اختتم عدد من رجال الفكر والسياسة والاقتصاد في مصر حوارا استمر لمدة ثلاثة أيام متوالية حول أحداث أمريكا الأخيرة وتأثيراتها على المنطقة والذي دعت اليه الحركة الشعبية لمواجهة الصهيونية والهيمنة الأمريكية بالتعاون مع اللجنة الثقافية بنقابة الصحفيين. وخلص المشاركون في مائدة الحوار الى التأكيد على أهمية وجود رؤية عربية موحدة تتعامل مع الأحداث الجارية بما يخدم مصلحة الوطن العربي وأهمية التحركات الشعبية الضاغطة في اتجاه تحقيق هذا الهدف. ونال الجانب الاقتصادي من تأثيرات أحداث أمريكا الأخيرة على المنطقة العربية جانبا كبيرا من الحوار ودعا عدد من خبراء الاقتصاد الى تشكيل نواة تنسيق عربية بين مصر والامارات والسعودية وسوريا ولبنان مؤكدين أن التنسيق العربي العربي أصبح في المرحلة الحالية والمقبلة مسألة حياة أو موت بالنسبة لجميع الدول العربية. الاستفادة من التطورات واكد الدكتور محمود عبدالفضيل أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن ما حدث في أمريكا مؤخرا وما تبعه من حوادث سوف يحكم التطورات العالمية لمدة نصف قرن مقبل لافتا الى أهمية إعمال الفكر للوصول الى مرحلة امساك الحركة الشعبية العربية بزمام المبادرة والاستفادة من تلك التطورات. وأشار الى أن أحداث 11 سبتمبر حملت عدة خصائص أولها انتهاء مرحلة الاستئثار الأمريكية التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وسيطرة أمريكا على الاوضاع الاقتصادية العالمية وفسر ذلك بأن الأحداث الأخيرة سوف تعمق الركود الذي كانت تعاني منه أمريكا قبل الأحداث وأن الاتفاق العسكري لن ينجح في تحريك عجلة الاقتصاد، حيث سيهتز الدولار تماما لأنه كان يعتمد على دعم الاستثمارات الخارجية التي كانت متدفقة على أمريكا نتيجة الثقة العمياء في الاقتصاد الأمريكي. واستطرد الدكتور عبدالفضيل مؤكدا أن هذه الثقة لم تعد بنفس الشكل المطلق وأن جزءا كبيرا من الأموال سوف يتحول الى أوروبا أو سيبقى الى جوار أصحابه ولن يتدفق على أمريكا بما سيصعب من تمويل أزمة العجز في الاقتصاد الأمريكي. وأشار الى ارتفاع سعر اليورو والاسترليني بعد الأحداث ووصف ذلك بأنه يعني خلق نظام ثنائي القطبية في المال بعد أن اختفى هذا النظام من الحياة السياسية. ارتباك العولمة أما ثانية الخصائص في رأي الدكتور عبدالفضيل فقد تمثلت في اهتزاز مسيرة العولمة وارتباكها بعد أن أصبحت الدولة الأولى والقاطرة لها في أزمة ركود وخيم مشيرا الى أن الشعارات الأمريكية الحمقاء عن الحرب الطويلة والممتدة تعني أنه لن يتفرغ أحد للدفاع عن العولمة في العشر سنوات المقبلة واذا فكر أحد فيها فسيكون مجهوده مركزا في الحفاظ على ما تم التوصل اليه في مسيرتها وعدم التراجع عنه. وأشار الدكتور عبدالفضيل الى وجود ظواهر وبدايات تمرد على النظام الاقتصادي العالمي ظهرت قبل أحداث 11 سبتمبر وسوف تتعمق في الفترة المقبلة ومن هذه البدايات الدعوة لصندوق نقد آسيوي لكسر احتكار شروط صندوق النقد الدولي والدعوة الخجولة من كل من فرنسا والمانيا لما يسمى بضريبة (توبين) والتي تفرض على حركة الأموال الساخنة المنفلتة التي تقوم بالمضاربات في الأسواق العالمية. واعتبر الدكتور عبدالفضيل أن نظرية الاقتصاد الحر تتعرض لأزمة فكرية مؤكدا أن الجو الفكري في حالة موات تماما في الوقت الحالي لنظرية جديدة تعيد الاعتبار لسياسات التنمية في المنطقة العربية بشكل عام ومصر بشكل خاص. كما أشار الى أهمية اتجاه البلاد العربية الى تعميق التصنيع لما يشكله من حماية للأمن القومي العربي مؤكدا أن البلاد العربية لديها الامكانية اللازمة لعمل نوع من الطفرة التصنيعية ومطالبا بتنسيق عربي عربي وتشكيل نواة لهذا التنسيق من مصر والسعودية والامارات وسوريا ولبنان لمقاومة الضغوط الخارجية مؤكدا على أهمية استغلال المشاعر المعادية للسياسة الأمريكية في كل البلاد العربية بلا استثناء خاصة مع الاعلان عن نية أمريكية في توجيه ضربة قوية للعراق. ودعا الدكتور عبدالفضيل الدول العربية جميعها الى احياء شعار (يد تبني ويد تحمل السلاح) في الفترة المقبلة.. وختم قائلا أن القضية التي تبقى هي: كيف نناوئ النظام الدولي لاكتساب حرية جديدة ومقاومة الهيمنة الأمريكية التي تلعب آخر أدوارها لأن ضربة 11 سبتمبر هي بداية انهيار الامبراطورية الأمريكية لمدة 50 عاما مقبلة مع صعود لقوى روسيا الجديدة والصين وأيضا ايران. وأشار الى أن هناك امكانية لحدوث آثار ايجابية غير مباشرة للأحداث ومن ذلك أن جانبا من السياحة العربية لأمريكا وأوروبا سوف ينخفض بسبب الاتجاهات المعادية للعرب في هذه الدول وقال أنه من الجائز أن بعضا من هذا الجانب يتوجه الى مصر في ظل وجود بدائل أخرى مثل سوريا ولبنان وتركيا.وأضاف أن الأموال العربية في الخارج أيضا أصبحت تحت الحصار في ظل الاجراءات الأخيرة وأن جانبا منها من الممكن أن يأتي لمصر بما يخفف الآثار السلبية السابقة. وأشار الدكتور العيسوي الى أن الأحداث الأخيرة اعادت التذكير بتحذيرات الاقتصاديين المصريين طوال السنوات السابقة من خطورة الاعتماد على الخارج في التجارة والاستثمارات وأهمية ايجاد نواة صلبة وثقل محلي للاقتصاد المصري حيث لا أهمية لأية طفرات تأتي من عوامل خارجية في غياب هذه النواة الصلبة. الانزلاق للركود وأشار أحمد السيد النجار رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي الاقتصادي الى أن الاقتصاد الأمريكي ينزلق للركود وسيؤثر بشكل عام على الشركاء المباشرين له مثل كندا والمكسيك والصين واليابان والمانيا ودول الشرق الأقصى وهذه الدول جميعها تمثل الجانب الأعظم من اقتصاديات العالم وبالتالي ستكون هناك آثار ركودية تنتقل للاقتصاديات العربية والاقتصاد المصري وان كانت مصر ـ والكلام للنجار ـ أقل في تأثيرها وتاثرها لكون اقتصادها غير مفتوح على العالم. وأكد على أهمية أن تعمل مصر على جذب الاستثمارات العربية خاصة بعد موجة العنصرية الموجودة حاليا في المناطق الجاذبة لهذه الاستثمارات مشيرا الى أهمية أن تقوم الحكومة المصرية بالتفاوض المباشر مع رجال الأعمال العرب في هذا الشأن دعا الى خلق تيار متدفق من السياحة عن طريق الاتفاق بين وزارات التعليم والشباب في الدول العربية على تنظيم رحلات منتظمة للطلاب والشباب. كما أكد على أهمية استمرار الدول العربية في التعاون مع الدول المنتجة للنفط من خلال منظمة الأوبك مشيرا الى أن البلدان العربية هي صاحبة الاحتياطي النفطي الأكبر في العالم وأن احتياطي بحر قزوين لا يتعدى حتى الآن 45 مليار برميل في حين يبلغ احتياطي المملكة العربية السعودية 314 مليار برميل والامارات 98 مليار برميل. التأثيرات السياسية وانتقل الحديث الى الجانب السياسي في تأثيرات الأحداث الأمريكية على المنطقة العربية فأشار الباحث الاجتماعي الدكتور سمير مرقص بداية الى التأثير الكبير لليمين الديني الأمريكي في صناعة القرار الأمريكي وخاصة منذ ادارة الرئيس ريجان عام 1980 وقال أن اليمين الديني الأمريكي يلعب دائما دور التغطية على مصالح الادارة الأمريكية وتعبئة الناس بما يصب في مصالحه الخاصة وضرب مثالا لذلك بحصار بعض التوجهات الداخلية في أمريكا والموقف من بعض القضايا الخارجية مثل الموقف من الاسلام وطرحه كعدو جديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واعادة تقسيم العالم لمعسكري الخير والشر. وأضاف أنه منذ عام 80 كانت هناك مسافة بين اليمين الديني والادارة الأمريكية فالادارة تعيد توظيفه وهو يلعب دورا ضاغطا ومع تسلم الرئيس بوش الابن الحكم عمليا في مطلع العام 2001 حدث عمليا ما يمكن تسميته بالتحالف بين اليمين السياسي واليمين الديني في اطار التغطية والتعبئة. واستشهد مرقص بمجموعة من العبارات استخدمتها مجموعة ادارة بوش تصب في هذا الاتجاه منها فكرة أن أمريكا وطن استثنائي تاريخي وأن أمريكا هي النقاء الأفضل والأمثل وأمريكا الدولة ذات القيم المثلى وأمريكا الوطن المثالي والمميز مشيرا الى أن هذه العبارات تداخل معها مجموعة من الأدبيات التي أفرزها اليمين الديني مثل تخليص أمريكا من الشيطان القابع داخلها وتتبع هذا الشيطان القابع في أية بقعة في العالم. خطاب جديد وأضاف أن الخطاب السياسي الذي تم استدعاؤه عقب أحداث 11 سبتمبر حمل مجموعة من المفردات التي تؤكد الاتجاه السابق ومنها امبراطورية الخير في مواجهة امبراطورية الشر و(صانعو الشر) الى جانب استخدام آيات الكتاب المقدس في تبرير الاجراءات الأمريكية. وأكد الدكتور مرقص أنه لا يمكن اغفال العنصر الديني في الأزمة الحالية مشيرا الى أن هذه الأزمة كشفت مجموعة من الحقائق أولها أن الانتماء الديني ليس بالضرورة مبررا للانتماء الحضاري والدليل على ذلك موجة العداء ضد العرب سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين والأمر الثاني أن المسيحية الشرقية موضوعة في نفس الخندق مع الاسلام. وعلى العكس من ذلك ذهب المحامي اليساري أحمد نبيل الهلالي إلى أن الحرب الأمريكية ليس لها طابع ديني وأن الخط الفاصل بين المعسكرين المتصارعين حاليا ليس الدين أبدا ، وطالب الهلالي القوى السياسية والفكرية المختلفة بإعادة تقييم أطروحاتها مؤكدا أن التحديات المطروحة حاليا أكبر وأخطر من أن يتصدى لها شعب واحد في العالم أو فصيل واحد داخل الدولة وإنما يكون التصدي بتلاحم كل القوى التي لها موقف معاد من الإمبريالية وإسرائيل مهما اختلفت منطلقات هذه القوى. الاسلام واليسار ودعا الهلالي الشيوعيين واليساريين إلى تدقيق موقفهم من الإسلام السياسي والتخلي عن «الإرتكاريا» التي تصيب البعض تجاه هذا التيار مطالبا الإسلاميين في نفس الوقت بتصحيح مساراتهم وتصويب إطروحاتهم واستيعاب مسيرة حزب الله في جنوب لبنان وحواره وتحالفه مع الآخرين ضد العدو المشترك. وطالب الهلالي المنتمين لتيار الإسلام السياسي بالتوقف عن تكفير الآخرين وتهم الإلحاد وغيرها وتصويب تصوره ضد الإمبريالية باعتبارها معركة دينية يخوضها المسلمون ضد النصارى والكفار. أما جمال أسعد عبد الملاك عضو مجلس الشعب السابق فقد أكد أن الحرب الأمريكية الحالية هي حرب دينية بلاشك وأن المهم الآن هو البحث عن أهداف هذه الحرب وعما إذا كانت أمريكا نفسها مسيحية أم لا مشيرا إلى عدم خوفه على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الشرق من كون هذه الحرب دينية. وذهب المهندس أبو العلا ماضي وكيل مؤسس حزب الوسط إلى أهمية العمل من أجل إصلاح سياسي حقيقي في مصر وتقوية الأحزاب القائمة جميعها بما فيها الحزب الوطني الحاكم وإنهاء القوانين التي تعيق التطور الديمقراطي في مصر مثل قوانين الأحزاب والصحافة والجمعيات وذلك من أجل خلق بناء إجتماعي قوي في مواجهة الأحداث الجارية. انتهاء الهيبة واعتبر عبد الحليم قنديل رئيس تحرير صحيفة (العربي) الناطقة بلسان الحزب العربي الناصري أن أمريكا ما قبل 11 سبتمبر ستظل كذلك بعدها من حيث حسابات القوة المادية لكنه أكد في نفس الوقت أن أمريكا بعد أن أصبحت قوه فوق التاريخ فإن أحداث 11 سبتمبر أعادت لها نسبيتها وأنهت الهيبة والسحر والحلم ومن غير الوارد أن تستعيد أمريكا بعد أن زالت عنها صفة الإطلاق وتحولت إلى كائن نسبي جدا. وأضاف أن الأحداث أيضا ستؤثر على وزن الصهيونية والتي كانت تمثل مجلس أركان حرب الحضارة الغربية ومازالت كذلك مؤكدا أن هذه المتغيرات وغيرها تؤكد أن العدو بدأ نقل قوته وأن الإمكانية العربية في صناعة التاريخ بدأت تتزايد. وأشار قنديل إلى أن هناك ضمانات عديدة تحول بين حدوث توتر بين المسلمين والمسيحيين في الشرق وفي مصر بشكل خاص ومنها تراث المعارك المشتركة في مواجهة الغرب وأن أمريكا هي نفسها التي لعبت دورا كبيرا في احداث تعزيز في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. ودعا قنديل البابا شنودة الثالث إلى أن يقود موقفا واضحا لمصر كلها ضد أمريكا في الفترة المقبلة. القاهرة ـ محيي الدين سعيد: