يواجه لبنان أزمة مالية مزدوجة، فمن جهة يتعرض لضغوط دوليه نتيجة اتهامه بتبييض الأموال الداعمة للمنظمات الارهابية في العديد من أنحاء العالم، ومن جهة أخرى محاربته المتشددة لهذا التبييض مع الحفاظ الكامل على السرية المصرفية. هذا ما يؤكده محافظ البنك المركزي ـ مصرف لبنان رياض سلامة الذي يقول ان القطاع المصرفي في لبنان يقوم بعمله كالمعتاد بعد النجاح في انتهاج «سياسة حكيمة ملائمة» معتبرا ان أي تطور في مفهوم التبييض، أو في آلية المراقبة، أصبح حله سهلاً: «إذ ان القانون سمح لهيئة التحقيق باصدار تعاميم تطبيقية ضمن سقف القانون» حسب تعبيره. تكمن الصعوبة حسب محافظ المصرف المركزي في ان هذه الأموال لا تصبح غير شرعية الا بعد استعمالها لتمويل عملية ما، على خلاف جرائم تبييض الأموال الأخرى التي يمكن تحديدها مسبقا استنادا الى المصدر، وثمة صعوبة أخرى تمكن الوصول الى تحديد مقبول عالميا لمفهوم الارهاب، الأمر الذي يحتاج الى تعريف واضح من الأمم المتحدة. وعن كيفية مكافحة تبييض الأموال في ظل العمل بقانون السرية المصرفية يقول: اذكر باقرار قانون مكافحة تبييض الأموال في شهر ابريل والذي حدد جرائم التبييض بزراعة المخدرات أو تصنيعها أو الاتجار بها، وبجرائم الارهاب في مفهوم القانون اللبناني، والجرائم المنظمة وجرائم السرقة أو اختلاس الأموال العامة، والخاصة أو الاستيلاء عليها بوسائل احتيالية، اضافة الى الاتجار غير المشروع بالأسلحة وتزوير العملة أو الاسناد العامة. ان لجنة تحقيق خاصة انشئت للتوفيق بين قانون مكافحة التبييض وقانون السرية المصرفية فاللجنة دون سواها، تستطيع رفع السرية وبذلك يكون قد أسقط الحاجز الذي يعوق أي تحقيق من خلال آلية مسئولة ومدروسة ودقيقة». وباشرت اللجنة عملها منذ الرابع من يوليو الماضي واصدرت عددا من التعاميم، تعتمد في تحقيقاتها على مصادر عدة منها القطاع المصرفي والمالي، والقضاء اللبناني والأجنبي، وأجهزة خاصة أو رسمية، اضافة الى نتائج عمليات استطلاع عامة تطبقها بمبادرة منها في القطاع المصرفي أو المالي أو سواهما، ان الهيئة الأساسية في قرار رفع السرية المصرفية عن حساب معين وموضوع شبهة لاتتخذ مثل هذا القرار الا بعد التحقيق من صحة الشبهات، ومن ان المخالفة هي من الجرائم المذكورة في قانون مكافحة تبييض الأموال دون السعي الى التوسع في تفسيره». ومن المهمات ايضا تزويد المعلومات التي حصلت عليها الهيئة حول عمليات تحاكم حاليا، وان وقعت الجرائم قبل اقرار القانون، مع تحديد شروط استعمال هذه المعلومات، وخصوصا ان لامفعول رجعيا لقانون مكافحة التبييض، اضافة الى ان تجميد الحسابات ورفع السرية تحل مكان القضاء اللبناني في اتخاذ القرار النهائي بالنسبة الى حساب ما أو إلى صاحبه، ان الهيئة تبقي أعمالها سرية لكنها تعمد الى اصدار تقرير سنوي عن اعمالها دون ذكر الأسماء، لتبيان عملها وجديته. رادع التبييض واعتبر المحافظون المصارف والمؤسسات المالية باتت تضطلع بدور يتعدى كونها مؤسسات تجارية فتستند اليها مهمات ذات طابع قانوني ونقدي ومالي في مفهوم المالية العامة، داعيا المصارف والمؤسسات المالية الى اداء هذا الدور بجدية ومسئولية اذا ارادت الاستمرار والازدهار. ولعل اهم رادع لتبييض الأموال لدى المصارف وهو تطبيق مبدأ «اعرف من تتعامل معه» مؤكدا ان أهم حماية هو تطبيق القانون والتعاميم الصادرة عن مصرف لبنان أو هيئة التحقيق، وحفز المصارف والمؤسسات المالية على انشاء لجان تدقيق داخلي فاعلة ودوائر قانونية قادرة، وطالب مدققي الحسابات الخارجين التأكد من ان هذه التدابير متخذة لدى المؤسسات التي يتم التدقيق في حساباتها لمكافحة التبييض. ولفت الى ان المؤسسات المصرفية غير مسئولة عن عمليات تبييض الأموال في حال حصلت لديها شرط ان تكون الاجراءات المطلوبة قد طبقت، واعتبر ان قانون مكافحة التبييض هو أفضل حماية لقانون السرية. وقد اسقط كل حجة للضغط، واي تطور في مفهوم التبييض أو في آلية المراقبة أصبح سهل الحل، إذ ان القانون سمح لهيئة التحقيق اصدار تعاميم تطبيقية ضمن سقف القانون. وعن موقف مجموعة «جافي» الايجابي من ذلك القانون الذي راعى كل المعايير المطلوبة، باستثناء اعتبار التهرب من الضرائب جريمة تبييض، قال: إن المجموعة أعلنت تقديرها للتقدم الذي احرزه لبنان من حيث التشريع، وعزفت عن اقتراح عقوبات بحقه، داعية اياه الى التطبيق حيث انها ستتأكد من حسن هذا التطبيق، وتشرع في حذف اسمه عن لائحة الدول غير المتعاونة في مكافحة تبييض الأموال، موضحا انه بنتيجة هذه الانجازات يقوم قطاعنا المصرفي حاليا بتعاطي الاعمال المصرفية عالميا دون أي مضايقة. شبكات بارعة بالتزوير لكن ذلك التطمين اللبناني لايشمل ما تشكو منه معلومات الادارة الأمريكية عن وجود شبكات في لبنان تزاول مختلف أنواع التزوير: «بأحدث الوسائل وببراعة، على حد تعبير أحد التقارير الأمريكية التي تلقاها لبنان مؤخراً بذلك الخصوص. ويعدد التقرير أشكالاً عدة لعالم التزوير اللبناني، ومنها: سيارات مسروقة طوال الاعوام الماضية من لبنان صارت سيارات شرعية، بعد تزوير أوراقها الثبوتية وتغيير لونها وأرقامها وأرقام الشاسي على أيدي مزورين خبراء. ـ حين قبضت بعض الأجهزة الأمنية على أحد المزورين، عثر في حقيبته على نحو تسعة اخراجات قيد عليها صورته الشمسية باسماء إسلامية ومسيحية مختلفة، فتبين لها انه «مزور علماني». ـ هناك شبكات تزوير دولية متخصصة فقط في تزوير تأشيرات الهجرة وسمات الدخول وبطاقات الاقامة وما شابه. ـ المزورون يطلعون باطراد على الأختام الرسمية المتنوعة والتغييرات التي تطرأ على أشكالها وأحجامها ومضمونها. ـ عمليات التزوير تشمل ايضا العلب والمغلفات والأوعية التي تحمل ماركات عالمية للمصنوعات والأدوية. ـ يشمل التزوير عالم الفن، إذ ان هناك شبكات متخصصة في تزوير الأشرطة الغنائية واسطوانات بطريقة بارعة يصعب كشفها. ووفق المعلومات ان ما يقلق الأمريكيين ظاهرة رجال الأعمال الروس الذين يترددون على لبنان لانشاء مشاريع تجارية وسياحية، وخصوصا ان لدى المخابرات الأمريكية معلومات تؤكد ان الأموال التي ينقلها معظم هؤلاء هي أموال سوداء يحاولون تبييضها في مشاريع بواسطة رجال أعمال ووسطاء وسماسرة لبنانيين، وقد تفشت هذه الظاهرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومحاولة الكثيرين من الروس تهريب أموالهم الى البلدان المجاورة، وانتقال الحركة التجارية من افريقيا خصوصا ـ بسبب الاضطرابات المتلاحقة التي شهدتها ـ الى روسيا وألمانيا وبلغاريا وغيرها من الدول الاشتراكية السابقة، ومنذ ذلك الحين بدأ الجميع يتحدث عن المافيا الروسية التي طغت بنشاطاتها وتحركاتها على المافيا الايطالية. ولدى الأمريكيين معلومات دقيقة، وأسماء وعناوين، لشبكات لبنانية متخصصة في تزوير العملات وترويجها وخصوصاً الأمريكية، ولم يخفوا دهشتهم أمام مسئولين أمنيين لبنانيين من الطريقة الدقيقة التي يتم بها تزوير الدولارات، والاحتراف الذي يتمتع به المزورون. وتؤكد مصادر مطلعة ان لدى الأمريكيين ملفا يتضمن تفاصيل عن تفشي التزوير في احدى القرى البقاعية، على ايدي لبنانيين وبواسطة آلات طابعة تعمل على الليزر مع كليشيهات وأختام وأدوات متطورة، فضلاً عن المعلومات التي يحصل عليها المزورون تباعا في شأن الرموز السرية التي تقوم الولايات المتحدة في كل مرة بتعديلها عند اصداراتها النقدية، والأمر الذي يدهش الأمريكيون هو كيفية حصول هذه الشبكات على الورق المستخدم في طباعة الدولارات. ويشارك في عمليات تزوير العملات وتهريبها من لبنان الى الخارج أشخاص من جنسيات مختلفة، ولاسيما من الفلسطينيين الذين يقصدون الدول الأوروبية طلبا للهجرة، ويعتبر احد المخيمات الفلسطينية في لبنان من أهم المراكز التي تجري فيها عمليات التزوير والتي يتولاها مزور فلسطيني محترف مطلوب لدى السلطات اللبنانية، بمذكرات توقيف وأحكام قضائية، وهناك تنسيق بين شبكات هذا المخيم والشبكات اللبنانية الأخرى في اطار تبادل الخبرات واجراء الدورات التخصصية وتبادل الدعم اللوجستي والتقني. وأوردت المصادر ان عمليات التزوير في لبنان تشمل، اضافة الى العملة الأمريكية، العملات العربية والأوروبية، ولدى الشبكات فرق عاملة ميدانيا ومحليا مهمتها ترويج العملات العربية والخليجية، وخصوصا في الصيف بين المصطافين الخليجيين في مناطق عاليه، بحمدون، حمانا، برمانا، بيت مري، بعبدات وصولا الى جونيه. وتؤكد أوساط أمنية ان بعض التنظيمات الفلسطينية في لبنان كان يشتري عملات مزورة يستخدمها في نشاطاته وفي تحركات عناصره. وتابعت المصادر: «من الأمور الأخرى التي يتم تزويرها في لبنان الوثائق، من اخراجات قيد افرادية وصولا الى رخص السوق والميكانيك والاختام والكليشيهات والشهادات المدرسية وحتى بطاقات الاعفاء من خدمة العلم التي تمنحها قيادة الجيش. والأخطر من هذا كله تزوير أحكام قضائية استطاع عدد كبير من غير اللبنانيين الحصول بموجبها على الجنسية اللبنانية، وما يتبع ذلك من حق في الحصول على هوية قيد شخصية وجواز سفر. بيروت ـ شاكر وهبي: