقول الدكتور عبدالهادي مصباح أستاذ المناعة والميكروبولوجية زميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة هذه الحرب تصنع نفسها بنفسها نظرا لاعتمادها الاساسي على الكائنات الحية المعدية التي تعيش في الطبيعة وتتكاثر من تلقاء نفسها وتزداد خطورتها بمرور الوقت والزمن ويمكن صنع ترسانة كاملة منها خلال وقت قصير وبامكانيات بسيطة ويكفي أن نعرف أن 10 آلاف دولار هي كل مايحتاجها المصنعون لشراء الأجهزة التي تنمي هذا النوع من البكتيريا وتحولها الى جزيئات قطرها أقل لسهولة الاستنشاق في حالة صنعها على شكل اسبراي أو بودرة - أيضا لا تحتاج هذه الا لغرفة واحدة بمساحة 25 متراً مربعاً لتركيب هذه الأجهزة. فهي صناعة رخيصة وغير مكلفة فالخلية البكتيرية الواحدة تنقسم كل 20 دقيقة ويمكنها ان تعطي مليار وحدة خلال 10 ساعات، فالزجاجة الصغيرة من البكتيريا يمكن أن تقضي على نصف سكان مدينة واشنطن خلال الأسبوع. ويدلل على مدى خطورة بكتيريا الانتراكس في انها اذا ألقيت قنبلة تزن 50 كيلو من بعد 20 كيلو متراً على مدينة يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة فإن 95 ألفاً منهم سيلقون حتفهم فورا، ويصاب 125 ألف باعاقة شبه تامة. ويقول يمكن نشر الانتراكس بطرق أخرى أهمها الاطلاق على شكل اسبراي مع اتجاه الرياح من طائرة أو باخرة بحساب معين حتى تذهب الى المكان المراد في وقت وزمن محدد ويمكن أيضا اطلاقها من مصدر اطلاق صناعي أو توضع في قنبلة تحمل على رأس صاروخ يقذف به في المكان المراد تحطيمه فيما يسمى رؤوس بيولوجية وهناك مصدر آخر للاطلاق والذي يستخدم في تلويث مصادر المياه والطعام ويمكن حقنها تحت الجلد بشكل مباشر أو رشها للشخص المراد التخلص منه. ويشير د.مصباح عبدالهادي الى أهم الجراثيم المستخدمة في صنع الاسلحة البيولوجية بعد الانتراكس ويقول توجد سموم البوتيوليزم المسببة للتسمم الغذائي وبكتيريا الطاعون التي تسبب مرض الطاعون ويحقن بها البراغيث والفئران التي تحمل الميكروب وتطلق في المكان المراد تحطيمه، والفيروس المسبب لمرض الايبولا القاتل والتهاب المخ والجدري وحمى الوادي المتصدع والبروسيلا. والمعروف أن أمريكا ترتعد حاليا من الحرب البيولوجية ويصيب سكانها هيستيريا الجنون خوفا من الاصابة بالميكروبات أو التعرض لها وهي التي أيدت وساعدت وسهلت الحصول على هذه المواد السامة قبل عام 1995 عندما أتاحت التعامل بالبيع والشراء للفيروسات والبكتيريا والفطريات والسموم سواء للأفراد أو الهيئات والدول دون أي تحقيق في ماهية استخدام هذه المواد فيما اذا كانت تستعمل في أغراض الحرب أو السلم. ويشير د.مصباح الى أن اياً من المصانع المدنية التي تتعامل في الكيماويات وصناعة الدواء يمكن لها أن تصنع أسلحة بيولوجية بطريقة سهلة وبسيطة مما حدا بأمريكا لتأخذ ذريعة لضرب مصانع الأدوية كما حدث في السودان منذ عدة أعوام . ونتيجة لتداول هذه البكتيريا والحصول عليها بشكل ميسر حدثت حوادث عالمية متفردة تأكد من خلال بدء استخدام الأسلحة البيولوجية، مما حدا بأمريكا لأن تعيد النظر وتعد لقانون مكافحة الارهاب الذي صدر فعليا عام 96 وفيه حذرت من استخدام المواد التي تستخدم في صناعة الأسلحة البيولوجية الا بتحقيق مسبق. وأهم تلك الحوادث هي اغتيال عضو حركة حماس الاسلامية الفلسطينية خالد مشعل في عمان بالأردن. وتسرب غاز السارين في مترو أنفاق طوكيو. وأيضا عندما طلب فني معملي في مدينة أوهايو (3) زجاجات من ميكروب الطاعون ووجدت له بعد فترة علاقة بجماعات ارهابية. حادثة أخرى تأكد من خلالها ضلوع دول عديدة في السعي لامتلاك هذه الأسلحة وهي اليابان عندما أرسلت فريقاً طبياً الى زائير بحجة مساعدة الزائرين في القضاء على فيروس الايبولا القاتل ولكنها قامت بجمع عينات ضخمة من الفيروس ونقلتها الى اليابان ولكن مصادر أمريكية أكدت بعد ذلك استخدام هذه العينات في صناعة الأسلحة البيولوجية. وعن كيفية استخلاص بكتيريا الانتراكس وتخليقها وتصنيعها في معامل بسيطة عن طريق الأفراد أو الدول التي لا تمتلك تكنولوجيا الأجهزة. يقول الدكتور عزالدين الدنشاري الأستاذ بكلية الصيدلة جامعة القاهرة هذا النوع من أشرس أنواع البكتيريا، تأثيرها سريع عندما تتمكن الاصابة في الإنسان وحتما تقضى عليه ويتم الحصول عليها من دم المواشي الذي يحمل الميكروب الملوث بعد عمل مزرعة للدم الملوث الذي يتكاثر بصورة رهيبة ويمكن الحصول عليها أيضا من جثث المواشي النافقة التي تعيش في التربة قبل مرور ستة أشهر على نفوقها. ويرى د.الدنشاري أن المواد البيولوجية أصبحت تجارة رابحة في السنوات الأخيرة فالصناعة ـ حتى اليدوية منها ـ لها أصول يجب الالمام بها حتى يمكن عزل البكتيريا ووضعها في مزارع للحصول على كم هائل منها فهذه التجارة في غير المصانع المعترف بها تنشأ بين طرفين كل منهما يطمع في الآخر، الذي يبيع يحرص على أن يبيع بسعر مرتفع من المشتري الذي يحرص هو الآخر على امتلاك هذه الأسلحة، فكل منهما لديه حافز قوي لنجاح الصفقة المميتة. وأشار د.الدنشاري الى أن مايشغل بال العالم حاليا هو السيطرة على وسائل الوقاية وتوفيرها فظهرت حمى شراء الأقنعة الواقية خاصة في أمريكا من قفازات وأغطية رأس والذي يباع بحوالي 150 دولاراً كما نشطت ايضا حركة انتاج وبيع المضادات الحيوية السبرو من مشتقات مركبات الكينولون التي تهافتت على شرائها كل الهيئات والشركات لتطعيم موظفيها. لكن د.الدنشاري يؤكد على أن كل من يتعامل في صناعة هذه البكتيريا وتجهيزها وزراعتها واستخلاصها هو خبير مدرب تدريبا عاليا حيث توجد صعوبة بالغة في استخلاصها ويطلق على هذا الخبير متخصص في بكتيريا الكائنات الدقيقة. وعن جرعات الدواء التي تؤخذ عند التعرض للاصابة والاصابة الفعلية والاحتياطية يقول: الجرعات الاحتياطية التي تؤخذ قبل التعرض هي 6 جرعات على مدار عام ونصف العام ولو افترضنا بدء تناول الجرعات الآن فإنه يتعين بعد أسبوعين تناول جرعة أخرى وبعد أسبوعين آخرين نفس الجرعة وبعد 6 أشهر من آخر جرعة تؤخذ جرعة منشطة وبعد 12 شهراً واحدة أخرى وفي نهاية الشهر الثامن عشر من بداية التطعيم تؤخذ الجرعة الأخيرة وتفيد هذه الجرعات في وقاية وحماية عمال المجازر والصوف المتعرضين للاصابة. ويضيف أن الحد الأدني لمقاومة المرض في الشخص العادي يكون على جرعات لمدة شهر وقبل هذا الشهر لم يكن الجسم قد كون بعد أجساماً مضادة يمكن أن يحارب بها البكتيريا. أما عن الفرق بين التعرض والاصابة يقول: التعرض للمرض يكتشف عن طريق مزرعة يتم أخذها من الأنف للبحث عن البكتيريا المتحوصلة وليس بالضرورة أن تكون كمية البكتيريا الموجودة كافية للاصابة، هنا يتدخل الاطباء بالعلاج بالمضادت الحيوية وأشهرها السبرو ويتناوله الشخص كل 12 ساعة لمدة 60 يوما ـ وبعد هذا التوقيت يكون الجسم قد بدأ في تكوين الأجسام المضادة في الدم ويمكن بعد يومين أو ثلاثة قياس نسبة البكتيريا اذا وجد أن نسبة البكتيريا في ارتفاع فهذا يعد دليلا واضحا للاصابة الفعلية. وعن وسائل الحماية الواجبة عند التعرض لأي هجوم بيولوجي يقول الدكتور عبدالهادي مصباح تتشابه أجهزة الوقاية في كل الدول وتختلف بالايجاب في الدول التي تملك تقنية متقدمة لأجهزة الكشف المبكر. وتبدأ وسائل الحماية بتوفير الأقنعة الواقية التي لا تسمح بامتصاص البكتيريا. أيضا وجود المخابئ الواقية بالعوازل الداخلية ومزودة بأجهزة التنفس الطبيعي لمستخدميها. وتعقم وازالة التلوث وهذا يفيد في الأماكن المغلقة فقط أما تأثير التعقيم في الأماكن المفتوحة فيعتبر محدوداً حتى الآن. أيضا من وسائل الحماية أعطاء المصل الواقي في المراحل الأولى للعدوى وقبلها مع وجود أجهزة الكشف عن نوعية الجراثيم. وعند بداية الهجوم البيولوجي لابد من تحديد نوع البكتيريا وعزلها واجراء التجارب وطرق نقل العدوى وبدء اجراءات الوقاية والعلاج وتوفير الطعوم ومن ضمن وسائل الحماية من الهجوم البيولوجي تأهيل قوات البوليس والمطافئ والاسعاف الذين هم أول من يتعامل مع هذا الخطر بالاضافة الى فرق عمليات من وزارة الدفاع والمخابرات ومراكز السيطرة على الأمراض المعدية والمعامل المركزية وخبراء الحرب البيولوجية والمتخصصين من الأطباء في علاج الأمراض والميكروبيولوجي وطب والطوارئ والطب الشرعي وشئون البيئة. وعن الأعراض المرضية للاشخاص المصابين ببكتيريا الجمرة الخبيثة يقول الدكتور محسن سليمان أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة القاهرة: يعرف المرض طبياً باسم الجمرة الدملية وتسببه بكتيريا عصوبات الجمرة وينتقل المرض من الحيوانات آكلة العشب حيث تعيش البكتيريا في أصواف هذا الحيوانات. والمرض يظهر في ثلاثة أشكال أهمها الجلد وتمثل الاصابة به أكثر من 95% من الحالات وتبدأ الاعراض بظهور دمل في الوجه أو اليد نادرا ما يكون أكثر من دمل أو حبة حمراء وتتحوصل ويظهر حولها أحمرار وتظهر عليها فقاعة ذات قاعدة حمراء متورمة ويبدأ الدمل في افراز سائل صديدي مدمم وبعد انفجار الفقاعة يصبح هيئة الجلد والمكان في صورة الجلد المحترق ويشعر المريض بعد أربعة أيام بحالة ارهاق شديد وصداع مع ارتفاع في درجات الحرارة وحدوث قئ وهناك نوع آخر من المرض يصيب الرئة عن طريق الاستنشاق ويشعر المصاب بضيق تنفس ورشح في الرئة وتهتك في انسجتها ومع انتشار البكتيريا بشكل سريع يحدث نزيف في المخ ويؤدي الى الوفاة وهي أشد أنواع الاصابة. أما الاصابة الثالثة فتحدث في الامعاء وفيها تصل البكتيريا القاتلة اليها وينتج عنها قرح والتهابات تؤدي الى نزيف حاد يؤدي الى الوفاة. مواجهات مصرية وفي مصر الأمر يختلف كثيرا عما يجري في دول عديدة من تأمين وسائل السيطرة والوقاية تحسبا لأية هجمات بيولوجية محتملة والكشف عنها مبكرا خاصة بعد تلقي الجهات المعنية لعدة بلاغات خلال الأيام الماضية. وحسب ما قال مسئول بادارة الطب الوقائي بوزارة الصحة ان الوزارة انتهت من اعداد خطة للوقاية والمكافحة من مرض الجمرة الخبيثة تشمل التعريف بالمرض ومسبباته والقابلية للعدوى والمناعة منه وطرق مكافحته. كما تضمنت الخطة تدريب فرق طبية بمستشفيات الحميات على الاكتشاف المبكر للحالات المشتبه بها وسرعة الابلاغ عنها وتشكيل 6 فرق طبية تضم اخصائي الوبائيات ومختبرات المعامل ومسئولون في قطاع المعامل المركزية مزودين بمعامل متحركة لبحث الحالات المشتبه فيها والاكتشاف المبكر للمرض مع توفير العلاج اللازم لمنع تطور المرض وترصده وتوفير المطهرات اللازمة®. كما تشمل الخطة التي أعلنها وزير الصحة المصري اجراءات بيطرية لضمان عدم تسرب أي رسائل من الصوف أو الحيوانات الحية الواردة من الخارج الى البلاد قبل التأكد من سلامتها تماما. القاهرة ـ عفاف السيد :