لم يكن امام بارديو اي خيار. فقد اضطر هذا الاندونيسي إلى دفع خمسين الف روبية «505 دولارات» للحصول على خط هاتفي وهو مبلغ يوازي ضعفي التعرفة العادية. لكنه لو لم يفعل لكان انتظر اشهر طويلة. سواء اردتم الحصول على بطاقة هوية اورخصة ماء او تجنب عقوبة او ادانة، او بشكل ابسط حمل البلدية على جمع نفاياتكم، كل شيء في اندونيسيا له ثمنه. وهذا الفساد المتجذر يلقي بعبء في المرتبة الاولى على عشرات ملايين الاندونيسيين الاكثر فقراً في الارخبيل الشاسع. «الفقراء هم الاكثر تعرضاً لطلبات الرشاوى». هذا ما اظهرته دراسة شراكة من اجل اصلاح اداري شارك في تمويلها برنامج الأمم المتحدة الانمائي والبنك الدولي. وشملت الدراسة 1250 اسرة من جاكرتا ويوجياكارتا «وسط جاوا» ومكاسار «سولاويسي». وذكرت الدراسة بين المؤسسات الاكثر فسادا الشركة الوطنية للكهرباء والشرطة والتربية. وتعتبر اندونيسيا بانتظام منذ سنوات بين الدول الاكثر فساداً في العالم. فالفقراء فيها يواجهون وقاحة الموظفين وجشع الشرطيين من دون ان يتمكنوا حتى من تقديم شكوى. المدارس أيضاً تطالب الاهل بدفع نفقات اضافية من اجل البدلات المدرسية والكتب وصيانة المباني. وتتقاضى الشرطة رشاوى مقابل الافراج عن الاحداث الجانحين. في يوجيارتا يوضح سائقو الدراجات النارية انهم يفضلون دفع 15 الى 20 الف روبية للشرطة على دفع غرامة. وفي احزمة البؤس شرق جاكرتا تفرض من دون اي تبرير ضرائب مزدوجة لجمع النفايات. ويشمل الفساد أيضاً برامج المساعدة الاجتماعية. يقول كوسنان وهو سائق دراجة لنقل العربات انه لا يتقاضى حقه كاملاً لكنه لا يجرؤ على تقديم شكوى بهذا الشأن. يوضح «اخشى الا اعود اتلقى مساعدة ان حاولت ان استوضح بعض النقاط». وتشير الدراسة إلى ان معظم السكان ذوي الدخل المحدود مستعدون في الواقع لدفع رشاوى من اجل الحصول على بطاقة هوية اووثيقة ما او ترتيب مسألة ما مع الشرطة. والمثال يأتي من اعلى الهرم الاداري. فنظام «كاي. كاي. ان» «فساد، تواطؤ، محاباة»، عم النظام السياسي خلال السنوات الاثنتين والثلاثين من حكم سوهارتو الذي اضطر عام 1998 إلى الاستقالة، ويعتقد ان عائلة سوهارتو جمعت 15 مليار دولار حسب تحقيق اجرته مجلة «تايم» الأمريكية. وفي الوقت ذاته شهد جنوب شرق آسيا الأزمة الاقتصادية الكبرى التي ضربت اندونيسيا مباشرة. وتتابع الدراسة انه «في غضون بضعة اشهر غرق ملايين الاشخاص في فقر معدم». واليوم تعتبر أسرة من اصل اثنتين عرضة للفقر اي ان هناك احتمالاً بمعدل 50% ان تغرق الأسرة في الفقر في غضون ثلاث سنوات». وتشير الدراسة إلى ان الاكثر فقراً معرضون بصورة «غير متناسية» للفساد. لكن ان كانت الرشاوى موضع انتقاد عموما، الا ان بعض الاندونيسيين يشيدون بـ «المكاسب العملية المترتبة عن تسريع الأمور أو التحايل على القوانين المفروضة».