في جزء من بحثه الكبير حول الجامعات العربية تحدث الدكتور محمد قمبر رئيس قسم التربية بكلية التربية في جامعة قطر عن الحرية الاكاديمية والمثال في الجامعات العربية بين الأصل والتقليد، فوصف النظام التعليمي العربي الحديث بما فيه التعليم الجامعي والعالي بأنه نظام غربي مستنسخ في فلسفته وهيكليته ومؤسساته ومناهجه وأساليبه وتقنياته وليس فيه من أصوله التراثية شيء موصول. وهذا نص ذلك القسم من بحث د. قمبر: ندد عبدالله العروي بهذا التحول الوظيفي للجامعة، فقال: ان الجامعة التي طالما اعتبرت هيكلا أو صرحا لروح البحث والتقصي، ينمو النقد في ظله ويشجع الحوار، تحولت في الواقع الى هيكل لدوجماتية وللدفاع عن نظرية علمية مكتسبة وضمن استمراريتها، وهي بذلك تحد من امكانيات التجديد والابداع وتكبح الرغبة في حل المشكلات، وجل الجامعات العريقة رفضت أو عرقلت البحث الهادف الى الاستغلال الصناعي بدعوى المحافظة على استقلالها وحريتها. ان الجامعة لم تتخل فقط عن انجازات بحوث علمية مكلفة، وانما تخلت كذلك عن روح البحث الولادة للفكر، وعن منهج النقد في موضوعات تدريسها، وعكفت على تدريس معرفة وضعية تؤخذ كمعرفة صحيحة مسلم بها وهي معرفة طبقا لنظرية علم اجتماع التربية الجديد، منزوعة من سياقها الاجتماعي تشيأت واغتربت. وقد استطلع أحد الباحثين آراء عينة من طلبة الجامعات الفرنسية وخلاصتها: ـ الجامعة خدعتهم وأسقطت أحلامهم وخيبت آمالهم فيما كانوا يتوقعونه من إثارة وحفز ودافعية للثقافة والمعرفة .. لم يجدوا غير أساتذة تقليديين محافظين ملقنين للمعلومات، وشراح لمواد دراسية مقطوعة الصلة بالعلم والثقافة والحياة .. إنها مواد للامتحان بعيدة عن أي تكوين علمي أو إخصاب ثقافي أو تنمية انسان. ـ وحتى في العلوم التجريبية، لاأبحاث علمية، ولا تجارب حقيقية، ولا شيء ينمي قدرات ابداعية .. بل إن أكثر الأساتذة لايعرفون مايقولون وبالذات في العلوم الحديثة كالبيولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية. ـ بل وفي العلوم الاجتماعية بعضهم يعلم خطبا انشائية أكثر منها معرفة علمية حقيقية .. وبعضهم ضعاف للغاية، ويغطون ضعفهم بنزعة علموية متعالية. ـ إن الطالب فرد ضائع في زحمة جماهير طلابية، وكثرة أعمال شكلية، ودراسات لا متعة فيها .. وإن العلامات في الامتحان والشهادة هي المعايير التي تحكم الطلاب وتحدد سلوكياتهم الدراسية ولا شيء آخر. ويؤكد المؤلف ان التقدم الذي أحرزته فرنسا في مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية وفي العلوم التطبيقية كان بفضل مؤسسات خارجية مثل: كوليج دو فرانس، والمتحف القومي للتاريخ الطبيعي، ومعهد باستير، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية CNRS. والحرية الأكاديمية تدخل ضمن العناصر المستعارة من فلسفة وأدبيات التعليم الجامعي الغربي، وقد نفينا ـ عكس ما يردده بعض الباحثين ـ وجود تقاليد تاريخية لها في تعليمنا الإسلامي القديم، وبينا نشأتها وظروف تطورها في الدول الغربية.. كما وضحنا مواقف السلطات والتي تجعل منها مثالاً مرغوباً ومرهوباً على السواء. ـ لا تزال الحرية الأكاديمية كمفهوم تبحث عن ضمانات ممارسة. ولا تزال في دول الأصل معلقة أو معوقة كامتياز مرهون. فما حالها في دول النقل والتقليد؟ إنها في دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والتي تفردت بالسيادة في عالم اليوم، وتنصب نفسها حامية لقيم الديمقراطية وحارسة لحقوق الانسان والأقليات في كل مكان، لا تزال تمارس في هذه الدولة انتهاكات ضخمة تتعارض مع فلسفة الحرية والديمقراطية التي تبشر بها وتجعل منها ديانة العصر. في دراستهما عن الحرية الأكاديمية خلال خمسين عاما في أمريكا، وضح جاك نلسن ووليام ستانلي العوامل التي أثرت سلبا في ممارسة الحرية الأكاديمية حتى وصلت الى حالة مزرية في عام 1985. ـ اقتصاديا وصل سلوك السوق التجاري الى الجامعات وأصبح «الأستاذ» يعرض بضاعته كأي شركة ليحصل على الطلبة في مقرراته. ـ دينياً: قويت سلطة الكنيسة فهاجمت بعض الجامعات، وأجبرتها على عدم تدريس نظرية داروين، أو تدريس النظرية الدينية معها. ـ اجتماعياً: منعت بعض جامعات الجنوب كتب بعض الكتاب الزنوج « لعنصرية البيض ضد السود» . ـ وطنياً: سيطرة المحافظين في كتب التاريخ عضدت من الروح الوطنية. ـ سياسياً: تدخلت الولايات المتحدة في المناهج وفي تعيين أعضاء هيئات التدريس وفصلهم. ـ طائفياً: سيطرة الأغلبية المسيحية وتدخلها في «تأليف واختيار» الكتب الدراسية. ـ تربوياً: تظلم بعض الأساتذة في عدة قضايا جامعية خاصة بتدخل الادارات في حريتهم الأكاديمية. كما تعرض بول ستروم لتقرير أعدته جمعية أعضاء هيئة التدريس الأمريكية في مؤتمرها المنعقد بواشنطن في 1985 عن الأخطار التي تواجه الحرية الأكاديمية ومنها: ـ الضغوط الأكاديمية، حيث تدفع الجمعيات الدينية والسياسية عناصرها من الطلاب الى توجيه اسئلة لأساتذتهم في أي موضوع يمكن أن يخالف الأستاذ فيه بعض المبادئ الواضحة أو البديهية، ثم يضغطون عليه بشتى الضغوط النفسية ليتراجع عن رأيه. ـ الضوابط الحكومية للحرية الأكاديمية «والتي تحد من ممارستها على أرض الواقع». ـ التعيين العشوائي، والضغط على الجامعة لقبول أشخاص معينين، ومراجعة سير الحياة العملية للأساتذة الحاصلين على عقود طويلة أو دائمة «وهي» مراجعة يخشى الفصل أو التقدم للترقية «ويصبح» مسالماً يحذر غضب الادارة، ولا يظهر أي آراء لاترضى عنها الجامعة. هذه هي الحرية الأكاديمية مهلهلة ومنتهكة في عيون أصحابها، وقد رأينا صوراً مماثلة في أعرق دول الديمقراطيات الغربية، وقد تعمدنا تقديمها وتوضيحها حتى لا نفجع عندما نرى لها صوراً أشد عتامة سواء في جامعتنا العربية، وهي التي جرت في نقل وتقليد الى الأصل والمثال. وسوف نستعرض معوقات هذه الحرية كما هي في واقعها المعاين، ثم نلجأ إلى تحليل العوامل والمؤثرات التي تقف وراءها خارجيا وداخلياً في الجامعات العربية ونختم هذا الجزء بما يتوجب عمله لتدعيم الحرية الأكاديمية أشكالاً وأفعالاً. وعندنا معوقات خارجية جرت عادة بعض الباحثين العرب على ذكر مظاهر للحرية الأكاديمية في جامعاتنا العربية، ويدخلون في مضامين هذه المظاهر كل ما يتصل بفعاليات الادارة وهيئات التدريس كتجليات واضحة تعكس جوهر الحرية الأكاديمية، وان كانت تتصل بالجانب المهني الممارس في صيغة مشاركة رمزية أو في أعمال روتينية بسيطة أو مهمشة لكنها مخططة من أعلى ومحكومة من فوق، في الوقت الذي يهملون فيه ما يتصل بسياسة المبادرة واستقلالية العمل وإبداعية الفكر مما يعكس حقيقة هذه الحرية، ولهذا رفض بعضهم القبول بوجود جامعات عربية، إذ ليست سوى ظاهرة جامعية. ولهذا فنحن نعكس الوضع ونتكلم عن معوقات بدلاً من مظاهر وتجليات. من المؤسف ألا يكون للحرية الأكاديمية وجود تشريعي أو نص قطعي، واضح ومحدد، سواء في الدساتير أو القوانين العامة أو اللوائح الجامعية وكأن الحرية الأكاديمية لا وزن لها ولا قيمة يعتد بها عند السلطات المسئولة عن التعليم الجامعي في الدول العربية. ومع ذلك فقد وردت اشارات عامة في بعض قوانين إنشاء الجامعات تختصرها عبارة «الجامعة شخصية معنوية أو اعتبارية مستقلة» كما هو الوضع في معظم قوانين الجامعات العربية باستثناء قلة من الدول كاليمن لا وجود فيها لقانون تنظيمي للجامعات ولا وزارة للتعليم العالي أو مجلس أعلى للجامعات. وينفرد الأردن بأن قوانين جامعاته بها نص أكثر صراحة وتحديداً، فالجامعة ـ شخصية معنوية مستقلة ماليا واداريا ـ وهي مستقلة علميا، وتحقيقا لذلك تقوم بوضع برامج أبحاثها ومناهجها الدراسية والتدريبية، وتعقد الامتحانات، وتمنح الدرجات العلمية والفخرية والشهادات، وتحدث الوظائف في أجهزتها العلمية والفنية والادارية وتعين فيها. وبالنسبة لعضو هيئة التدريس في الجامعات الأردنية فإنه يتمتع في نطاق عمله الجامعي بالحرية الكاملة في التفكير والتعبير والنشر وتبادل الرأي فيما يتصل بمواضيع الدراسة ونشاطاته الجامعية، وذلك في حدود القوانين المعمول بها، مع الالتزام بالأنظمة والتعليمات الجامعية. في العبارة الأولى نص صريح خاص باستقلالية الجامعات في ادارتها، وفي العبارة الثانية نص صريح في حرية أكاديمية للأستاذ الجامعي، وإن لم تذكر كلمة «أكاديمية» واستعيض عنها بكلمة «كاملة» لكنها شاملة لمدلولات الحرية الأكاديمية المنضبطة. وسواء وجد نص صريح شامل كما في الأردن، أو جزئي كما في مصر، أو عام ومختصر كما في أكثرية الدول العربية، فإن الدلالات العملية لمفاهيم الحرية الأكاديمية تكاد تختفي أو تهترئ على كل أصعدة العمل الجامعي، فالعبرة ليست بالنص وانما بإفساح المجال لتطبيقه واحترام هذا التطبيق، وتقف عبارة «في حدود القوانين المعمول بها مع الالتزام بالأنظمة والتعليمات الجامعية» قيدا كبيرا تشل به السلطات أية حركة ايجابية للجامعة أو للجامعيين ترى فيها خطراً أو تهديداً، كما يتبين ذلك من وقائع الممارسة في جامعاتنا العربية. ونظراً لغياب نص تشريعي واضح ومحدد في الدساتير والقوانين واللوائح التنظيمية للجامعات ومنظومات أهدافها التعليمية، فإن أعضاء هيئات التدريس يتجاهلونها كحق يسعون للحصول عليه، ويسيئون ممارسته أو يختلفون في تفسيره والعمل بمقتضاه .. ففي الجامعة الأردنية يرى 96.6% من الأساتذة غموضاً في المفهوم، بينما 80.4% منهم يمارسونه وفقاً لاجتهاداتهم الشخصية «وهي ممارسة عملية أو مهنية تقليدية أكثر منها فكرية إبداعية تدخل في صميم الحرية الأكاديمية»، وتهبط هذه النسبة الأخيرة إلى 71.4% في جامعة مؤتة، وقد عبر أعضاء هيئة التدريس بها عن آراء غريبة ومتناقضة في ادراكهم لمفهوم الحرية الأكاديمية. ادارة للخفارة في معظم جامعاتنا العربية ـ إن لم تكن كلها ـ لا نجد حرية الادارة أو استقلاليتها الكاملة ـ فالجامعة إما عامة تحكمها الدولة أو خاصة يحكمها أصحاب الأعمال كاستثمار ربحي، تنهض كسلطة حراسة على الوضع القائم نيابة عن الدولة أو الملاك .. ومهمتها تنفيذ التعليميات وتسيير الأمور على الوجه المعتاد .. وتختفي كل المفاهيم الحديثة عن ادارة ذاتية ديمقراطية تشاركية تتوزع على مجالس نوعية «في مستوى الجامعات والكليات والأقسام» لها مسئولياتها وصلاحيتها، والأساتذة هم صناع سياستها، وللطلبة فيها رأي يذكر أو تمثيل لا ينكر. وبرغم ما تنص عليه اللوائح الجامعية التنظيمية لهذه المجالس من اختصاصات، فإنها مع وجودها تمثل في الواقع ديكورات مظهرية ولا تمتلك أية قوة وظيفية في رسم السياسة التعليمية واتخاذ قراراتها المهمة الا فيما يتصل بأبسط الأمور الروتينية وتنفيذ التعليمات الفوقية، فالأقسام محكومة بأوامر مجلس الكلية، ومجلس الكلية محكوم بأوامر مجلس الجامعة، ومجلس الجامعة في سياسته العامة محكوم بأوامر المجلس الأعلى للجامعات، وهذا الأخير محكوم بأوامر وزير التعليم العالي الذي ينفذ سياسة حكومته .. ويلغي أي قرار ـ كما في مصر ـ يصدر في مستوى مجلس أدنى يعترض عليه في مستوى مجلس أعلى. إن النظام الاداري الجامعي هرمي السلطة، ثقيل القمة Top Heavy System كذلك النظام الاداري الذي حكم بع مارجريت تاتشر الجامعات البريطانية، والذي جسد ادارة مسيرة حسب المفهوم التايلوري، لا تملك القاعدة فيه ثقلاً أو وزناً، ومن ثم فلا سياسة لها ولا مبادرات أو قرارات. ففي الأردن ألغيت مجالس أمناء الجامعات التي مثلت الى حد ما نوعاً من استقلالية الادارة .. وقد حلت هذه المجالس في 1985 بإنشاء وزارة التعليم العالي التي قلصت حدود الاستقلال الاداري للجامعات. وفي تونس حذف منصب رئيس الجامعة بقانون 24/1/69 لفشله في قمع مظاهرات الطلبة في عام 1968، وألحقت مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي مباشرة بوزارة التعليم، وانتقلت صلاحيات رئيس الجامعة الى عمداء الكليات ومديري المعاهد المعينين، وأصبحوا مرتبطين مباشرة بالوزارة، كما انتقلت سلطة مجلس الجامعة الى مجالس الكليات برئاسة العمداء المنفذين. وفي مصر برغم تمتع كل جامعة باستقلاليتها الذاتية فإن المجلس الأعلى للجامعات هو الذي يحدد سياسة التعليم ويترك لكل جامعة مسئولية تنفيذها، وهذا المجلس يحكمه بصفة مباشرة وزير التعليم العالي ممثلاً للسلطة الحاكمة، ويستطع الغاء قرارات أي مجلس جامعة إذا وجد فيها من وجهة نظره ما يخالف السياسة العامة للدولة. وفي جامعات خليجية تسير مجالسها بأعضاء أغلبهم جاءوا بصفتهم الحكومية أو بصفتهم رجال أعمال بارزين، ولهؤلاء الكفة الراجحة في اتخاذ القرار، والذي قد يكون استجابة عملية لرأي الرئيس الأعلى للجامعة، أو الرأي الذي تصوغه في الخارج الديوانيات والمجالس الخاصة وأحياناً ما خرجت منها قرارات تضرب بقوانين الجامعات ولوائحها عرض الحائط. ويعمم بعضهم هذا الوضع في كل الجامعات العربية وإن كانت له درجات، لكنه يجسد ظاهرة تبعيتها الادارية للحكومات، ومعاناتها من كثرة التدخلات والضغوط الخارجية، مما يحجم الى حد كبير السلطة الادارية الجامعية ويجعلها بحق ادارة خفارة. وفي رأي مخالف وفريد، تغنى د. خالد المبارك بمآثر الادارة العليا وبالذات المجلس القومي للتعليم العالي في السودان والذي تأسس في 1975 إذ بينما يحتكر في يده السلطة العليا المركزية وبرغم بعده عن الكمال الا انه وفر الحرية الأكاديمية، والحرية المالية واستقلال المؤسسات، إذ لها مجالس ادارات ذات صلاحيات نافذة خلصتها من البيروقراطية وبطء الحركة وليت الوقائع تصدق قوله. تمويل للبسط والشفط وكلمة بسط أو شفط لها في عبارتنا دلالة خاصة، فالبسط يعني مد الهيمنة الحكومية كممول وحيد أو كبير للجامعات، وتستطيع من خلاله إحكام رقابة سابقة ومرافقة ولاحقة لانفاقات الميزانية التي تمنحها .. والشفط في العامية المصرية يعني المص والبلع، وبهما تسحب الحكومة كل الصلاحيات التي قد تستخدمها الجامعات لممارسة وتأكيد استقلاليتها في مواجهة الدولة. وكأسلوب في إذلال جامعة فؤاد الأول «القاهرة حالياً» طالب أعضاء مجلس النواب بالحد من ميزانية الجامعة التي تخرج ملاحدة مثل طه حسين، كما طالبوا بإلغاء وظيفته وعدم الموافقة على الاعتماد المخصص لهذه الوظيفة. ولقد عرفنا كيف أحكمت تاتشر قبضتها على جامعات بريطانيا بإلغاء لجنة المنح الجامعية UFC، وكانت بمثابة وكالة إحسان خيرية تأخذ الأموال من الخزانة العامة وتوزعها على الجامعات دون تدخل في شئونها، وأحلت محلها مجلس التمويل الجامعي UFC والذي أخضع الجامعات بسياسته التمويلية لمعايير الرقابة والتقويم. وفي دولة قطر، وقد نص قانون انشاء جامعتها رقم 2 سنة 1997 على أنها شخصية اعتبارية ولها ميزانية مستقلة، فإن النص معطل لفظا ومعنى، شكلا ومضموناً، حيث تحرم الجامعة من ممارسة حق قانوني يسمح لها بحرية التصرف في انفاق ميزانيتها على الوجه الذي تراه، فلا يحق لها نقل مخصصات بند لبند اخر، ولا تملك رصيداً تحت يدها يسهل لها سرعة انجاز العمل، وكما قال أحد مدرائها السابقين قرارات مجلس الجامعة المالية والادارية لا تنفذ الا بعد موافقة وزارة المالية وديوان الخدمة المدنية، كل فيما يخصه، وهذه سياسة تتسبب في إعاقات كثيرة، وماذا تفعل هذه الجامعة أمام تقلص ميزانيتها السنوية بنسبة 15% في الفترة الأخيرة، وقد تجمدت بعض مشروعاتها، ولاتملك إلا أن تخضع لسياسة الدولة التقشفية في مجال التعليم. وحقيقة ان الذي يملك سلطة المال يملك سلطة فرض سياسته، هذه قاعدة عامة متبعة في معظم دول العالم، وما أكثر الحجج التي تبررها سلطات التمويل الحكومية لسياساتها الاشرافية والمحاسبية .. وقد ذكر السادات رئيس جمهورية مصر الأسبق أساتذة الجامعات بمنة تفضل بها عليهم إذ قال: «لقد سمحنا لهم أن يبيعوا كتبهم لطلبتهم دون ضرائب تأخذها الدولة منهم». ولهذا فإن الجامعات التي ترث أوقافا وتدير مشروعات استثمارية، وتتعدد مواردها التمويلية، تجد نفسها في وضع أكثر حرية واستقلالية من الجامعات التي تعتمد في ادارتها وتمويلها على الدولة .. وجامعة هارفارد الخاصة شاهد نموذجي لهذا الوضع المميز. وجامعات الأردن التي سمح لها القانون بفرض ضرائب تعليمية خاصة بها، تشعر أنها أفضل نسبياً من غيرها في سرعة اتخاذ القرار وتسيير الأعمال فيما يتطلب كلفة مالية وينفي آخرون هذا الامتياز حيث يرون بقاء التسلط الحكومي على حاله لأن وزارة المالية هي التي تحصل رسوم الجامعات، وتصبح أداة في يد الدولة للتدخل أو لحجب الأموال أو لتأخير الدفع. ومن جهة أخرى فإن جامعات مصر التي تقدم تعليما مفتوحا مدفوع الأجر، كجامعات القاهرة والاسكندرية وأسيوط، تجد لنفسها حرية الحركة في توفير هذا التعليم وتسيير نشاطه. الدوحة ـ «البيان»: